مجتمع | تاريخ | فلسفة | ايكولوجية | سياسة | اقتصاد | دين | المرأة | ثقافة، فن، أدب | أحداث |

قضية المجتمع الأيكولوجية

26 يوليو 2015 الأحد

ينبغي أنْ نكُونَ مسؤولين في المجتمعِ ونسعى لقولِ وعملِ اللازمِ وذلك بالتحلي بالمسؤوليةِ اللازمة حيالَ الواجباتِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ

 

 



 






عبدالله اوجلان


واضحٌ أنّ قضيةَ الصناعويةِ جزءٌ مِن القضيةِ الأيكولوجيةِ وعِلَّةٌ أساسيةٌ لها في الوقتِ نفسه. لذا، فتفسيرُها ضمن بَندٍ مختلفٍ قد يعني التكرار. إلا أنّ الأيكولوجيا موضوعٌ أكثر معنىً من الصناعوية، وموضوعٌ اجتماعيٌّ إشكاليّ. ورغمَ تَضَمُّنِه معنى علمِ البيئةِ مِن حيث الاصطلاح، إلا أنه أساساً علمُ تحليلِ العلاقةِ المتينةِ بين التطورِ الاجتماعيِّ وبيئته. وعندما دَقَّت قضايا البيئةِ نواقيسَ خطرِ الكارثة، صارَ حديثَ الساعةِ بالأغلب، وصُيِّرَ حقلاً منفصلاً مِن البحث، وإنْ اشتَمَلَ ذلك على معانيَ مُريبة. ذلك أنها – كما الصناعوية – قضيةٌ لَم يَبتَكِرها المجتمع، بل هي آخِرُ ابتكاراتِ احتكاراتِ المدنية، وهكذا دَخَلَت أجندةَ التاريخِ والعالَمِ والمجتمعِ كقضيةٍ هي الأشمل على الإطلاق.

لَرُبما لَم تتميزْ أيةُ قضيةٍ بالأهميةِ والشأنِ اللذَين يُخَوِّلانها لِبَسطِ الوجهِ الباطنيِّ الحقيقيِّ لأنظمةِ رأسِ المال – الربح (الشبكات المُنَظَّمة) على أَجَندَةِ البشريةِ جمعاء، مثلما القضايا الأيكولوجية. ذلك أنّ إحصائيةَ نظامِ مدنيةِ رأسِ المال والربح (بِوَصفِها مجموعَ كافةِ الاحتكارات العسكرية والاقتصادية والتجارية والدينية البارزة على مر التاريخ) لَم تقتصرْ فقط على تَفكيكِ وبَعثَرَةِ المجتمعٍ مِن جميعِ النواحي (اللاأخلاق، اللاسياسة، البطالة، التضخم المالي والدعارة وغيرها)، بل وبَلَغَت حدَّ تهديدِ البيئةِ وحياةِ كل ما فيها من كائناتٍ حية. بالتالي، بِماذا يُمكِنُنا بَرهنةَ عِداءِ النزعةِ الاحتكاريةِ تجاه المجتمعِ بشكلٍ ملفتٍ للنظر أكثر مما هي عليه هذه الحقائق؟

المجتمعُ البشريُّ أيضاً كيانٌ حيٌّ في آخِرِ التحليل، مهما تمَّ تعريفُه بالطبيعةِ المتحليةِ بأعلى مستوَيَاتِ الذكاءِ والمرونة نِسبةً لجميعِ الكائناتِ الحيةِ الأخرى. إنه دُنيَوِيّ. وهو ثمرةُ مناخٍ جويٍّ مُنَسَّقٍ ومنتَظَمٍ بحساسيةٍ بالغة، وثمرةُ التطورِ الطبيعيِّ لِعالَمِ النباتِ والحيوان. والمنظوماتُ التي يتعلقُ عليها وجودُ هواءِ ومناخِ عالَمِنا وعالَمِ النبات والحيوان، إنما تَسري على المجتمعِ البشريِّ أيضاً، كونَه إجماليَّ مجموعِها. هذه المنظوماتُ حساسةٌ للغاية ومترابطةٌ ببعضها بمتانةٍ بالغة، وكأنها تُؤَلِّف سلسلة. فكيفما تَفقُدُ السلسلةُ وظيفتَها بمجردِ انقطاعِ حلقةٍ منها، كذلك لا مفرَّ مِن تَأَثُّرِ سياقِ التطورِ الطبيعيِّ برمته، إذ ما انقَطَعَت حلقةٌ هامةٌ من سلسلةِ تَطَوُّرِه. والأيكولوجيا هي عِلمُ هذه التطورات. لذا، فهي مُهِمَّةٌ للغاية. وإذا ما اختَلَّ أيٌّ من المنظوماتِ الداخليةِ للمجتمعِ لأيِّ سببٍ كان، يُمكِنُ إعادةَ ترتيبها بِيَد الإنسان. ذلك أنّ الواقعَ الاجتماعيَّ مُشَيَّدٌ بِيَدِ الإنسانِ في نهايةِ المطاف. لكنّ البيئةَ ليست كذلك. من هنا، إذا ما حَصَلَت انقطاعاتٌ جديةٌ مِن الحلقاتِ البيئيةِ بسببِ مهارةِ بعضِ المجموعاتِ التي تنبعُ مِن المجتمع، أو بالأحرى تَخرجُ على المجتمعِ لِتُنَظِّمَ أمورَها فوقه برأسِ المالِ والربح؛ فقد يَترُكُ تَسَلسُلُ الكوارثِ الطبيعيةِ كلَّ البيئةِ ومعها المجتمع وجهاً لوجهٍ أمام القيامة بِحَدِّ ذاتها.

