آذار شهر المقاومات

19 مارس 2015 پنج ش

آذار هي المقاومة والانتفاضة هي الجرح النازف والمأساة الملتهبة لأقدم شعب تعرض لأقدم خيانة وإبادة وإنكار وانصهار في تاريخ الشرق الأوسط



 






بقلم الثوار

آذار أو باللغة الكردية آفدار AVDAR ( أي بمعنى امتصاص الأشجار للماء إلى درجة الانسجام والوحدة بينهما ) هذا الشهر الذي تحول إلى عنوان للتغيير والتبدل والتحول والصراع الحاد فيما بين ما هو رديء وما هو حسن في جغرافية كردستان وطبيعتها ومجتمعها، أضحت شهرا لا يمكن التفوه بها دون تشخيص تاريخ الكرد القديم والجديد معا. 9 آذار، 12 آذار، 16 آذار، 21 آذار و28 آذار، كلها عنوانين للمقاومة والمآسي والأحداث الهامة في تاريخ الكرد. هذا إذا وضعنا التبدل، التوازن والانسجام الحاصل في الطبيعة والمتجسد في وحدة الزمن بين الليل والنهار في 21 آذار والاعتدال المتجسد في التوازن فيما بين البرودة والسخونة في هذا الشهر  بالحسبان، فإننا نرى أنفسنا أمام لوحة اسمها آذار بكل جمالها ورونقتها وتوازنها واعتدالها وبكل تناقضاتها الغير قابلة للمساومة والتهاون. هل يمكن القول بان تمتع آذار بكل هذه الخصوصيات هي محض صدفة ؟ فعلا هذا السؤال يتطلب الجواب عليها بعد تفكير عميق ورحلة في أعماق التاريخ ذهنيا وعاطفيا وحسيا. فالعقل وحده أو العاطفة وحدها لا تكفي لفهم هذه الصيغة التساءلية لهذا الشهر ولا تكفي لفهم الجدل "الديالكتيك" الخاص بها. فآذار مختصرا هي المقاومة والانتفاضة، هي الجرح النازف والمأساة الملتهبة لأقدم شعب تعرض   لأقدم  خيانة وإبادة وإنكار وانصهار في تاريخ الشرق الأوسط. آذار هي كاوا هسنكار وكاوا العصر وعكيد والشهيدة حلبجة والجريحة قامشلو، آذار هي محمد شيخو وأشجان البلبل الحزين الذي يغني لنا أغنية الأمل في كل نوروز، آذار هي نوروز التي ترسل جدائلها من زاغروس وطوروس إلى المحيط وتتوحد مع الكون وتنظفها من خبث ضحاك وأزلامه. آذار هي البداية وليست الخاتمة، لأنها الأمل الحي والعشق الدافئ في قلب كل كردي وشرق أوسطي يسعى إلى الحرية. آذار هي الصدفة والضرورة معا. آذار هي عنوان التناقض والصراع والنضال فيما بين العبودية والحرية على ارض كردستان. آذار يعني  تجدد الأمل في المقاومة والنضال من اجل الوجود والكرامة الكردية المدهوسة تحت أقدام عصابات الاتحاد والترقي  الطوراني والبعث الشوفيني والقوموية الفارسية المتسترة تحت عباءة الدين. هكذا تحولت آذار إلى ميدان للمقاومة والانتفاضة التي بدأها كاوا هسنكار وحدثها كاوا العصر ( مظلوم دوغان ) وصقلها قائد الكريلا الكردية المعاصرة عكيد (معصوم قورقماز ) وغناها البلبل الحزين محمد شيخو في شوارع قامشلو وكوباني وعفرين وعامودة وديريكا حمكو وزورافا.  إنها التاريخ، تاريخ الكردي الحر، الديمقراطي، الذي لا يقبل الخنوع والإهانة على يد الضحاكين المعاصرين. هذه هي انتفاضة 12 آذار avdar) )التي أشعل شرارتها قامشلو، مدينة الأمل والحب والوحدة الوطنية وتحولت إلى لهيب شملت جميع أبناء الشعب الكردي بدءا من عين ديوار انتهاء بحي زورافا في الشام.
لقد كانت هذه الانتفاضة ردا على المؤامرة التي أدت إلى اعتقال قائد الشعب الكردستاني على يد المخابرات الإسرائيلية والأمريكية وتسليمه إلى الدولة التركية. لان حكومة البعث وقعت اتفاقية أمنية ضد نضال الشعب الكردي من اجل الحرية بعد خروج القائد آبو من سوريا وسميت باتفاقية اضنة وعلى قاعدة هذه الاتفاقية، توسعت وتعمقت وتفرعت الاتفاق الاستراتيجي بين الدولة الطورانية التركية والبعث العنصري في سوريا إلى أن وصلت إلى درجة قيام العصابات البعثية والعصابات الفاشية التركية بحملات قمعية ودموية مشتركة ضد الشعب الكردي والجماهير الكردية