مجتمع | تاريخ | فلسفة | ايكولوجية | سياسة | اقتصاد | دين | المرأة | ثقافة، فن، أدب | أحداث |

العصرانية الديمقراطية هي عصر ثورة المرأة.

15 أكتوبر 2015 الخميس

اغتصاب المرأة الدائم مع الاستيلاء على اقتصاد المنزل.











أكاديمية عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعية.

يتبدى مجتمع الدولة العبودية ظاهرياً كمعمل ضخم من الناحية الاقتصادية، ولكنه مختلف عن المعامل الحديثة بتقنياته وكيفية تبنيه، فالعبيد يدفعون فيه إلى العمل كسرب القطيع يمكن استيعاب مدى استثمار كدح العبيد المروع والفظيع في الأرض ومناجم الفحم الحجري والعمار، من خلال الآثار التي لا تزال باقية من هذه الحقبة الأثرية، فإدارة العبيد أعتى حتى من إدارة الحيوان وما العبد سوى حيوان عامل، إنه ملك ومجرد أداة إنتاج العبيد هم خارج دائرة القانون وكأنهم "أشياء" لا عواطف لها، إن الشكل الذي بلغه الذكاء التحليلي في الرجل ضارب للنظر ومثير أكثر في حقيقة العبيد.

تحقق مؤسسة الملكية أيضاً بداية سليمة في مجتمع الدولة العبودية، إذ يعتمد جوهر النظام على امتلاك المجتمع الفوقي للمجتمع التحتي بكل ما فيه، فالملوك الآلهة ومساعدوهم هم أصحاب كل شيء وتبني الأشياء هو الثمرة الطبيعية للحاكمية والهيمنة، و"أنا" الإنسان إذا ما وجدت الفرصة لبروزها فهي تتسم بخصائص لا تعرف الحدود، أسفر انعدام المؤثرات المحددة في عهد تأسيس النظام عن بروز القوة الملكية الإلهية، يتسلل نظام الملكية التي لم يشهدها المجتمع الطبيعي إلى كل مؤسسة بدءاً من ملكية الدولة وحتى العائلة، وتخلق لدى الجميع عاطفة التملك تعد الملكية دعامة الدولة وتقدس وتبجل، لم يبق سوى استملاك كل العالم بعد ذلك وتنقش حدود الملكية في جينات البشرية بأشكال وأغطية متنوعة من قبيل حدود الدولة، أراضي السلالة، تخوم الوطن، لتمتد إلى يومنا الراهن وكأنها ضريبة إلهية، في الحقيقة إن الملكية تعني السلب الحقيقي باعتبارها مصدر السمسرة فهي المؤسسة الأكثر إفساداً وتعطيباً لتعاضد المجتمع الجماعي، لكنها من جانب آخر المؤسسة الأهم على الإطلاق ولا غنى عنها لتغذية المجتمع الفوقي.

