مجتمع | تاريخ | فلسفة | ايكولوجية | سياسة | اقتصاد | دين | المرأة | ثقافة، فن، أدب | أحداث |

قضايا المجتمع الاقتصادية

26 يوليو 2015 الأحد

الرأسماليةَ ليس شكلاً من أشكال المجتمع بل شبكةً أو تنظيماً شاسعاً فوقَ المجتمع يَختَلِسُ فائضَ القيمة ويُجَفِّفُ الاقتصاد ويُوَلِّد البطالة



 







عبد الله أوجلان


لَطالما يَخطرُ النملُ ببالي كلما ذُكِرَت القضايا الاقتصادية. حتى حيوانٌ صغيرٌ مِثلَ النملِ ليس لديه قضيةٌ اقتصادية (الاقتصاد هو التغذية بالنسبة لكلٍّ كائنٍ حي أياً كان). فكيف تُعاشُ القضايا الاقتصاديةُ الفظيعة، بل وحتى البطالةُ التي يَحمَرُّ لها الوجهُ خجلاً، بالنسبةِ لموجودٍ ذي عقلٍ وخبرةٍ راقيَين مِثلَ الإنسان؟ ما الذي يَعجَزُ ذكاءُ الإنسانِ عن التعمقِ فيه وتحويله إلى عملٍ في الطبيعة؟ القضيةُ – بالتأكيد – لا تنبع من الوظيفيةِ الطبيعية، وليست معنيةً بالمحيط؟ فذئبُ الإنسانِ الجائرُ في داخله. أي أنّ كلَّ قضيةٍ اقتصاديةٍ متعلقةٌ بِرَسمَلَةِ المجتمع، وعلى رأسها البطالة.

لا ريب أنّ تحليلَ ماركس لرأس المالِ قَيِّم. وهو يسعى لإيضاحِ البطالةِ ارتباطاً بسياقِ الأزمة. الأمرُ المؤلمُ هو أنّ مَرَضَ النزعةِ العلمويةِ قد انقضَّ عليه أيضاً وبأسوأِ الأحوال. فمَرَضُ العلمويةِ أعاقَ قيامَه بتحليلِ المجتمعِ التاريخيِّ بنحوٍ أشمل. ما سعيتُ أنا لِفِعلِه هو العملُ على تعريفِ رأسِ المالِ بأنه ليس اقتصاداً، بل – وبالعكس – بأنه الأداةَ المؤثرةَ في إخراجِ الاقتصادِ مِن كونه اقتصاداً. ودافعي الأساسيُّ في ذلك هو أنّ الربحَ ورأسَ المالِ لَم يَكُونا في أيِّ وقتٍ مِن الأوقاتِ هدفاً، ولَم يَجِدا مكانَهما في تطورِ المجتمعِ البتة. بالمقدور التفكيرَ في مجتمعٍ ثريٍّ مفعمٍ بالرفاه. فالأخلاقُ والسياسةُ منفتحتان على ذلك. لكنّ الحديثَ عن الغنى ورأسِ المالِ في الوقت الذي يَئِنُّ فيه المجتمعُ تحت وطأةِ الحاجةِ والبطالة، إنما يتعدى كونَه جُرماً، بل ينبغي أنْ يَكُونَ معنياً بالإبادةِ المجتمعية. وتعريفُ المدنيةِ بالذات بِكَومَةِ القضايا، يتأتى من ارتكازِها إلى احتكارِ رأسِ المال.