في غربي كردستان بشكل خاص. ولكن هذا الصميمية والصداقة البعثية الطورانية القائمة على العداء للشعب الكردي المضطهد تمتد إلى المهندس والمخطط  للمشروع الشوفيني ضد الكرد والمدعو ب محمد طلب هلال. لان هذه الشخصية الأمنية والذي عمل ضابطا في الأمن السياسي " المباحث السياسية حسب التعبير تلك المرحلة" ومسؤولا للمخابرات في منطقة الجزيرة الكردية قبل البعث، جهز مخططه ومشروعه الشوفيني الساعي إلى تعريب غربي كردستان وإفراغها من سكانها الأصليين ( الكرد )، بمساعدة الفاشيين الأتراك المنتسبين إلى حزب الشعب الجمهوري الذين ارتكبوا مجزرة ديرسم. لقد كان محمد طلب هلال بعثيا عنصريا ورئيسا لقسم المخابرات السياسية في الجزيرة قبل الانقلاب البعثي في 8 آذار عام 1963 وبعد الانقلاب العسكري في 27 أيار سنة عام 1960 في تركيا. وكما هو معروف بان ضباط هذا الانقلاب كانوا قريبين من حزب الشعب الجمهوري وزعيمها عصمت اينونو ( عميل الانكليز الأساسي في تركيا ).لقد كان هناك تنسيق ومشاورات فيما بين السلطات السورية والتركية عبر هذه الشخصية المدعو محمد طلب هلال  فيما يخص مسالة تصفية أية نشاط سياسي على طرفي الحدود ( سرخت وبنخت ) فيما بين شمالي كردستان وغربي كردستان. وقد استلهم هذا الضابط البعثي توجهاته وأرائه بصدد المشروع الرسمي الأول للدولة السورية بصدد تعريب غربي كردستان وإتباع سياسة التهجير والتجويع والتخويف والصهر القومي، من هذه المشاورات والمناقشات التي أجراها مع الضباط والمسؤولين الأتراك القريبين أو المنتسبين إلى حزب الشعب الجمهوري في عام 1962. وقد استمر بشار الأسد بعد أن تسلم سدة الحكم من أباه بالوراثة في هذه السياسة الهلالية الشوفينية ضد الشعب الكردي بمساعدة حكومة اردغان الهلالية من طراز الإسلامي الأمريكي الصهيوني التركي  " المعتدل ". وبسبب زيادة حدة القمع والقتل والإرهاب ضد الجماهير الكردية في غربي كردستان بشكل عام ومنطقة الجزيرة بشكل خاص، انتفضت الجماهير الكردية التي شعرت بالاهانة على يد عصابات البعث الآتية من مدينة ديرالزور ( التي تشبه مدينة قيصري التركية من ناحية سيطرة الذهنية القوموية المعادية للكرد على مزاج الشارع بيد الدولة ) والتي كانت مدججة بالأسلحة النارية والأدوات الحادة عندما نزلوا إلى الملعب البلدي في قامشلو وهاجموا الشبيبة الكردية بدعم من عناصر الشرطة والأمن البعثي في المدينة. والتكتيك الأساسي التي اعتمدت عليها عصابات البعثية، هي تسليح بعض العشائر العربية وتحريكها ضد الكرد بعد تأجيج عواطف القوموية الكاذبة لديها تحت اسم الأمن القومي أو ما يسمى كعادة المستبدين " المؤامرة الخارجية " أو" العمالة لأمريكا وإسرائيل " وما شابه من الاتهامات الرخيصة  التي استعملها بن علي في تونس ومبارك في مصر قبل هروبهم تحت ضغط الانتفاضة الشعبية الديمقراطية في الآونة الأخيرة.ولكن كانت هناك عشائر عربية أصيلة مثل عشيرة شمر رفضت حمل السلاح ضد إخوانهم الكرد ولم ينصاعوا لأوامر البعث الساعي إلى خلق فتنة داخلية بين أبناء الشعب العربي والكردي بهدف تمتين كرسي السلطة المتفسخ.لقد قدم الشعب الكردي مقاومة بطولية ووحدة وطنية لا سابق لها في غربي كردستان من خلال هذه الانتفاضة وقد وصل عدد الشهداء إلى أكثر من 50 شهيدا وأكثر من مئتي جريح والآلاف من المعتقلين. كما قامت عصابات البعث " البلطجية " بحرق ونهب وسلب أموال الكرد ومحلاتهم لزرع الرعب والإرهاب في نفوس الجماهير منذ اليوم الأول من الانتفاضة كما كان الحال في تونس ومصر من قبل عصابات بن علي ومبارك وكما هو حاصل في اليمن وليبيا على يد عصابات السلطة المرتزقة وكما حصل في شمالي كردستان على يد عصابات تانصو جيلر ودوغان كريش ( في مدن جزيرة بوطان وليجة ونسيبين ) وكعادة جميع الطغاة والمستبدين في هذه المنطقة.
