مجتمع | تاريخ | فلسفة | ايكولوجية | سياسة | اقتصاد | دين | المرأة | ثقافة، فن، أدب | أحداث |

قضية المجتمع الصناعوية

20 أغسطس 2015 الخميس

وكيفما يستحيلُ إخماد النارِ بالنار فمِن غيرِ الممكن خوضَ الكفاحِ الأيكولوجيِّ أيضاً دونَ مُساءلةِ الحياةِ الكامنةِ في مستنقعِ الصناعوية والتحقيق فيها


 








عبدالله اوجلان


بالمقدورِ التبيانَ أنّ الثورةَ الصناعيةَ القرينةَ في أهميتها للثورةِ الزراعيةِ قد حَقَّقَت قفزتَها النوعيةَ مع نهاياتِ القرنِ الثامن عشر وبداياتِ القرنِ التاسع عشر، تأسيساً على التراكمِ التاريخيِّ طيلةَ آلافِ السنين، لِتَستَمِرَّ في مسارها هبوطاً وصعوداً حتى يومنا الراهن. يَسودُ العجزُ عن الجزمِ بشأنِ أين ومتى وكيف ستتوقف أو تُوقَف. تتميزُ هذه الثورةُ بخاصيةٍ أَشبَهُ ما تَكُونُ بانفجارِ العقلِ التحليليّ. بل هي منتوجُ ذاك العقلِ أصلاً. إنها خاضعةٌ لنفوذِ رأسِ المالِ القاطع. لا شكّ أنّ رأسَ المالِ بنفسِه ليس مُبتَكِرَ الأدواتِ الصناعيةِ بالأغلب. ولكنه رَكَّزَ بسرعةٍ مُلِحَّةٍ في كلِّ زمانٍ على تحويلها إلى أدواتٍ لرأسِ المال، وأَخضَعَ ما يَحتاجُه منها لِمُلكِيَّتِه. إنّ الإنتاجَ السريعَ والرخيصَ فُرصةُ تَطَوُّرٍ عظمى بالنسبةِ للمجتمع. والصناعةُ المُسَخَّرةُ لخدمةِ المجتمعِ قَيِّمَةٌ كما العقل. أي أنّ المُعضِلةَ لا تَكمُنُ في الصناعةِ بِحَدِّ ذاتها، بل في نمطِ استخدامها. فالصناعةُ تماماً مثل الإمكانياتِ النووية. حيث إذا استُخدِمَت لخدمةِ مصالحِ الاحتكارات، فقد تتحولُ إلى أداةٍ تُهَدِّدُ الحياةَ بأعلى المستويات، بدءاً من الكوارثِ الأيكولوجيةِ إلى اندلاعِ الحروب. علماً أنّ استخدامَها بهدفِ الربحِ قد سَرَّعَ مِن وتيرةِ الدمارِ البيئيّ، مثلما يتبينُ بجلاء في يومنا. كما يُزَجُّ بها للتوجهِ بسرعة صوبَ المجتمعِ الافتراضي. والتحولُ الآلِيُّ (الروبوتي) يَحلُّ مَحَلَّ أعضاءِ الإنسانِ بسرعة. وإذ ما استمرَّت الحالُ بهذا المنوال، فسوف يصبحُ الإنسانُ بلا فائدة تدريجياً.

