علينا ان نربط حاضرنا بماضينا

12 مه 2015 سه شن

المجتمع المدني هو ممارسة السياسة بطابع المرأة

 

 

 

 

 

 

                                         

 

ساريا محمد


 يعاني مجتمعنا وخاصة النساء من حقيقتين هامتين جدا ، باتت تحكم كل خلايا الفرد والمجتمع ،أي كل من  حقيقة الدولة ، السلطة ، المال ، والذي يسمى في علم الاجتماع بالمجتمع الرسمي ، و حقيقة العائلة العشيرة ، وما يحكمها من ذهنية متحفظة وبالية  ويسمى بالمجتمع الكلاسيكي ، هاتان الظاهرتان لم تجردا فقط المرأة من الإرادة ، ومن  عدم مشاركتها في القرارات السياسية فحسب بل جعل كل المجتمع ، في إنصاف نخبة من الناس هي التي تحكم  ، تقرر ، تتحدث باسم الجميع ،  تعدل ، وما على الآخرين إلا الطاعة والقبول ، يصل إلى درجة  إن نظام الطاعة  العبودي يجري بحكمه في كل أنحاء الحياة ، بحيث لايمكن تجريد أي خلية من المجتمع عن هذه الحقيقة ، وأصبح كالظل يتابع الانسان أينما كان ،حتى عندما يختلي بنفسه لا يمكن أن يفكر مجردا عن هذا الشئ .

في حين يكون الوضع بالنسبة لجميع الأفراد بهذا الشكل ، فإن المرأة تشكل المحور الأساسي الذي يتمحور عليه النظام اللاديمقراطي وذهنية الطاعة ،لأن المرأة هي الحقل الذي يمكن للرجل أن يزرع فيه ما يشاء ، وهي الجزء المتمم للرجل ، وهي التي تُضرب متى شاء الرجل ، لتتحول المرأة في ظل هذه العقلية المتسلطة إلى كائنة مطيعة ، هي نفسها لا تعرف كيف تمكنت من تدريب نفسها على الإطاعة العمياء بهذا الشكل الخطر ، إلى درجة إن كل سلوكياتها باتت تحت سلطة الرجل وحتى وإن لم يكن موجودا ،حتى يقال بأن بعض الخصوصيات تحولت إلى جنيات وراثية مع الزمن وهذا بالنسبة لواقع المرأة أيضا ، في حين كانت الضربة الأولى موجهة للمرأة ولكن تحول هذا النظام إلى بلاء على الرجل أيضا بحيث لم يكتفي الرجل بالمرأة فقط وإنما كالمعدة الفارغة بدأ يأكل نفسه أيضا ، وبدأ يعتدي على كل ما هو بريء حتى الأطفال يتعرضون يوميا لكافة أنواع الاعتداء النفسي والجسدي .