بالنسبة إلى الانتفاضة الشعبية في 12 آذار، كان هناك نقاط ضعف جدية من ناحية مبادئ الانتفاضة وتكتيكاتها وممارستها وأسلوبها. النقطة الأولى تكمن في عدم إتباع إستراتيجية الدفاع المشروع الذاتي و تكتيكاتها من قبل الجماهير المنتفضة وعدم وجود مثل هذا الوعي والآلية إلى حد كافي لدى المنتفضين. هذه الإستراتيجية تتجسد في الاعتماد على الطاقة والقوة الشعبية المحلية ضد الآلة القمعية للسلطة والعصابات البلطجية التابعة للدولة. وأما تكتيكاتها فتتضمن التنظيم والممارسة اليومية واللحظية حسب الضرورة واستجابة للمشاكل والصعوبات  التي تواجهها المنتفضين في مجال الإعاشة، الصحة، الإعلام ,الارتباط، التنسيق عبر اللجان والكومونات والمجالس الشعبية على مستوى البلدات والقصبات والمحلات والمدن والأقاليم. وأما الأسلوب والطراز، يعني كيفية القيام بالانتفاضة والأدوات والطرق الواجب أتباعها للوصول إلى الأهداف المشروعة.   ومن هذه الناحية، يمكن القول بان أسلوب العصيان التقليدي الكلاسيكي المتبع في الانتفاضات الكردية التاريخية ( شيخ سعيد، ديرسم،أغري ) كان غالبا في انتفاضة 12 آذار لدى جماهير غربي كردستان. أي بمعنى ضعف الجانب السياسي البراتيكي ( العملياتي ) في حركة الانتفاضة. وكــأن تصفية عدة مراكز حكومية في مدينة معينة كافية لإنجاح الانتفاضة والدخول في نشوة الانتصار، أو كأن عدة تصريحات معتدلة ومرنة من جانب مسؤولي الدولة تعني نهاية كل شيء. لاشك بان هذين القطبين المتناقضتين أو الخصوصيتين يصبان في نفس الاتجاه، ألا هو عدم وجود بصيرة سياسية ووعي سياسي وحنكة لدى المنتفضين.لاشك بان عدم وجود آلية التنظيم الشعبي بدءا من باللجان ومرورا بالكومونات وانتهاء بالمجالس الشعبية كان له أثره البالغ في عدم وجود رؤية سياسية وآلية للتنسيق والارتباط والإعلام الخارجي والدبلوماسي.
يمكن الإشارة إلى أن انتفاضة 25 يناير في مصر كانت نموذجا من ناحية الدور الريادي للشبيبة والمرأة الديمقراطية في عملية بناء آلية الدفاع المشروع الذاتي ( اللجان، الكومونات في ساحة التحرير، المجالس الشعبية، المجلس العام للثورة... والخ ) والاستجابة لحاجات الصحة، الإعاشة، والتغطية الإعلامية عبر البريد الالكتروني والوسائل الأخرى وعملية التنسيق والأرتباط وتحديد أوقات الأعتصام والحشد الجماهيري بشكل جيد وخلاق.وهنا يجب الأشارة إلى أن الأنتفاضة عمل شبه جبهوي من حيث حجم المشاركة لمختلف الفئات والشرائح ومن حيث الإطار العام للمطالب والأهداف. لذا تبرز المرونة السياسية والخطاب والشعارات السياسية والدعاية والتحريض المناسب إلى الأمام.بشكل عام إذا أمعنا النظر إلى انتفاضة 12 آذار من هذه النواحي كلها، بغض النظر عن الظروف والخصوصيات المتعلقة بالوضع الكردي المميز في كثير من جوانبه، فإننا سوف نرى بأنها كانت ضعيفة وقاصرة في كل هذه المجالات التي لابد منها في الانتفاضة. على الرغم من عدم وجود قاعدة تقضي بنجاح كل انتفاضة أو وصولها إلى نفس الأهداف والنتيجة، فإننا مجبرين على دراسة هذه التجربة والاستفادة من دروسها وتجاربها من اجل عدم الوقوع في نفس الأخطاء وتكرارها.
ولكن رغم كل ذلك فإننا نتمكن من القول وبكل سهولة، بان انتفاضة 12 آذار عام 2004 في غربي كردستان تشكل ميراثا لا يستهان به في مسيرة النضال الديمقراطي الشعبي والدفاع المشروع والذاتي لغربي كردستان بشكل خاص وسوريا بشكل عام، وان دماء هؤلاء الشهداء ستكون حافزا لنا من اجل رفع وتيرة النضال الديمقراطي الشعبي من أجل الإدارة الديمقراطية لغربي كردستان والديمقراطية لسوريا في ذكرى هذه الانتفاضة المجيدة.