التاريخ يبدأ من هنا

12 مه 2015 سه شن

مكانة النهضة الحقيقية في الشرق الاوسط



 







بقلم فؤاد


الشرق الاوسط بموقعه الجيوبولوتيكي والاستراتيجي لعب دورا كبيرا في التاريخ ورسم معالم المستقبل الانساني، فمقولة "التاريخ يبدأ من هنا " له تجسيد لهذه الحقيقة وتؤكده آلاف االدراسات الاثرية والعلمية والتاريخية.فالثورة النيولوتية التي شهدتها البشرية كاول ثورة انسانية ، بدات في هذه المنطقة. هنا اخترعت اول كتابة وظهرت الاساطير، الاديان، الحقوق، الاداب، الموسيقى، كما ظهرت المدن والقرى الاولى، واسست الدول والدويلات.  هذه الارض هي  موطن الحضارات السومرية والاكادية والبابلية والاشورية التي دفعت عجلة التطور الانساني الى الامام. لقد ظهرالابداع الثقافي في هذه المنطقة باروع اشكاله حتى غدت مركزاً ثقافياً حضارياً ارسل بانواره الى كل اتجاهات العالم الذي لا بد ان يعترف بمديونيته لهذه الحضارة وقبولها كاحدى الحقائق التاريخية. يمكننا رؤية هذه الحقيقة بكل جلاء في الثقافة اليونانية التي كانت تدعي امومتها لكل الثقافات العالمية، حيث تاكد بما لا يقبل الجدل ان هؤلاء قد اكتسبوا واستوردوا الثقافة الشرقية، واضافوا اليها اكثر مما ابدعوا من ثقافة خاصة بهم.ولكن اذا امعنا النظر الان في هذه المنطقة فلا بد ان يبادر الى اذهاننا السؤال التالي: لماذا لم يشهد الشرق الذي كان مركزا اشعاعيا ثقافيا، نهضته كالغرب..؟ للاجابة على هذا السؤال يتطلب المزيد من الدراسة والتحليل العلمي الواقعي على كلا الجانبين؛ فالغرب شهد نهضة حضارية  بفضل الاصلاحات والتغييرات الجذرية التي اجراه  في بنية مجتمعاته عبر القيام بثورة ذهنية في المجال الديني؛ حيث حللوه بشكل علمي ومنطقي. بهذا الصدد يقول القائد " تمكن الغرب من حل قضية الدين وبهذا تمكن من فتح الشرق عشرات المرات".في القرن السادس عشر بدأت حركات الاصلاح الديني بموجات عنيفة ضمن اوروبا الغربية التي مهدت السبيل امام نضال الطبقة البرجوازية الفتية ضد النظام الاقطاعي البالي، فقامت هذه الحركات بالقاء الضربة القاضية الى سلطة الكنيسة، وفصلت الدولة والسياسة عن الدين متخذتاً  طابعا جماهيريا عارما. ومن ابرزهم:

أـ  مارتن لوثر في المانيا(1517م): الذي دعا الشعب الالماني الميسور الى النضال ضد سلطة الكنيسة،بهذا الشأن  يقول لوثر : " لن تستطيع ان تقبل كلاً من الانجيل والعقل؛ فاحدهما يجب ان  يفسح المجال امام الاخر".