تَسيرُ روزا لوكسمبورغ على حافةِ حقيقةٍ جدِّ هامة، عندما تَربطُ تَحَقُّقَ رأسِ المالِ بشروطِ المجتمعِ اللارأسماليّ. ولو أنها تَخَطَّت العَتَبةَ إلى الداخل، لَكانت سوف تَرى أنه ليس متعلقاً بوجودِ المجتمعِ اللارأسماليِّ فحسب، بل وَيَتَوَرَّمُ بامتصاصه للمجتمعِ كالقُرَّادة ، ويَسقي العامِلَ نقطةَ دمٍ مما امتَصَّه لِيَجعلَه شريكَه في الجُرم. إني أُشَدِّدُ بجزمٍ على أني لا أنكر جهدَ العامِل. ولكني أُبَيِّن أنه لا يُمكِن ربطَ تكوينِ رأسِ المال بكدحِ العاملِ إلا بمقدارٍ جزئيٍّ ضئيل. بل وإذا ما فكَّرنا بمنوالٍ فلسفيٍّ وتاريخيٍّ واجتماعي، سنجد أنّ هذا المقدارَ الجزئيَّ الضئيلَ أيضاً سيفقد معناه. وانطلاقاً من القضايا الأيكولوجية، يتضحُ تدريجياً أنّ الصناعويةَ وَرَمٌ مقتاتٌ على ظهرِ المجتمعِ والبيئة. أيٌّ مِن الأناسِ أصحابِ المعرفةِ والفَراسةِ بمستطاعهم إنكارَ كَونِ مُديري المعاملِ والعمالِ المتمرسين باتوا في راهننا الشريحةَ الأكثر امتيازاً بين المجتمع، وأنّ ثمنَ ذلك هو البطالةُ المتعاظمةُ كالتيهور؟ فطبقاتُ الصناعةِ الراقية، وشرائحُ التجارةِ والتمويلِ الاحتكاريَّين، أي احتكاراتُ رأسِ المال؛ قد أَفقَدَت مصطلحَ العامِلِ معناه كثيراً مِن خلالِ مشاريعها في "الشراكة كثيرة الأسهم". مِن المهمِّ بمكان رؤيةَ أنه اختُزِلَ العامِلُ تدريجياً إلى دورِ الحزامِ الذي يَربطُ احتكارَ رأسِ المالِ بالمجتمع. وكيفما يُمكن تعريفَ دورِ الاشتراكيةِ المشيدةِ على أنها "العامِل المُتنازِل"، باعتبارها رأسماليةَ الدولة؛ فكذا للرأسماليةِ الخاصةِ الكلاسيكيةِ أيضاً عامِلُها المُتنازِل المماثل. لقد تنامى هؤلاء بشكلٍ متزامنٍ وموَحَّدٍ داخلَ المجتمع في كلِّ وقت. المجتمعُ المتبقي هو ذاك المجتمعُ اللارأسمالي، الذي خَطَرَ ببالِ روزا.

إذا ما انتَبَهنا، فالمُعَرَّفُ هنا هو الفرقُ بين الرأسماليِّ واللارأسماليّ. كِلاهما شكلان للمجتمعِ لدى روزا. أما أنا، فأُقَيِّمُ الأمرَ بشكلٍ مغاير. حيث لا أَعتَبِرُ الرأسماليةَ شكلاً من المجتمع، بل شبكةً أو تنظيماً شاسعاً فوقَ المجتمع، يَختَلِسُ فائضَ القيمة، ويُجَفِّفُ الاقتصاد، ويُوَلِّد البطالة، ويندمجُ مع الدولة والسلطةِ مستخدِماً أدواتِ الهيمنةِ الأيديولوجيةِ المنيعة. وقد أضافوا شريحةَ العامِلِ المُتنازِل ضمن هذا التنظيمِ مؤخَّراً. إني أَهدِفُ إلى تلافي العديدِ من سوءِ الفهم، لدى تعريفي لمضمونِ الشبكةِ الاحتكارية بهذا المنوال مرةً أخرى. وأَخُصُّ بالذكرِ اضطراري لكشفِ النقابِ عن طابعِ المصيدةِ لمصطلحِ "المجتمع الرأسمالي". فإضفاءُ صفةٍ كهذه على الاحتكارِ الرأسمالي، إنما هو لطفٌ زائدٌ عن الحد. ذلك أنّ رأسَ المالِ قد يُكَوِّنُ عصابةً أو شبكةً مُنَظَّمة. هذا ومن الضروري الإدراكَ على خيرِ وجهٍ أنّ المافيا أيضاً عِصابةُ رأسِ مالٍ مُثلى. والسببُ الوحيدُ للعجزِ عن تسميةِ شبكةِ رأسِ المالِ بالمافيا هو قوةُ هيمنتِها على المجتمع، وصِلاتُها مع السلطةِ الرسمية. وإلا، لَكانت ستبقى شبكةً عاجزةً عن التحلي بالضوابطِ الأخلاقية حتى بقدرِ المافيا.