لقد سعينا لتعريف المجتمع الطبيعي بأنه الحالة التلقائية للمجتمع الايكولوجي، كما أن تقهقر المجتمع الايكولوجي خطوة بخطوة عمقاً واتساعاً مع تطور مجتمع الدولة، يعد أحد التناقضات الاجتماعية الأولية المستمرة حتى يومنا الراهن بقدر ما تصاعدت التناقضات الداخلية للمجتمع، تزايدت تناقضاته مع المحيط الخارجي والتحكم بالإنسان يفضي إلى التحكم بالطبيعة، إذ جلي تماماً أن النظام الذي لا يرأف بالإنسان لن يتورع عن ارتكاب أسوأ السيئات إزاء الطبيعة، وبالأصل تحتل "الحاكمية" و"الفتح" مكانة مرموقة كظواهر مثلى في أخلاق الطبقة الحاكمة، إذ ينظر إلى التحكم بالطبيعة على أنه أخلاق نبيلة وسلوك راقِ بقدر التحكم بالإنسان وتدحض حيوية وقدسية الطبيعة، التي تعود للمجتمع الطبيعي بل و"تفتح" الطبيعة وتغزى وكأنها العدو اللدود ولدى هيمنة هذه المصطلحات على ذهنية وسلوكيات المجتمع ألدولتي، فهذا ما معناه فتح الأبواب على مصارعيها أمام الكوارث البيئية التي وصلت أبعاداً ضخمة في أيامنا هذه، قد يواجه قولي هذا بغرابة وتعجب فرغم كل مساعي الاحتلال والاستعمار والاستغلال تبقى المرأة الصاحب الحقيقي للاقتصاد، فإذا كنا نود تقييم الاقتصاد على نحو قيم سوسيولوجي فالموقف الأصح هو القول بكون المرأة هي القوة الأساسية، ما دامت تحمل الجنين وتغذيه في بطنها وتعتني بتنشئته ومأكله بعد مخاضات الولادة الشاقة، إلى أن تجعله في حال يقدر فيها على الوقوف على رجليه وما دامت المرأة أيضاً هي المهنية في مأكل المنزل، إن جوابي رد سوسيولوجي أكثر تقديراً للحقيقة مع أخذ روابطه البيولوجي بعين الاعتبار بكل تأكيد، علماً بأن المرأة لا تزال القوة المحركة للعجلات في العديد من ميادين الحياة الاقتصادية وليس فقط داخل المنزل، نظراً لدورها في الثورة الزراعية وقطفها وتجميعها الثمار على مدى ملايين السنين وقد شخص اليونانيون الأصليون أصحاب الشرف في إرساء أرضية العلوم، هذه الحقيقة قبل آلاف السنين بإطلاقهم تسمية قانون البيت أو قانون المرأة على الاقتصاد.

أما التكوين الاقتصادي الناشئ في المرحلة المدينية مع نشوء الطبقة والمدينة والدولة، أي بؤرة تلك القوة التي يمكننا اختزالها في شخص الراهب ـالملك ـالقائد، فيمكننا تسميتها بالدولة وعلى الصعيد المؤسساتي فهي تؤلف السلطة المكونة من الدين، السياسة، العسكرة على نحو متداخل متشابك، والخاصية الأولية لنظام القوة ذاك تكمن في تنظيمها لاقتصادها على شكل شيوعية الدولة إنه اقتصاد كنت قد أسميته بـ" اشتراكية فرعون" حتى قبل أن أعلم باستخدام هذا المصطلح من قبل ماكس فيبر أيضاً، في حين أن الاقتصاد الامومي يستمر بوجوده على شكل بقايا ضمن ثنايا الاقتصاد الأبوي ــ الإقطاعي العشائري، إن البشر يشغلون في اشتراكية فرعون كعبيد بسطاء، وتقتصر حقوقهم على كوب فخاري من الشوربة بما يكفيهم للبقاء على قيد الحياة والعثور على الآلاف من أكواب العبيد التي لا تزال تكتظ بها أبنية المعابد والقصور القديمة إنما يؤكد صحة هذه العلاقة.

دخل "الرجل القوي الماكر" بيت المرأة واقتصادها خلسة كاللص، لم يكتف بالنهب والسلب بل والأنكى من ذلك أنه حول خلية العائلة المقدسة إلى مرتع الأربعين حرامي، بإبقائه على المرأة تئن تحت نير اغتصابه الدائم لها ولم يتخل قط عن حالته النفسية المطابقة لحالة خائن يعي ماذا يفعل، وهكذا غرست أولى بذور تراكم رأس المال في هذين المكانين: أولهما، احتلاله بالذات لجوار اقتصاد المنزل، ثانيهما، التموقع داخل أو في جوار مواقع تمركز الأربعين حرامي على شكل احتكار خاص تجاه الاحتكار الرسمي الشرعي للدولة، وطاف مبكراً بين الأماكن بوجه مقنع ومحتال لأنه احتاط من عيون المجتمع والدولة ونصب الكمائن خفية فانقض على فريسته كالأسد عندما سنحت الفرصة، وأحياناً أخرى اصطاد فريسته بمكر الثعلب ولم يتخلف عن تمويه نفسه حسب الوسط مثلما الحرباء، وغداً خبيراً في التجارة في المواقع الهامشية يرصد بعين ساهرة المدن والمناطق الريفية التي عجزت الحضارات عن الوصول إليها، إنه ماهر محترف بالاستقرار في الثغرات الموجودة داخل أخاديد المجتمع ويعرف كيف يعري ويسلب الطرفين بتأديته دور التوازن، إنه مدرك يقيناً للمكاسب الضئيلة التي يجنيها من التجارة في الطرق القصيرة وللمكاسب الطائلة التي تدرها عليه تجارة الطرق الطويلة، ومن أهم قواعد مهنته هذه معرفة المناطق المربحة والتوجه إليها وكأنه يشم رائحتها بأنفه ومن المفيد تقييم عملياته تلك كالقرصنة الإستراتيجية على تلك الطرقات، حيث يشار إلى هذا الواقع عبر القول المأثور: لا موطن لرأس المال.