ب ـ جون كالفن في فرنسا( 1509ـ 1561م) والانغكيلانية في انكلترا: هذه الحركات رفضت الحكم الكنيسي الكهنوتي، واعلنت افكارها الدنيوية وقربها من المجتمع الانساني،  كما مهدت السبيل لنشوء علاقات النظام الجديد( الراسمالية) وظهور الطبقة البرجوازية الفتية التي تتطلع الى قيادة وادارة النظام الجديد في المجتمع،  حيث تم الاعلان عن ميثاق حقوق الانسان في الحكم وحق الانتخاب. وهنا قام طلبة العلوم الانسانية بالنهضة في مجالات( الادب، الفنون والفلسفة) ومن ابرزهم( مكافيلي ـ دافنتشي ـ سان سيمون)، فنظرياتهم العلمية المتنورة كانت له صدى واسع بين كافة فئات المجتمع. كل ذلك ادت الى نضوج الظروف الموضوعية والذاتية لمرحلة الثورات البرجوازية القومية في اوروبا، حتى احرزت النصر في ثورة فرنسا وهولندا، فاتحة بذلك معالم عصر جديد في اوروبا سُمي بعصر النهضة والتطور الذي مهد السبيل  امام تصدر الحريات السياسية والاجتماعية والحقوق المدنية والديمقراطية وسيادة القانون على اسس عصرية علمية راسخة.اما الشرق الاوسط الذي كان يعاني من تخلف  وتشرذم في البنية الاجتماعية والاقتصادية والفلسفية والعلمية، فقد بقي منغلقا على نفسه، وبدا بالتاكل الداخلي ولم يتمكن من مواكبة العصر، لانه كان يشهد موزاييكا مختلفا في كيانه ووجوده وذهنيته.  تناول الدين بموضوعية وعلمية في الغرب كان مفتاح نهضته، إلا ان ذلك لم يتحقق في الشرق الذي كان منبعاً للافكار الاصلاحية الاولى في تاريخ العقل البشري وصاحب اولى القوانين الوضعية التي اوجدها الانسان لتنظيم حياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. لم يفلح الشرق في هذا المجال، بل لاق فشلاً ذريعاً. واصبح الدين من اهم العوامل التي ساعدت على عدم تاصل الفلسفات المرتكزة على التطور العلمي، لان الايديولوجيات والفلسفات الغيبية معادية في جوهرها للتقدم الاجتماعي ويقوم موضوعيا بصرف افكار الناس واهتماماتهم عن المشاكل الملحة للصراع الطبقي الاجتماعي. ان الارتباط الاعمى ادى الى وقوف هذه المجتمعات امام التغيرات الجديدة والجذرية، حتى وصلت بها الامر الى اتخاذا مواقف العداء والنبذ الاجتماعي تجاه الذين اقدموا على اجراء الاصلاحات اونادوا بها.ومن ابرز المتنورين الذين دعوا الى ذلك:

أ ـ ابو  بكر بن باجة( 1106م) الذي يقول" ان العقل البشري يتكون من جزأين؛ العقل المادي الذي يتصل بالجسم ويموت بموته، والعقل الفعال او العقل الكوني غير البشري الذي يوجد في كل الناس وهو وحده لا يموت بموتهم. والتفكير الاسمى هو صفة من وظائف الانسان، فبالتفكير وحده لا بالنشوة الصوفية يصل الانسان الى المعرفة الفعالة وهو الله"

ب ـ فلاسفة العقل (ابن رشد، ابن سينا) ومنصور الحلاج...الخ. من الاسباب التي ادت الى فشل اؤلئك هي السلطة السياسية التي كانت تخشى من الافكار والاراء والفلسفة والعلمية الجديدة، لان هذه الافكار سوف تكشف الجوهر الاستغلالي للنظام الطبقي الذي يرتدي الرداء الديني كغطاء للنظام الاقطاعي المستغل الذي لجأ الى احراق الكتب الذهبية للمتنورين، اوالقى بها في الانهار. ان هذا الوضع خلق حالة من التقوقع الفكري والانزواء الايديولوجي، فاصبح الانسان الشرقي ضحية هذه الايديولوجيات وشكل حياته بناء عليها، بذلك دخلت المنطقة في حالة من الجمود الفكري والخوف من التطور، كما ابعدته عن النهضة الفكرية. اذاً لاجل القيام بالنهضة في الشرق الاوسط يتطلب تطبيق الأسس التالية:

اولا ـ إزالة كافة اشكال الهيمنةالإستعمارية في المنطقة المتمثلة في القوى الخارجية(الامبريالية) من جميع النواحي، الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، والثقافية. فالهجرات والحملات الخارجية التي توالت في كل مراحل تاريخ الشرق، استفادت من الاجواء الموجودة، واستغلت التفاوتات والتناقضات الاثنية والعرقية والدينية والقومية، جاعلة إياها وسيلة لفرض سيطرتها على المنطقة وتفتيتها وتجزئتها الى دول ودويلات فيما بينها، هذا اضافة الى ممارستها لسياسة( فرق تسد)، بهدف سلب خيرات وموارد المنطقة السطحية منها والباطنية.