يشيرُ الرأيُ المُجمَعُ عليه إلى أنّ الحالَ الراهنَ للبيئةِ يدلُّ على أنّ الخطرَ لا يَحُفُّ المجتمعَ وحدَه، بل والحياةَ الحيويةَ بأكملها. ينبغي التشديدَ بأهمية على أنّ التصريحَ بمسؤوليةِ الصناعةِ كظاهرةٍ بمفردِها عن هذا المنحى، هو تحريفٌ بكلِّ معنى الكلمة. ذلك أنّ الصناعةَ بمفردها إمكانيةٌ حيادية. بل وبمستطاعِ الصناعةِ المتكاملةِ مع مبرراتِ وجودِ المجتمعِ أنْ تؤديَ دوراً مُحَدِّداً في الرقيِّ بالعالَمِ إلى مستوى الطبيعةِ الثالثة، ليس بالنسبةِ للإنسانِ فحسب، بل ولأجلِ كافةِ الحَيَوَات أيضاً. إنها تَحمِلُ طاقةً كامنةً كهذه. وإنْ حَصَلَ هذا، ينبغي حينها تقديسَ الصناعة. إلا أنها حين تُخضَعُ لمراقبةِ وسيطرةِ رأسِ المالِ – الربح، فقد تُحَوِّلُ العالَمَ إلى جهنم بالنسبةِ للإنسانية جمعاء، فيما عدا حفنةٍ مِن الاحتكاريين. بَيْدَ أنّ السياقَ الراهنَ هو كذلك نوعاً ما. ومِن غيرِ الممكن إنكارَ كونِ هذا الوضعِ قد أصابَ البشريةَ بالقلقِ والمخاوف. فقد أَسَّسَت إمبراطورياتٍ حقيقيةً مُسَلَّطةً على المجتمعِ كاحتكارٍ صناعيّ. فمقابلَ الهيمنةِ الخارقةِ لأمريكا وحدَها، ثمة العشراتُ مِن الهيمناتِ الصناعية. وحتى لو تَمَّ إيقافُ الهيمنةِ السياسيةِ – العسكرية، فليس مِن السهولةِ بمكان إيقافُ الهيمناتِ الصناعية. ذلك أنها هي أيضاً قد تَعَولَمَت. فإذا ما ضاقَ عليها بلدٌ ما كمركز، تُباشِر فوراً بتحويلِ مكانٍ آخَر أو بلدانٍ جديدةٍ إلى مراكز لها. مِن أين لنا أنْ نَعلَمَ أنّ إمبراطوريةً صناعيةً لأمريكا لن تختارَ الصين غداً لِتَكُونَ مركزاً؟ إذ، ومنذ اليوم تُلاحَظُ إمكانيةُ حصولِ ذلك رويداً رويداً، بعدَ ملاءَمةِ الشروط.

أصابت الصناعويةُ الزراعةَ من مَكمَنِ الروح. فالزراعةُ التي هي العامِلُ الأصيلُ للمجتمعِ البشريِّ ووسيلةُ وجوده، تَشهَدُ دماراً مُهَوِّلاً تجاه الصناعة. هذا النشاطُ المقدسُ الذي أَوجَدَ البشريةَ على مرِّ خمس عشرة ألف سنة قد تُرِكَ وشَأنَه في اليوم الحاضر، تهيئةً لإخضاعه إلى سيطرةِ الصناعة. عندما تَدخُلُ الصناعةُ التابعةُ لرأسِ المالِ – الربح ميدانَ الزراعة، فمِن المحالِ تقييمَها كإنتاجٍ سريعٍ وفيرٍ كما يُعتَقَد. فتَلاعُبُ الاحتكاراتِ الصناعيةِ بِهرموناتِ الأرضِ سوف يُقحِمُها في وضعٍ أَشبَهُ ما يَكُون بِأُمومةِ التلقيحِ الاصطناعي. فكيفما أنّ الحَمْلَ والأمومةَ لن يَكُونا سليمَين مِن مَنيٍ غريب، كذلك فتلقيحُ الأرضِ بالبذورِ المُعَدَّلةِ هرمونياً لا يُمكِنُ أنْ يُقحِمَها في وضعِ الأمومةِ الحسنة. لكنّ الاحتكاراتِ الصناعيةَ تُجَهِّزُ نفسَها لهذا الطيشِ فيما يخصُّ الزراعة. وربما سيَكُونُ تاريخُ البشريةِ شاهداً على أفدحِ ثورةٍ مضادةٍ في ميدانِ الزراعة. بل وبَدَأَ يعيشُها فعلاً. الأرضُ، أي الزراعةُ ليست فقط أيةَ أداةٍ أو علاقةٍ إنتاجيةٍ كأيِّ شيءٍ آخر، بل هي أجزاءٌ مِن وجودِ المجتمع وكيانِه، لا تتجزأُ ولا تُعَدَّلُ البتة. وقد أُنشِئَ المجتمعُ البشريُّ عن طريقِ الأرضِ والزراعةِ بنسبةٍ عليا. وبَترُه مِن تلك الأماكنِ ومِن الإنتاجِ يعني إلحاقَ الضربةِ الساحقةِ بوجوده. وحقيقةُ المدينةِ المتضخمةِ كالسرطان تَستَعرضُ هذا الخطرَ منذ الآن بشكلٍ مكشوف. أما الخَلاص، فيُرى كاحتمالٍ كبيرٍ وبنسبةٍ مرتفعةٍ في حركةٍ معاكسة. إنها حركةُ العودةِ مِن المدينةِ إلى الأرضِ والزراعة. ويَبدو فيما يَبدو أنّ تَحديدَ الشعارِ الرئيسيِّ لهذه الحركة سيَكُونُ على شاكلةِ: "الزراعةُ والأرضُ لأجل الوجود، وإلا الفناء". فتَكامُلُ صناعةِ رأسِ المال – الربح مع الأرضِ والزراعة، لا يتحققُ بعلاقاتِ الصداقةِ والتكافل. بل يُغدِقُ عليهما التناقضاتِ المتراكمةَ كالجبال، ويؤجج بينهما العِداء.

