أزمة الاشتراكية المشيدة والانطلاقة الثورية

24 مه 2015 یکش

لَم تخضْ الثورةُ الأيديولوجيةُ ضد الليبراليةِ الرأسماليةِ فقط بل كانت الجسرُ التي تُوصِلُ إلى الدولةِ القوميةِ الليبراليةِ والدولةِ القوميةِ للاشتراكيةِ المشيدةِ أيضاً قد تهاوَت بالمِثل

 


 




 



عبدالله اوجلان


ما كان للنظامِ أنْ لا يعكسَ أزمتَه التي يعاني منها في حقلِ الثقافةِ الماديةِ على الميدانِ الأيديولوجيِّ أيضاً. وثورةُ 1968 قد انفجرَت أساساً في مجالِ الثقافةِ المعنويةِ بوصفِها ثورةً أيديولوجية. حيث كانت تنتفضُ في وجهِ الثقافةِ العصريةِ بجميعِ مشتقاتِها الليبراليةِ بيمنِها ويسارِها. وقد كانت ثورةً هامةً بمعناها هذا، أو ثورةً أيديولوجيةً أدت دوراً يضاهي الثورتَين السياسيتَين الفرنسيةَ والروسيةَ بأقلِّ تقدير. حيث تحطَّمَت شوكةُ الهيمنةِ الأيديولوجيةِ للحداثةِ لأولِ مرةٍ منذ تشييدِها. هكذا، فالعديدُ من المكوناتِ الاجتماعيةِ الثقافيةِ والجنسيةِ والأثينية والدينيةِ والمحليةِ شرعَت في خوضِ صراعِ الهوية، بَعدماَ تعرضَت طيلةَ مئاتِ السنين للأسْرِ والصهر، بل وحتى للتطهيرِ العرقيِّ تحت اسمِ المجتمعِ النمطيّ. علاوةً على المعنى القَيِّمِ الذي كانت اتسمَت به مبادرةُ الشبيبةِ في الريادةِ لهذا الصراع. وذلك لأنّ الشبيبةَ كانت الشريحةَ التي قَلّما أثرَت فيها الحداثة. لَم تُخَضْ الثورةُ الأيديولوجيةُ ضد الليبراليةِ الرأسماليةِ فقط، بل كانت الجسرُ التي تُوصِلُ إلى الدولةِ القوميةِ الليبراليةِ والدولةِ القوميةِ للاشتراكيةِ المشيدةِ أيضاً قد تهاوَت بالمِثل. أما النهوضُ أيديولوجياً في وجهِ الصناعوية، فلأولِ مرةٍ كان يُعَبَّرُ عنه بسرودٍ نظريةٍ مُحكَمة. حيث كانت الفامينيةُ قد صاغَت العواملَ والبراهينَ النظريةَ الهامةَ بقدرِ ما هي عليه النظرياتُ الطبقيةُ على الأقل. وكانت أَثبَتَت أنّ الهوياتِ الثقافيةَ التقليديةَ ثمينةٌ ولا غنى عنها، بقدرِ ما هي حالُ الهوياتُ العصرية. بالتالي، كان قد أُدرِكَ تماماً أنّ نظريةَ النزعةِ إلى الأمةِ العصريةِ ليست سوى إحدى حججِ إضفاءِ الشرعيةِ على الأثنيةِ الحاكمة. أما فكرةُ التحررِ القوميِّ الحديثةُ وممارستُها العملية، والتي هي من أكثرِ الأيديولوجياتِ الثوريةِ المُفضَّلةِ في ذاك الوقت، فكان يتضحُ أنها ليست تحرريةً ولا مناهِضةً للرأسماليةِ بالدرجةِ المزعومة. كما كان تحوُّلُ الاشتراكيةِ المشيدةِ إلى نظامٍ مُعَزِّزٍ للحداثةِ الرأسماليةِ وليس متجاوزاً إياها، موضوعاً يَدورُ على كلِّ لسان. أما ديمقراطيّةُ الديمقراطيةِ الاجتماعية، فكانت اختُزِلَت منذ أمَدٍ بعيدٍ إلى ورقةِ التوتِ التي تُخفي عيوبَ الرأسمالية.