هذا وأضيفُ بأهمية نقطةً أخرى، ألا وهي أني لا أَنظُرُ إلى الصانِعِ أو التاجِرِ أو المُزارِعِ مِن الدرجةِ الوسطى على أنهم رأسماليون. فهم شرائحُ اجتماعيةٌ تسعى إلى الإنتاجِ لتلبيةِ الحاجاتِ الاقتصاديةِ الحقيقيةِ بنسبةٍ كبرى، حتى ولو ضُيِّقَ الخناقُ عليها مِن جوانبَ عدةٍ مِن طَرَفِ رأسِ المال. علاوةً على أني لا أَعتَبِرُ القائمين على تبادُلِ البضائعِ الصغيرةِ في السوق، ولا صانعي تلك البضائعِ في ورشاتِهم الصغيرة رأسماليين. أما أصحابُ المِهَن الحرةِ بشتى أنواعها، فبطبيعةِ الحال لا يُمكِن اعتبارَهم رأسماليين. هذا وفيما خَلا الشريحةِ المُتنازِلة، فجميعُ العامِلين، القرويين، الطلاب، الموظفين، صِغار الكَسَبة، الأطفال والنساء يُشَكِّلون العمودَ الفقريَّ للمجتمع. إني أَجهَدُ لصياغةِ هذا التعريفِ بالمجتمعِ اللارأسماليّ. أي أني عندما أقولُ بالمجتمعِ اللارأسماليّ، فلا أقصدُ به المجتمعَ الذي اعتقدَه أغلبُ الماركسيين، والذي رَوَّجوا له بمصطلحاتٍ مِن قَبيل: الإقطاعي، مجتمع النمط الآسيوي، أو شبه الإقطاعي. ذلك أني بِتُّ مقتنعاً بِكَونِ تلك المصطلحاتِ لا تُعَلِّمُ الحقيقة، بل تَطمسها بالأغلب. علماً أني لا أقتصرُ في هذا التحليلِ على شبكاتِ رأسِ المالِ المتمركزةِ في أوروبا بَعدَ القرنِ السادس عشر فحسب، بل أُطَوِّرُه ضمن إطارِ كافةِ شبكاتِ رأسِ المالِ التي تَسطُو على فائضِ القيمةِ طيلةَ التاريخ (الاحتكارات التجارية – السياسية – العسكرية – الأيديولوجية، الزراعية، والصناعية). هذا ومن الجليِّ أيضاً أنه لا داعي للمزيدِ من البحثِ لرؤيةِ كونِ الرأسمالِ الماليِّ العالميِّ الراهنِ يؤيدُ صحةَ هذا التحليلِ بشكلٍ ضاربٍ للنظر.

إنّ رؤيةَ الطابعِ المناهضِ لرأسِ المالِ في الطبيعةِ الاجتماعية يتميزُ بأهميةٍ حياتيةٍ كالمفتاح. فالمجتمعُ خلالَ مسيرته على مَرِّ آلافِ السنين كان مدركاً أنّ تكديسَ رأسِ المالِ يتسمُ بالتأثيرِ الأكثرَ إفساداً. وعلى سبيلِ المثال، يكاد لا يتواجدُ دينٌ إلا وأدانَ الربا كأحدِ الأساليبِ المؤثرةِ في تراكُمِ رأسِ المال.