قد تَبلُغُ التناقضاتُ الطبقيةُ والأثنيةُ والقومية والأيديولوجيةُ في المجتمعِ حَدَّ الاشتباكاتِ والحروب. إلا أنها ليست بالتناقضاتِ التي يستحيلُ التغلبَ عليها وتَخَطّيها. فمثلما أنها أُنشِئَت بِيَدِ الإنسان، فبالإمكانِ بَعثَرَتها أيضاً. أما التناقضُ بين الصناعةِ كوسيلةٍ لرأسِ المال وبين الأرضِ والزراعة، فيَفُوقُ سيطرةَ الإنسان. فالأرضُ والزراعةُ أَعَدَّتا نفسَيهِما أيكولوجياً خلال ملايين السنين. ومن المحالِ إنشاءهما بِيَدِ الإنسانِ في حالِ فسادِهما. وكيفما أنّ صُنعَ الأرضِ ليس بِيَدِ الإنسان، فمِن غيرِ الممكنِ حالياً صنعَ المنتوجاتِ الزراعيةِ وغيرِها من الكائناتِ الحيةِ كالنباتِ مثلاً بِيَدِ الإنسان. ويَلُوحُ أنه يستحيلُ تَوَقُّع تَوَفُّرِ إمكانيةِ ذلك. وبالأصل، فهذه الإمكانيةُ قد تَحَقَّقَت في هيئةِ الإنسان. وما مِن معنى أو فرصةٍ لِتَكرارِ ما تَحَقَّق.

لن أتعمقَ أكثر، لأنه موضوعٌ فلسفيٌّ عميق. لكن، وكيفما أنّ فرعون أرادَ تهيئةَ مستقبلِه بقبورٍ من نمطِ الأهرامات، فنمطُ الصناعويةِ في التحويلِ الروبوتيِّ أيضاً لن يستطيعَ خلقَ مستقبلٍ يُطاقُ العيشُ فيه كثيراً. بل هذا قِلَّةُ احترامٍ تجاه الإنسانِ أيضاً. فعندما يَكُونُ ثمة كيانٌ رائعٌ وكاملٌ كالطبيعة في الميدان، فما معنى أو أهميةُ الرجلِ الآليِّ (الروبوت) ونُسَخِه؟ مرةً أخرى يَظهَر أمامَنا جنونُ رأسِ المالِ في الربح. لِنَفتَرضْ أنّ الروبوتات أَنجَزَت الإنتاجَ بأبخسِ الأثمان. فبِمَ سيُفيدُ ذلك في حالِ عدمِ وجودِ مستخدِميه؟ الصناعوية بِبُعدِها هذا هي المؤثرُ الأساسُ في جعلِ المجتمعِ عاطلاً عن العمل، والسلاحُ الأفتك بِيَدِ رأسِ المالِ تجاه إنتاجيةِ المجتمع. ذلك أنّ رأسَ المالِ يَلجَأ مِراراً إلى استخدامِ سلاحِ الصناعةِ في تشغيلِ أقلِّ عددٍ ممكنٍ مِن العمال، وفي التلاعبِ بالسوقِ كما يشاء عبرَ رُخصِ الأسعار. وهكذا يَجعَل من أزماته (أزمات زيادة الإنتاج) أمراً لا مفر منه، باعتباره مؤثراً أساسياً في الأسعارِ الاحتكاريةِ والبطالة. وفي المحصلة، فالسلعُ الفاسدة، وملايينُ البشرِ مِن العاطلين عن العمل والجائعين المقهورين، هم ضحيةُ تلك الأزمات.