 يدعي الكثير بأنه أمر لابد منه ، وكأنه  منذ ولادة البشرية كان الوضع هكذا ، مما يؤدي إلى إنكار التاريخ بشكل فظيع ، في حين كان مختلفا تماما وإن لا يقبله الكثير من حماة النظام الرجولي ، لقد أثبت العلم  بإن البشرية عاشت عشر آلاف عام قبل الميلاد نظاما معتمدا على الحرية والمساواة والتعاون ، وكان فيه بدل من الملكية العلاقة المتبادلة ، وبدلا من الطاعة كان الحب والاحترام ،  وبدلا من التحكم والسلطة كان الخدمة دون المقابل هي التي تسود الحياة الاجتماعية ،  وكان روح وطبيعة الأم المعطاء هو الذي يدير الحياة ، مما كان يؤدي إلى أن يعيش كل الجماعات بشكل مسالم بعيد عن العنف الظلم والكذب ، إذا كانت الشعوب والنساء يعبرون يوميا عن رفضهم لللاعدالة واللمساواة الموجودة ، فهي تعود إلى ما تم طبعه النظام المنتج الأمومي من طابع على ذاكرة البشرية من ذكريات ذهبية ، أصبحت كالحلم الذي تعمل دائما ودون ملل على تحقيقه ، وما حوادث الانتحار التي تعاش يوميا في صفوف النساء مصطحبة بصمت وبرودة الأموات من قبل المجتمع ، إلا رد فعل على هذه الحياة التي باتت كمطحنة فظيعة تطحن النساء والأفراد ، ولأن الأحزاب السياسية والحركات الموجودة تحمل نفس الذهنية الموجودة في كلا المجتمعين التي ذكرتها في البداية فإن أصوات المرأة ومشاركتها في تلك الآليات  لا تتجاوز سياسة الدولة وآليات القرار التي تعتدي يوميا على حقوق النساء ، لذلك فإن الساحة الثالثة الموجودة  بين المجتمع الرسمي والمجتمع التقليدي ، والتي تسمى بالمجتمع المدني ، هي أكثر الساحات قربا من خصائص المرأة ، لأنها ترفض كل ما ينتهك حقوق الانسان  دون أن يعتمد على العنف ، و تهدف إلى مشاركة كل الفئات في مراكز صنع القرار ، وتعمل على أن يكسب كل فرد حق العيش بكرامة محافظا على إنسانيته . في الحقيقة أذا كانت منطقتنا تعيش كل هذا القدر من  الجهل و التخلف والفقر فإنه يعود  إلى السياسات المنعدمة الحل واللاديمقراطية  التي تفرضها الدول الموجودة في المنطقة ويعود إلى ما يتبعه  الدولة والمجتمع الكلاسيكي من انتهاكات بحق المرأة ،و لو إنه يتم ربطه بمسائل أخرى ،  ولأن المرأة هي مركزكل الأزمات الموجودة في المنطقة فإن الحل أيضا مخفي في هذه الحقيقة ، لذلك فإن دور المرأة ومشاركتها الفعالة في مؤسسات المجتمع المدني ،هو الطريق لفتح قلعة اللاديمقراطية التخلف والعنف الذي يسود منطقتنا ،بالطبع يعمل الرجل إلى تحويل هذه الساحة أيضا  إلى مصدر لجمع المال والسمسرة ، لذلك كل ما تشارك النساء في  المنظمات بقدرها يتم حل النظام الرجولي وتتطور الديمقراطية ، كل ما تشارك النساء في السياسة بذهنية متفتحة واعية  يتم تفكك التزمت الذي يحكم مجتمعنا ، كلما تخرج النساء من البيت لتشارك في الانتفاضات الديمقراطية سيتم التخلص من السجون والحدود التي تلف عقولنا ووجداننا ، هناك خوفا فظيع من المرأة القوية الواعية في مجتمعنا ، دون أن يفكر الرجل يوما كيف يمكنني العيش مع إنسانة مجردة من اللسان ، من الإرادة ، من الحياة ، وهذه هي العقدة الكأداء  الذي يواجهه المجتمع دون أن يحرك شعرة للعمل على حلها و تغييرها ، وكأنه قدر محتوم .يمكن أن يكون فك هذه العقد صعبة ولكن لايوجد أصعب من وضع الكثير من النساء وفي كل أنحاء العالم الظالم حبل الانتحار في أعناقهن ، وقبول الملايين بصمت الموت الزواج القسري والعيش طول العمر مع شخص لا يوجد معه أي قاسم مشترك ، ليصبح الحياة يوميا إلى مقصلة ومحكمة تحكمها ، من أجل تحويل الحياة إلى وضع يمكن العيش فيه يجب علينا نحن النساء أن نخلصها  ونحررها ، و لأن فاقد الشئ لايعطيه ، فإن انتظاره من الرجل سيكون عبثا ، وعلينا أن نعمل على إيجاد عقد اجتماعي  جديد ، بما أننا نشكل إحدى الأطراف الأساسية في العقد الاحتماعي الغير العادل المفروض علينا حاليا  ، ويمكن أن يتم هذا  بالوعي ، بالتنظيم ، بالكفاح ، بالتضامن و الإصرار . إننا محظوظات جدا كنساء هذه الأرض الطيبة ، ففي هذه الأرض انطلقت أول الآلهات وخلقت أول الحضارات بأيدي أمهاتنا ، وبني أول نظام عادل من قبل جداتنا ، وما علينا هو ، أن نربط حاضرنا بماضينا ، و أن  نبدأ بكتابة حكايتنا بأقلامنا ،  وأن نغني أغنيتنا التي طالما حرمنا منها بأعلى الأصوات ، ففي هذه الديار خلقت أعظم أناشيد البشرية ، وما علينا هو الاستمرار في نسجها كخيوط الفجر الذي لايمكن لأحلك الأمسيات أن تمنع إشراقها ، هكذا هن أمهات الشرق  كورود الثلج تزهرن دون أن تبالين بالبرد و الصقيع وترفعن رؤوسهن وهن في ذروة الجمال.