فعقب رسوم المغارات البسيطة تشهد المرحلة عدداً جماً من أشكال رسوم الإلهة الأم ورموزها، التي تعتبر مواضيع ناسنا الفن الأولى وسلف فن النحت ومع المجتمع المديني تخط أشكال الإله والإداري معاً بالتداخل، أما التمايز الطبقي المتزايد ومهام الإدارة المتضاعفة فتمهد لتدول الفن أيضاً بقدر تدول الدين، ونخص بالذكر تسابق الإله والملك والراهب فيما بينهم في استعراض قواهم في الفنون المصرية والصينية والهندية، وكأن هذه الهياكل الضخمة والمحفورات الباهرة دليل على التعريف بقواهم ويحذو الفن المعماري أيضاً نفس الحذو، حيث تعتبر بيوت الدين والإداريين ساحات تنفيذ العمار لتشيد فيها المعابد والسرايا الفخمة كما تنشأ القبور الضخمة كل ذلك دليل صارخ ومروع على الأبعاد التي بلغها العنف واستغلال الإنسان في المجتمع المديني، إذ يستهلك مئات الآلاف من البشر في سبيل تشييد هرم أو معبد، ومع توطد التجارة يصبح التجار أيضاً عاملاً هاماً يطبع الفن بطابعه ومثلما الحال في الملوك بالمقدور متابعة شؤون التجار الجبابرة في النتاجات الفنية أيضاً.

تأتي تقاليد الأنبياء في صدارة المقاومات المتماسكة التي تمكنت من إيصال صوتها من مرحلة الإنشاء الأولى للمجتمع المديني إلى هذه الأيام، فأقاصيصهم التي تبتدئ بسرد قصة آدم وحواء أي أول إنسانين على وجه البسيطة إنما تشتمل في أحضان جميع مزاياها على بصمات الثقافة الأيديولوجية، فإذا قيمنا آدم وحواء على منوال سليم وفق استيعاب ذهنية الحضارة المدينية المتألهة تجاه المجتمع النيوليتي، سنجد أنها تمدناً بأولى رؤوس الخيط الذي يؤديان إلى الصراع بين السيد والعبد حيث بوسعنا تفسير محادثات آدم مع الرب وعلاقته مع حواء على أنها مؤشر للتمييز بين السيد والعبد، بقدر ما ترمز إلى سقوط المرأة الأم إلى المنزلة الثانية أما خروج نوح فكأنه يوحي لنا بإنقاذه المجتمع النيوليتي من قبضة السيد الجبار الطاغي، فيحمله على متن السفينة إلى منطقة جبلية يستحيل وصول المدنية إليها، ليعيد إنشائه من جديد، فالقصة بالأصل تشرح المجتمع السومري وكذلك المجتمع النيوليتي المقاوم تجاهه والساعي للحفاظ على وجوده ملتئماً إن إرجاع بدايات تقاليد هذين النبيين إلى مرحلة إنشاء المجتمع المديني، يظهر لنا وجود المقاومة منذ المراحل الأولى لدرجة أنها معمرة ومستمرة بقدر المدنية على الأقل، وكيفما يمثل تاريخ السلالات تاريخ الطبقات العليا فكذا يكون تاريخ النبوة ممثلاً بالأغلب لتاريخ الثقافات والعشائر المقاومة وتاريخ الأبطال، فجميعها تتقاطع في نقطة مشتركة ألا وهي مناهضة الوثنية.