ينبغي عدمَ النسيان أنّ الحلقاتِ البيئيةَ تَكَوَّنَت مع التطورِ الطبيعيِّ لملايين السنين. والأضرارُ الناجمةُ عن الخمسةِ آلاف سنة الأخيرةِ عموماً، وعن المائتَي سنةٍ الأخيرة بشكلٍ خاص، قد حَقَّقَت اقتطاعَ آلافِ الحلقاتِ مِن سلسلةِ التطورِ الطبيعيِّ لملايين السنين خلالَ هذه الشريحةِ الزمنية، التي تُعتَبَر أقصر منها بكثير. وتداعياتُ الانكسارِ قد بَدَأَت، بحيث يَسودُ العجزُ حول كيفيةِ إيقافها. كما يُتَوَقَّعُ وفقَ الوضعِ القائمِ استحالةَ إزالةِ التلوثِ الناجمِ عن الغازاتِ المنتشرةِ في الغلافِ الجوي، وعلى رأسها نِسبةُ غازِ ثاني أوكسيد الكربون CO2، حتى خلالَ مئاتِ بل آلافِ السنين المقبلة. هذا وربما لَم تَظهرْ للعيانِ بَعدْ محصلةُ الدمارِ الحاصلِ في عالَمِ النباتِ والحيوان بكلِّ معنى الكلمة. ولكن، يتضحُ بجلاء أنه يُرسِلُ إشاراتِ الإنذارِ بقدرِ الغلافِ الجويِّ على الأقل. ذلك أنّ تَلَوُّثَ البحارِ والأنهر، وكذلك التَّصَحُّرُ الموجود، قد بَلغَ حدوداً كارثيةً منذ الآن. كلُّ المؤشراتِ تدلُّ بموجبِ السياقِ القائمِ على أنّ يومَ القيامةِ سيُفرَضُ على المجتمع بِيَدِ المجموعاتِ المنتَظِمةِ على شكلِ قسمٍ من الشبكات، وليس نتيجةَ اختلالِ التوازنِ الطبيعي. وبكلِّ تأكيد، سيَكُونُ للطبيعةِ ردودُها على هذا السياق، لأنها – هي أيضاً – حيويةٌ وذكية. ولِقُدرةِ تَحَمُّلِها حدود. ستُبدي مقاومتَها في الزمانِ والمكانِ المناسبَين، بحيث لن تَكترثَ بدموعِ البشرِ حينما يَحينُ الزمانُ والمكان. فجميعُهم سيَكُونون مسؤولين عن خيانتِهم لمهاراتِهم وللقِيَم الموهوبةِ لهم. أَوَلَم يُنظَرْ هكذا سلفاً إلى يومِ القيامة؟

لا أَهدِفُ هنا إلى إضافةِ جديدٍ على سيناريوهاتِ الفواجعِ الموجودة. بل، وكأيِّ عضوٍ ينبغي أنْ يَكُونَ مسؤولاً في المجتمعِ بكلِّ تأكيد، أسعى لقولِ وعملِ اللازمِ وفق مهاراتنا؛ وذلك بالتحلي بالمسؤوليةِ اللازمة، وانطلاقاً مِن مفهومنا حيالَ الواجباتِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ التي هي عِلَّةُ وجودنا.