ثانيا ـ احداث تغيير جذري في بنية النظام السياسي الحالي: كما هو معروف ان الانظمة القائمة ذات صيغ رجعية ومتخلفة ومصنوعة من قبل الخارج، ولا تمثل شعوبها، وهي السبب الرئيسي في نشوب كل الصراعات والازمات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية، إضافة الى وضعها للثروة والسلطة تحت تصرفها الشخصي والعائلي. ان هذه الانظمة المتكونة في تشكيلة الدولة غير قادرة على حل مشاكل المجتمع، لذا لا بد من تغيير خصائص هذه الانظمة على الشكل التالي:

أ ـ اجراء تغيير جذري في الانظمة الدكتاتورية واستبدالها بالانظمة الديمقراطية التي تختاره الجماهير بارادتها الحرة.

ب ـ تحويل الانظمة  الاوليغارشية والاتوقراطية الى انظمة ديمقراطية، وذلك عبر تصفية وتنقية النظام من البيرقراطيين والبرجوازيين المحتكرين الذين يركضون وراء مصالحهم الخاصة. لذا ينبغي رفع الستار عنهم واظهار حقائقهم للمجتمع، وفتح المجال امام التنظيمات والمؤسسات المدنية للمشاركة في السلطة.

ج ـ دمقراطة الانظمة ذات الصيغ الدينية( الاسلامية ، اليهودية)، عبر تحرير الدين من العلاقات الجامدة وخلق التعايش مع الافكار والايديولوجيات الاخرى داخليا وخارجيا.

ثالثا ـ احداث ثورة ذهنية ووجدانية في بنية المجتمعات الشرقية؛ كما هو معلوم ان من اهم اسباب تخلف وتشرذم الشرق الاوسط هو اصرار المجتمعات الشرقية على العيش ضمن الهويات الايديولوجية القديمة التي تحمل في بنيتها رواسب ومخلفات القرون الوسطى، والارضاء بها كحياة ابدية والخضوع التام لها. فهناك البعض يتصورون بان التغيير يكمن في نقل العلم والتكنيك واستيراد بعض المؤسسات الشبه الديمقراطية من الخارج. هذا ليس الا خداع ونفاق. فالتغيير والتطور يكمن في ابراز الهوية الايديولوجية الجديدة والتي لا بد من عيشها واحيائها.

تكمن هذه الهوية بالدرجة الاولى في النهضة التي ستتم عبر الحركة التنويرية والاصلاحات الجذرية. اذا قمنا بتطبيق هذه المفاهيم في الواقع العملي حينها  نستطيع التحدث عن الثورة الذهنية والوجدانية التي هي بحاجة ماسة الى مايلي:

أ ـ ضرب العقلية الدينية المتجمدة التي تخلق القوالب والدوغمائيات في الفرد والمجتمع، ليس على الطريقة الاوروبية المعتمدة التي اثبتت فشلها الذريع، انما بطريقة اكثر عمقا وتحليلا لجذورها التاريخية؛ عبر تحويل الدين الى القيم الاخلاقية للمجتمعات بطرق اكثر علمية وعصرية،  نستطيع حل هذه المعضلة المعقدة.

ب ـ هدم وتحطيم البنية القبلية والعشائرية والتفرقة الاثنية والعرقية والقومية الضيقة التي تؤدي الى التعقيد الاجتماعي وخلق الازمات كالحروب والانقسامات والتجزئة...، وهذا يتم عن طريق خلق الفرد المثقف الواعي الذي هو بداية لخلق مجتمع حر. فاذا تمكنا من تكوين الفرد الحر، سوف نصل الى المجتمع الحر. بهذا الصدد يقول القائد ابو" احيانا الفرد المثقف الواعي هو المجتمع بذاته".

ج ـ توحيد العلم والفلسفة الاوروبية  مع حقيقة الشرق الاوسط الذي سوف يجعلها ذو تركيبة جديدة ونموذج للحضارة العالمية.ان انبعاث الحضارة الديمقراطية المعاصرة في هذه البقعة من الكرة الارضية يتجلى رويدا رويدا، ولسوف يستعيد الشرق دوره التاريخي المنواط إليه في تحديد مستقبل الانسانية  برمتها. هذا ما سيشهده هذه الساحة عاجلا ام اجلا. فالايديولوجية الآبوجية المعاصرة المنبثقة من بين احضان الشعب الكردستاني يلقي على عاتقه مسؤولية هذه المهمة التاريخية المقدسة، وسوف يجعل من هذه المنطقة ساحة لاتحاد شرق اوسط ديمقراطي حر ذو حضارة عريقة تنافس الحضارات الاخرى.