بالمقدور الجزم نظرياً بكون الانتقال إلى المجتمع المديني قد جرى بالتداخل والتشابك مع الانتقال إلى المجتمع الديمقراطي، فالجدالات المحتدمة الصارمة الدائرة في أول مجلس للشيوخ العجائز ليست سوى أصداء لأصوات أقدام المجتمع الديمقراطي وانعكاساته الأولى، وفي جميع المجتمعات المارة بهذه المرحلة نشاهد مثل هذه الثنائية: ثنائية المجتمع الديمقراطي والمجتمع المديني، وبشكل ملموس ومفهوم أكثر: هي ثنائية الدولة والديمقراطية أي ثمة قضية الديمقراطية في كل مكان تتواجد فيه الدولة، وثمة مخاطر التداول في كل ساحة تتواجد فيها الديمقراطية، وكيفما أن الديمقراطية ليست شكلاً للدولة فمن الخطأ القول بمصطلح الدولة الديمقراطية، ينبغي الانتباه بدقة بالغة لماهية العلاقة الكائنة بينهما.

إن إشارتي الدائمة للاشتباكات والنزاعات الناشبة بين المجتمع الديمقراطي والمجتمع المديني لا تدحض أو تفند احتمال الوفاق، وعلى النقيض فالوفاق أساسي بين هذين المجتمعين أو بالأصح، كان يجب أن يكون أساسياً ومن أولى أسباب ذلك أنه لا وجود للمجتمع الديمقراطي والمجتمع المديني من دون بعضهما، كنتيجة للمفهوم الجدلي القائل بأن الأطراف لا تفني بعضها البعض فوجود أحدهما ممكن بوجود الآخر، وكما نوهت سابقاً فانطلاقة الديمقراطية وانطلاقة المدنية تنبثقان من المجتمع المشاعي الأم عينه، وبينما يغلب على الديمقراطية أنها تتخذ من الغالبية والتنوعية السلفي المعرضة لقمع واستغلال وخيانة الطبقة الهرمية العليا قاعدة لذاتها، تقوم المدنية بالأرجح باتخاذ الشرائح العليا المطبقة للقمع والاستغلال وهيمنتها الأيديولوجية أساساً لها، وبالطبع فهذه الشرائح لا تنفصل عن بعضها أو عن المجتمع المشاعي الأم بحدود فاصلة، بل هي متداخلة ولكنها في نفس الوقت بؤر متميزة باختلافها وفوارقها أيضاً.

بالمستطاع رؤية اختلال التوازن في العلاقة بين المرأة والرجل على حساب المرأة منعكساً على أولى التجارب الملحمية المرتبة على هيئة حوارات بين إينانا وأنكي (الإلهة والإله المؤسسان لمدينتي أوروك وأريدو)، إنها ملحمة سابقة لملحمة جلجامش وتنص على الصراع القائم بين النظام أو المجتمع المشاعي الامومي والمجتمع الأبوي الهرمي (مجتمع العبور إلى المدنية)، ندرك منها بكل جلاء أن تلك المرحلة قد شهدت اللاعدالة التعسفية والصراع المرير، كما أن المعطيات التاريخية تمدنا بالبراهين والدلائل المشيرة إلى أن المجتمع السومري شهد في بداياته مرحلة يمكننا تسميتها بالديمقراطية البدائية، فمجلس الشيوخ العجائز لم يتحول بعد إلى نظام أبوي بطرباركي والجدالات الحيوية للغاية تشير إلى ضرب من ضروب الديمقراطية، ولم تتشكل بعد أنواع المصطلحات من قبيل أوامر الإله وتعاليمه (هي في الحقيقة مبدأ النظام العسكري الاستبدادي الأحادي الجانب، والنابع من النمط المقنع الذي اتخذه الرجل القوي الماكر وعمل به)، وبأصل، فطراز المحادثات في ملحمة إينانا حيوي للغاية ويسرد ما يجري في المجتمع وما يسوده من ظلم وتعسف وما يحل بالمرأة ومدخراتها وأطفالها من فواجع ونكبات، ولو كانت الوثائق كثيرة لكان بالميسور رؤية وملاحظة احتمال قوي يشير إلى وجود مرحلة انتقالية ديمقراطية تتخطى بمسافات شاسعة ديمقراطية أثينا (ديمقراطية الطبقة العبودية).