لا يُمكِنُ لطبيعةِ المجتمعِ تأمينَ استمراريتها إلا ضمن علاقاتٍ وثيقةٍ مع البيئةِ التي هي ثمرةُ ملايين السنين والأمكنةِ المناسِبة. ولا يُمكِنُ لأيِّ تَكوينٍ صناعيٍّ أنْ يَقومَ مقامَ البيئةِ بِوَصفِها معجزةَ الكون. منذ الآن وحركةُ المرورِ بَلَغَت أبعادَها الكارثيةَ براً وجواً وبحراً وفضاءً. والصناعةُ المعتمِدةُ على وقودِ المستحاثاتِ تُسَمِّمُ المناخَ والبيئةَ باستمرار. وثَمَنُ كلِّ تلك الفواجعِ هو تَراكُمُ الربحِ لِقرنَين من الزمن. أَوَكان هذا التراكمُ يَستَحِقُّ هذا الكَمَّ من الأضرار؟ فكيفما أنّ الأضرارَ الناجمةَ عن ذلك لَم تَتَسَبَّبْ بها مجموعُ الحروب، فالخسائرُ البشريةُ أيضاً لَم تُقَدَّمْ بسببِ أيِّ نوعٍ من الأحداثِ الأخرى، سواءً كانت بِيَدِ الإنسان أو بِفِعلِ الطبيعة.

تُعَدُّ الصناعويةُ مِن أهمِّ قضايا المجتمعِ الأساسية، نظراً لِكَونِها أيديولوجيةً وجهازاً احتكارياً. لذا، ينبغي التحري فيها من الأعماق. فالمخاطرُ التي أَسفَرَت عنها كافيةٌ للشروعِ بذلك. حيث أن تَضَخُّمَ الوحشِ أكثر، وخروجَه عن السيطرةِ قد يَجعَل التَّحَرِّيَ بلا معنى، أو قد يُؤَخِّرُ اتخاذَ التدابيرِ اللازمة. لقد آنَ الأوانُ تماماً لانتزاعِ هذا الوحشِ مِن يَدِ الاحتكارات، والقيامِ أولاً بتأهيله، ثُمَّ جعلِه صديقاً لطبيعةِ المجتمع، في سبيلِ سَدِّ الطريقِ أمام خروجِ المجتمعِ مِن كينونته وتَحَوُّلِه إلى مجتمعٍ افتراضي.