يتمُّ سردُ الكثيرِ في تاريخِ البشريةِ عن عاقبةِ النماردةِ والفراعنةِ المنزوين في قِلاعهم وأهراماتهم. السببُ واضح. فمهما يَكُن، كان كلُّ واحدٍ من النماردةِ والفراعنة احتكاراً مشحوناً بمزاعمَ إلهية، شخصاً كان أم نظاماً. أجل، كانوا أعظمَ أمثلةِ احتكاراتِ رأسِ المالِ الراكضةِ دوماً وراءَ الربحِ في العصورِ القديمة. لَكَم هم شَبيهون بالاحتكاراتِ المنزويةِ في ساحاتِ المدنِ الراهنة! بالطبع، ثمة فوارق مِن حيث الشكل، وإنْ لَم تَكُن مِن حيث المضمون. إذ لا تستطيعُ القِلاعُ والأهراماتُ مُنافَسَةَ الساحاتِ الحالية، رغمَ كلِّ عَظَمَتِها وبهائها. علماً أنه لا يُمكِنُها مُنافَسَتَها مِن حيث التعدادِ أيضاً. فتعدادُ إجماليِّ الفراعنةِ والنماردة – إذا ما جَمعناهم – لا يتعدى عدةَ مئات. بينما عددُ الفراعنةِ والنماردةِ المعاصرين يناهزُ مئاتِ الآلافِ منذ الآن على ما يَبدو. لَم تَتَحَمَّلْ البشريةُ ثِقَلَ بضعةٍ من النماردةِ والفراعنة في العصورِ القديمة، فراحت تَئِنُّ تحت وطأتهم. حسناً، إلى متى ستُعاني مِن ثِقَلِ مئاتِ الآلاف منهم، وهم الذين يُعَرِّضون كلَّ البيئةِ والمجتمعِ للتَّفَسُّخِ والتشرذم؟ وكيف لها تَهدئةَ رَوعِها وإيقافَ آلامها ومخاضاتها النابعةِ مِن كلِّ هذا القدرِ مِن الحروبِ والبطالةِ والمجاعة والبؤسِ الذي تَسَبَّبوا به؟

لقد أَردنا التطرقَ إلى هذه الحقائقِ على هُدى التطورِ الطبيعي، عندما قُلنا أنّ المجتمعَ التاريخيَّ كلٌّ متكامل. فهل هي حقائق قليلةُ التأثيرِ أو بلا أهمية؟

وَثِقَ عِلمُ الحداثةِ الرأسماليةِ مِن نفسِه كثيراً اعتماداً على بُنيته الوضعية. واعتقَدَ أنّ اكتشافاتِه الظواهريةَ الكبرى هي كلُّ شيء. واعتَبَرَ الحقيقةَ المطلقةَ مجرَّدَ معلوماتٍ سطحيةٍ بشأنِ الظواهر. كان واثقاً من الولوجِ في مرحلةِ التقدمِ اللامتناهي. ولكن، كيف يُمكِنُ تفسيرَ عدمِ تَوَقُّعِه للكوارثِ البيئيةِ الكامنةِ نُصبَ عينَيه؟ كيف يُمكِنُ تفسيرَ عدمِ إيجادِه أو تطبيقِه الحلولَ الجذريةَ بصددِ كافةِ الكوارثِ الاجتماعيةِ في القرون الأربعةِ الأخيرة، والتي تُضاهي إجماليها في التاريخِ بأكمله، وعلى رأسها الحروب؟ دعكَ جانباً مِن سَدِّه الطريقَ أمام الحروبِ المتسللةِ إلى كلِّ مساماتِ المجتمعِ في هيئةِ السلطة، فماذا سيَقُولُ عن عدمِ تشخيصِه السليمِ لهذه الحقيقة؟ واضحٌ جلياً – وعلى عكس ما يُعتَقَد - أنّه ما كان للعِلمِ في عصرِ الهيمنةِ العظمى لسيطرةِ الاحتكارِ أنْ يَجِدَ جواباً لهذه التساؤلاتِ بِبُنيَتِه المُطَوَّقةِ أيديولوجياً بأعلى الدرجات، والمتأقلمةِ مع خدمةِ النظامِ القائمِ بأفضل الأشكال. فالعلمُ المنتَظَمُ والمُعلَنُ على أنه بِبُنيتِه وأهدافِه ونمطِه يَهدِفُ إلى شرعنةِ النظام، قد أَثبَتَ عَجزَه عن التأثيرِ حتى بقدرِ الأديان. ولكن، من الضروريِّ بمكان الاستيعابَ أنه ما مِن علمٍ ليس أيديولوجياً. المهمُّ هنا هو إدراكُ كَونِه يُمَثِّلُ أيديولوجيةَ أيٍّ مِن المجتمعاتِ أو الطبقاتِ كعِلمٍ ومعرفة، وتحديدُ موقعِه بموجب ذلك. قد يصبحُ علمُ الأيكولوجيا قوةَ الحلِّ المُثلى للطبيعةِ الاجتماعيةِ برمتها، وليس للبيئةِ فحسب؛ فيما إذا حَدَّدَ موقعَه ضمن هذا الإطارِ كأحدِ أحدَثِ العلوم.

Parvke |