إنه موضوع سعيت للتذكير به في كل الأوقات: لماذا سقطت قوة مثل المرأة في وضع بائس يائس لهذه الدرجة؟ ولماذا حكم عليها بالذل والخنوع في قبضة الرجل الذي لا يتميز كثيراً بالإنتاج والإبداع؟ والجواب بالطبع هو دور العنف، ومع انتزاع الاقتصاد من يدها يصبح الأسر المروع أمراً لا مهرب منه، فقد أخرجت المرأة من كونها ذاتها لدرجة رضاها بسلوك أحط وأدنى مستويات الفن الزوجي على مدى أربعين سنة، حتى تجاه صبي آمر عنها في حين أن ملكية الرجل القوي أفظع وأنكى.

ينبغي التفكير بالسلطة باعتبارها تقليداً بل هي إحدى أقدم التقاليد وليست تكامل الأعمال التي يسري حكم ولادتها على المجتمعات يومياً، فضلاً عن ضرورة الإدراك بمنوال أفضل بكثير أنها ليست مجرد دولة وحسب، فاختزال السلطة إلى الدولة وأشكالها يشكل أساس الأخطاء اللاحقة، مثلما يحصل ذلك بكثرة سيما وأن توحيد وعرض الممارسات والأنشطة الحربية مع تطبيقات السلطة الأخرى الضاربة للنظر، سيكون التفسير الأكثر انتهازية للسلطة كثيراً ما استخدمت عبارة "الرجل الماكر والقوي" في عملي هذا كمصطلح تصوري أو لا يدور الحديث عن "اليد الخفية" المرتبة لشؤون الأسواق؟ تلك العبارة أيضاً أشبه بشيء كهذا، لكني على قناعة بقيمتها التعليمية المفيدة بدرجة عليا من حيث استيعاب أساس السلطة، فكل العلاقات وأصحابها الذين يطفون على الوجه أحياناً ولكنهم غالباً ما يبقون عائمين تحت السطح المكشوف للمجتمع ويرتبون شؤون السلطة من هناك إنما هم مؤسسو السلطة.

 

 

  

 تحليلات القيادة: العصرانية الديمقراطية هي عصر ثورة المرأة.

اغتصاب المرأة الدائم مع الاستيلاء على اقتصاد المنزل.

أكاديمية عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعية.

يتبدى مجتمع الدولة العبودية ظاهرياً كمعمل ضخم من الناحية الاقتصادية، ولكنه مختلف عن المعامل الحديثة بتقنياته وكيفية تبنيه، فالعبيد يدفعون فيه إلى العمل كسرب القطيع يمكن استيعاب مدى استثمار كدح العبيد المروع والفظيع في الأرض ومناجم الفحم الحجري والعمار، من خلال الآثار التي لا تزال باقية من هذه الحقبة الأثرية، فإدارة العبيد أعتى حتى من إدارة الحيوان وما العبد سوى حيوان عامل، إنه ملك ومجرد أداة إنتاج العبيد هم خارج دائرة القانون وكأنهم "أشياء" لا عواطف لها، إن الشكل الذي بلغه الذكاء التحليلي في الرجل ضارب للنظر ومثير أكثر في حقيقة العبيد.

تحقق مؤسسة الملكية أيضاً بداية سليمة في مجتمع الدولة العبودية، إذ يعتمد جوهر النظام على امتلاك المجتمع الفوقي للمجتمع التحتي بكل ما فيه، فالملوك الآلهة ومساعدوهم هم أصحاب كل شيء وتبني الأشياء هو الثمرة الطبيعية للحاكمية والهيمنة، و"أنا" الإنسان إذا ما وجدت الفرصة لبروزها فهي تتسم بخصائص لا تعرف الحدود، أسفر انعدام المؤثرات المحددة في عهد تأسيس النظام عن بروز القوة الملكية الإلهية، يتسلل نظام الملكية التي لم يشهدها المجتمع الطبيعي إلى كل مؤسسة بدءاً من ملكية الدولة وحتى العائلة، وتخلق لدى الجميع عاطفة التملك تعد الملكية دعامة الدولة وتقدس وتبجل، لم يبق سوى استملاك كل العالم بعد ذلك وتنقش حدود الملكية في جينات البشرية بأشكال وأغطية متنوعة من قبيل حدود الدولة، أراضي السلالة، تخوم الوطن، لتمتد إلى يومنا الراهن وكأنها ضريبة إلهية، في الحقيقة إن الملكية تعني السلب الحقيقي باعتبارها مصدر السمسرة فهي المؤسسة الأكثر إفساداً وتعطيباً لتعاضد المجتمع الجماعي، لكنها من جانب آخر المؤسسة الأهم على الإطلاق ولا غنى عنها لتغذية المجتمع الفوقي.