مِن أهمِّ مهامِ النشاطاتِ العلميةِ والكفاحاتِ الأيديولوجية المعنية بالنضالِ تجاه الصناعوية، هو الفصلُ بين البنيةِ الأيديولوجيةِ الاحتكارية للتقنيةِ الصناعية ونمطِ استخدامها، وبين بنيتها ونمطِ استخدامها المتناغمِ مع مصالحِ المجتمع العامة. أما المجموعاتُ الزاعمةُ بالكفاحِ تجاه الصناعويةِ على أساسِ النزعةِ الإنسانية المثالية، والتي تتناولها بشكلٍ منفصلٍ عن وضعها الاجتماعيِّ والطبقيّ؛ فمِن غيرِ المُتَوَقَّعِ أنْ تَبلُغَ أهدافَها. وموضوعياً، فهذه المجموعاتُ لن تستطيعَ إنقاذَ نفسها مِن السقوطِ في وضعٍ معاكسٍ لأهدافها بخدمةِ الصناعويةِ كنزعةٍ احتكارية. ذلك أنّ الصناعويةَ تتسمُ بطابعٍ أيديولوجيٍّ وعسكرتاريٍّ وطبقيٍّ أكثرَ بكثير مما يُعتَقَدُ. فهي العلمُ والتقنيةُ أيديولوجياً. بل وتُمَثِّلُ الأبعادَ الأخطرَ للعلمِ والتقنيةِ المستَخدَمَين في هذا المنحى. كما أنّ وحشَ الصناعةِ لَم يَظهَرْ للوسطِ مِن تلقاءِ ذاته. لِنَتَذَكَّرْ مجدداً: عندما أَقدَمَت بورجوازيةُ إنكلترا على حَملَتِها الإمبرياليةِ التاريخيةِ في الجزيرة وأوروبا والعالَمِ أجمع، كانت حينَها الطبقةَ التي نَظَّمَت الصناعويةَ مِن جهة، واستخدمَتها بأسرعِ الأشكالِ وأوسعِ النطاقاتِ مِن جهةٍ أخرى. ومِن ثَمَّ باتت الصناعويةُ السلاحَ المشترَكَ لجميعِ بورجوازيي البلدان على التوالي. وحاكميةُ البورجوازيةِ المتحققةُ على الصعيدِ العالميِّ خلالَ القرنَين التاسعِ عشر والعشرين، اللذَين كانا قرنَي الصناعةِ بالأغلب مِن بينِ ثالوثِ التمويل – التجارة – الصناعة؛ إنما هي برهانٌ ساطعٌ على هذه الحقيقة.

لَكَم هو مؤسِفٌ إعلانُ كارل ماركس وحركةِ الاشتراكيةِ المشيدة أنّ المجتمعَ اللارأسماليَّ رجعيّ، وتَبَنِّيهم التحالفَ الاستراتيجيَّ مع البورجوازيةِ الصناعية؛ مما جَعَلَهم الحركةَ المُعاكِسةَ لأهدافها بالأكثر في التاريخ، وإنْ لَم يَكُن عن قصد؛ بل وربما تتصدرُ الحركاتِ الأكثرَ مأساويةً فيما يَدُلُّ على الخيانةِ موضوعياً. تماماً مثلما الحالُ في تضادِّ وخيانةِ المسيحيةِ لأهدافِها موضوعياً، وعن وعيٍ بالأغلب؛ حصيلةَ تحالُفِها مع الدولةِ والسلطة، بعدَما كانت دينَ السلامِ على مرِّ ثلاثةِ قرونٍ بأكملها. فالمسيحيةُ أيضاً سَقَطَت في نهايةِ المطافِ في وضعٍ مُضادٍّ لأهدافِ ظهورها، نتيجةَ انجرارِها وراءَ جاذبيةِ احتكارِ السلطة، فعَجِزَت بالتالي عن الخلاصِ مِن التحولِ إلى دينِ المدنية. أما ما جرى في الإسلام، فقد بَدَأَ منذ أنْ كان سيدُنا محمد على قيدِ الحياة. وفي النهاية، باتوا جميعاً مهزومين تجاه صناعةِ السلطة.

إذا كانت البشريةُ جمعاء شَرَعَت اليومَ بإطلاقِ صرخاتِها المدويةِ باسمِ البيئةِ وكأنّ ساعةَ القيامةِ قد دَنَت؛ فما عليها سوى استيعابَ أبعادِ هذا الحدثِ التاريخيِّ – المجتمعيِّ والطبقيِّ على هُدى الحركاتِ القُدوة المشابهة، وقَبولَها كحركاتِ وجودِ المجتمع، والكفاحَ كحركةٍ دينيةٍ جديدةٍ مقدسة. ذلك أنه، وكيفما يستحيلُ إخماد النارِ بالنار، فمِن غيرِ الممكن خوضَ الكفاحِ الأيكولوجيِّ أيضاً دونَ مُساءلةِ الحياةِ الكامنةِ في مستنقعِ الصناعوية، والتحقيق فيها، والتخلي عنها. إذا كنا لا نَرغَبُ معاناةَ مآسيَ جديدةٍ كما المسيحيةُ والإسلامُ والاشتراكيةُ المشيدة، فما علينا إلا باستنباطِ العِبَرِ والتناوُلِ السليمِ للكفاحِ العلميِّ – الأيديولوجي والأخلاقيِّ – السياسي.

 

Parvke |