أفضَت أزمةُ النظامِ الأيديولوجيةُ إلى تردُّدِ أقوى دَوِيٍّ داخلَ تركيا أيضاً. حيث كانت الأزمةُ البنيويةُ للفاشيةِ التركيةِ البيضاء قد انعكسَت على الحقلِ الأيديولوجيّ، داخلةً بذلك سياقاً تعرضَت فيه إلى حملاتِ الفضحِ والتشهيرِ التي شنَّتها عليها الأيديولوجيا الثورية. أي إنّ الطلاءَ الحداثويَّ للقومويةِ العلمانيةِ لَم يُجْدِ نفعاً. وكانت أصداءُ الأيديولوجياتِ الثوريةِ العصريةِ أيضاً تُدَوّي بما يضاهي الأيديولوجيا الدينيةَ التقليدية. فالحركاتُ الثوريةُ التي برزَت في فترةِ السبعينيات، كانت في أساسِها حركاتٍ أيديولوجيةً لَم تُطَوَّرْ بَعدُ خصائصُها السياسية. وكانت أهميتُها تتأتى من فضحِها للنظامِ القائم. هكذا، كانت الحقائقُ الاجتماعيةُ تُذكَرُ لأولِ مرة، وتُبَثُّ فيها الروحُ واحدةً تلو الأخرى عبر صراعٍ أيديولوجيٍّ عتيد، بَعدما اعتُقِدَ أنها باتت مدفونةً في القبورِ منذ زمنٍ غائر. أما الأيديولوجياتُ الاشتراكيةُ فحَذَت حذوَ الأيديولوجياتِ الإسلاموية. وقد تَلَت كِلا المسارَين صياغاتٌ أيديولوجيةٌ باشرَت بالظهورِ تدريجياً، لتتحدثَ عن الظاهرةِ الكردية. وكَرَدةِ فعلٍ عليها، أُجِّجَت شرارةُ النعراتِ القومويةِ العنصرية. وعليه، شَهِدَت تركيا خلال فترةِ السبعينياتِ أشدَّ الصراعاتِ الأيديولوجيةِ ضراوةً في تاريخِها بكلِّ ما للكلمةِ من معنى. فبينما اندفعَ القومويون العنصريون وراء دولتيةٍ قوميةٍ متوطدةٍ أكثر بكثير مما هو عليه نموذجُ ألمانيا الهتلرية، فقد كانت الأيديولوجياتُ الإسلامويةُ منساقةً وراء لعبِ دورِها التقليديِّ مجدَّداً بعدَما أَفلَتَته من يدِها لصالحِ الدولةِ القوميةِ العلمانية، طامعةً بذلك انتزاعِ حيزٍ لها داخل الدولة. في حين كانت الأيديولوجياتُ اليساريةُ منهمكةً بالمجتمعيةِ المجردةِ في خضمِّ المآزقِ الاصطلاحيةِ العميقةِ التي تعاني منها. لقد كانت تَخلطُ بين المجتمعيةِ والدولتيةِ القومية. فالتجاربُ الديمقراطيةُ لديها كانت تبقى محدودةَ النطاق، مع أنه كان يجب أنْ تَكُونَ لها أهدافُها المحوريةُ إلى أبعدِ الحدود. وكانت مستمرةً في دوامةِ ممارساتِ مجموعةٍ ضيقةٍ نخبويةٍ بدلاً من سلوكِ الممارسةِ الشعبيةِ الديمقراطية. ومع ذلك، فقد كانت جميعُها تؤدي أدوارَها عموماً في تسليطِ الضوءِ على الحقائقِ الاجتماعية.

تتسمُ الأزمةُ السائدةُ في البنى العصريةِ (الرأسمالية، الدولة القومية، والصناعوية) ضمن العالَمِ وتركيا على حدٍّ سواء خلال السبعينيات، وكذلك الحقائقُ التي أَسفرَ عنها الصراعُ الأيديولوجيُّ المُخاضُ حينها؛ بالنصيبِ الوافرِ والهامِّ في تشكيلِ PKK. وبالرغمِ من العديدِ من الأخطاءِ والنواقصِ التي احتوَتها، فقد كان دورُها مُعَيِّناً في تكوينِ شهداءِ النضال.