لقد سعينا لتعريف المجتمع الطبيعي بأنه الحالة التلقائية للمجتمع الايكولوجي، كما أن تقهقر المجتمع الايكولوجي خطوة بخطوة عمقاً واتساعاً مع تطور مجتمع الدولة، يعد أحد التناقضات الاجتماعية الأولية المستمرة حتى يومنا الراهن بقدر ما تصاعدت التناقضات الداخلية للمجتمع، تزايدت تناقضاته مع المحيط الخارجي والتحكم بالإنسان يفضي إلى التحكم بالطبيعة، إذ جلي تماماً أن النظام الذي لا يرأف بالإنسان لن يتورع عن ارتكاب أسوأ السيئات إزاء الطبيعة، وبالأصل تحتل "الحاكمية" و"الفتح" مكانة مرموقة كظواهر مثلى في أخلاق الطبقة الحاكمة، إذ ينظر إلى التحكم بالطبيعة على أنه أخلاق نبيلة وسلوك راقِ بقدر التحكم بالإنسان وتدحض حيوية وقدسية الطبيعة، التي تعود للمجتمع الطبيعي بل و"تفتح" الطبيعة وتغزى وكأنها العدو اللدود ولدى هيمنة هذه المصطلحات على ذهنية وسلوكيات المجتمع ألدولتي، فهذا ما معناه فتح الأبواب على مصارعيها أمام الكوارث البيئية التي وصلت أبعاداً ضخمة في أيامنا هذه، قد يواجه قولي هذا بغرابة وتعجب فرغم كل مساعي الاحتلال والاستعمار والاستغلال تبقى المرأة الصاحب الحقيقي للاقتصاد، فإذا كنا نود تقييم الاقتصاد على نحو قيم سوسيولوجي فالموقف الأصح هو القول بكون المرأة هي القوة الأساسية، ما دامت تحمل الجنين وتغذيه في بطنها وتعتني بتنشئته ومأكله بعد مخاضات الولادة الشاقة، إلى أن تجعله في حال يقدر فيها على الوقوف على رجليه وما دامت المرأة أيضاً هي المهنية في مأكل المنزل، إن جوابي رد سوسيولوجي أكثر تقديراً للحقيقة مع أخذ روابطه البيولوجي بعين الاعتبار بكل تأكيد، علماً بأن المرأة لا تزال القوة المحركة للعجلات في العديد من ميادين الحياة الاقتصادية وليس فقط داخل المنزل، نظراً لدورها في الثورة الزراعية وقطفها وتجميعها الثمار على مدى ملايين السنين وقد شخص اليونانيون الأصليون أصحاب الشرف في إرساء أرضية العلوم، هذه الحقيقة قبل آلاف السنين بإطلاقهم تسمية قانون البيت أو قانون المرأة على الاقتصاد.