القولُ بأنّ رأسَ المالِ طَوَّرَ البطالةَ المتضخمةَ في راهننا كالتيهور في سبيلِ خلقِ العاملِ الرخيصِ والمرن؛ يُعَدُّ تقييماً ناقصاً جداً. فرغمَ أنّ هذا جانبٌ مِن الحقيقة، إلا أنّ الدافعَ الأصليَّ هو قيامُ رأسِ المالِ بِرَبطِ المجتمعِ بالأنشطةِ الساعيةِ إلى جني الربح. لكنّ الأنشطةَ الهادفةَ إلى الربحِ ورأسِ المالِ لا تتوافقُ والاحتياجاتِ الضروريةَ للمجتمع بتاتاً. فإذا كان الإنتاجُ القائمُ بغرضِ إشباعِ احتياجاتِ المجتمعِ لا يَدُرُّ الربح، فلا يمكن أنْ يكترثَ رأسُ المالِ بتَخَبُّطِ المجتمعِ ضمن المجاعةِ والفقرِ والحرمان. علماً أنّ الملايين مِن البشرِ هُم في هذه الحالةِ راهناً. مثلاً، إذا ما استُثمِرَ بعضٌ مِن رأسِ المالِ الذي بقبضةِ اليدِ في الزراعة، فلن تَبقى، ولا يُمكِنُ أنْ تَبقى قضيةُ المجاعة. لكن، وبالعكس، فرأسُ المالِ يَقُومُ بإفراغِ الزراعةِ وإفسادها باستمرار، بسببِ انعدامِ أو ضآلةِ معدلِ الربحِ فيها. إذ ما مِن رأسماليٍّ يفكرُ بالزراعة، ما دامَ يَكسَبُ كمياتٍ طائلةً مِن المالِ بالمال. ولا مكانَ البتة لهكذا تفكيرٍ في طبيعةِ رأسِ المال. كانت الدولةُ قديماً تَدعمُ الزراعةَ كثيراً باعتبارها احتكاراً. ولكنها كانت تَحصلُ على المنتوجاتِ العَينيةِ أو الضرائبِ الماليةِ ثمناً لذلك. أما أسواقُ رأسِ المالِ الحالية، فقد أَفرَغَت هكذا نشاطاتٍ للدولةِ من فحواها. ففي حالِ العكس، لا يُمكِنُ للدولِ النفاذَ مِن مواجهةِ الإفلاس.

إذن، فتَركُ رأسِ المالِ للجذعِ الرئيسيِّ مِن المجتمعِ يتخبطُ تدريجياً في البطالةِ والبؤس، لا ينبعُ من السياساتِ اليوميةِ والمرحلية، بل مِن طابعِه البنيوي. بالمستطاعِ الإدراكَ بكلِّ سهولة مِن خلالِ رصدٍ بسيطٍ، ودون الحاجةِ للبحث، أنَّ البطالةَ في المجتمعِ لن تُحَلَّ، حتى ولو أُريدَ العملُ بأرخصِ الأجور. مرةً أخرى أقول بوجوبِ الاستيعابِ جيداً أنه يستحيلُ أنْ يتخلصَ المجتمعُ من البطالةِ والبؤس، دون زوالِ سياساتِ ونظامِ الربحِ المتأسسِ على فائضِ القيمة.

وإلا، وعلى سبيلِ المثال، لماذا تستفحلُ البطالةُ والمجاعةُ والفقرُ في سهولِ ميزوبوتاميا، التي أَشبَعَت عدداً جماً من المجتمعاتِ على مَرِّ التاريخ، والتي أَدَّت دورَ الأمومةِ للمجتمعِ النيوليتيِّ طيلةَ خمسة عشر ألف عام؟ إنّ تلك السهول بإمكانها تأمينَ الغذاءِ لخمسٍ وعشرين مليون مِن الأنفُسِ وفق معاييرنا الراهنة، بل وسيفيض منها؛ في حالِ التخطيطِ لحملةٍ إنتاجيةٍ لا تَهدِفُ إلى الربح. الحاجةُ الوحيدةُ لتلك السهولِ وأهاليها ليست يَدَ الرأسماليةِ التي لا تُشَغِّلها لأنها تُعتَبَرُ السببَ الوحيدَ للبطالةِ والجوعِ والحرمان؛ إنما– وعلى النقيض – تتجسدُ في أنْ تتخلى تلك اليدُ عن خِناقها (سواء كانت اليد خاصة أو يد الدولة، لا فرق بينهما). الشيءُ الوحيدُ الذي هي بحاجةٍ إليه هو: التقاءُ يَدِ الكادحِ الحقيقيِّ مع الأرض، وإنجازُ الثورةِ الذهنيةِ الاجتماعيةِ التي تهيئُ فرصةَ ذلك، ووصولُ الأخلاقِ الاجتماعيةِ والسياسةِ مجدداً إلى وظائفها كأنسجةٍ وأعضاءٍ أساسية، واندفاعُ السياسةِ الديمقراطيةِ نحو التشبثِ بِمَهامِّها بالنواجذ والأطرافِ من خلالِ عقولٍ حقيقية.

 

Parvke |