أما التكوين الاقتصادي الناشئ في المرحلة المدينية مع نشوء الطبقة والمدينة والدولة، أي بؤرة تلك القوة التي يمكننا اختزالها في شخص الراهب ـالملك ـالقائد، فيمكننا تسميتها بالدولة وعلى الصعيد المؤسساتي فهي تؤلف السلطة المكونة من الدين، السياسة، العسكرة على نحو متداخل متشابك، والخاصية الأولية لنظام القوة ذاك تكمن في تنظيمها لاقتصادها على شكل شيوعية الدولة إنه اقتصاد كنت قد أسميته بـ" اشتراكية فرعون" حتى قبل أن أعلم باستخدام هذا المصطلح من قبل ماكس فيبر أيضاً، في حين أن الاقتصاد الامومي يستمر بوجوده على شكل بقايا ضمن ثنايا الاقتصاد الأبوي ــ الإقطاعي العشائري، إن البشر يشغلون في اشتراكية فرعون كعبيد بسطاء، وتقتصر حقوقهم على كوب فخاري من الشوربة بما يكفيهم للبقاء على قيد الحياة والعثور على الآلاف من أكواب العبيد التي لا تزال تكتظ بها أبنية المعابد والقصور القديمة إنما يؤكد صحة هذه العلاقة.

دخل "الرجل القوي الماكر" بيت المرأة واقتصادها خلسة كاللص، لم يكتف بالنهب والسلب بل والأنكى من ذلك أنه حول خلية العائلة المقدسة إلى مرتع الأربعين حرامي، بإبقائه على المرأة تئن تحت نير اغتصابه الدائم لها ولم يتخل قط عن حالته النفسية المطابقة لحالة خائن يعي ماذا يفعل، وهكذا غرست أولى بذور تراكم رأس المال في هذين المكانين: أولهما، احتلاله بالذات لجوار اقتصاد المنزل، ثانيهما، التموقع داخل أو في جوار مواقع تمركز الأربعين حرامي على شكل احتكار خاص تجاه الاحتكار الرسمي الشرعي للدولة، وطاف مبكراً بين الأماكن بوجه مقنع ومحتال لأنه احتاط من عيون المجتمع والدولة ونصب الكمائن خفية فانقض على فريسته كالأسد عندما سنحت الفرصة، وأحياناً أخرى اصطاد فريسته بمكر الثعلب ولم يتخلف عن تمويه نفسه حسب الوسط مثلما الحرباء، وغداً خبيراً في التجارة في المواقع الهامشية يرصد بعين ساهرة المدن والمناطق الريفية التي عجزت الحضارات عن الوصول إليها، إنه ماهر محترف بالاستقرار في الثغرات الموجودة داخل أخاديد المجتمع ويعرف كيف يعري ويسلب الطرفين بتأديته دور التوازن، إنه مدرك يقيناً للمكاسب الضئيلة التي يجنيها من التجارة في الطرق القصيرة وللمكاسب الطائلة التي تدرها عليه تجارة الطرق الطويلة، ومن أهم قواعد مهنته هذه معرفة المناطق المربحة والتوجه إليها وكأنه يشم رائحتها بأنفه ومن المفيد تقييم عملياته تلك كالقرصنة الإستراتيجية على تلك الطرقات، حيث يشار إلى هذا الواقع عبر القول المأثور: لا موطن لرأس المال.

فعقب رسوم المغارات البسيطة تشهد المرحلة عدداً جماً من أشكال رسوم الإلهة الأم ورموزها، التي تعتبر مواضيع ناسنا الفن الأولى وسلف فن النحت ومع المجتمع المديني تخط أشكال الإله والإداري معاً بالتداخل، أما التمايز الطبقي المتزايد ومهام الإدارة المتضاعفة فتمهد لتدول الفن أيضاً بقدر تدول الدين، ونخص بالذكر تسابق الإله والملك والراهب فيما بينهم في استعراض قواهم في الفنون المصرية والصينية والهندية، وكأن هذه الهياكل الضخمة والمحفورات الباهرة دليل على التعريف بقواهم ويحذو الفن المعماري أيضاً نفس الحذو، حيث تعتبر بيوت الدين والإداريين ساحات تنفيذ العمار لتشيد فيها المعابد والسرايا الفخمة كما تنشأ القبور الضخمة كل ذلك دليل صارخ ومروع على الأبعاد التي بلغها العنف واستغلال الإنسان في المجتمع المديني، إذ يستهلك مئات الآلاف من البشر في سبيل تشييد هرم أو معبد، ومع توطد التجارة يصبح التجار أيضاً عاملاً هاماً يطبع الفن بطابعه ومثلما الحال في الملوك بالمقدور متابعة شؤون التجار الجبابرة في النتاجات الفنية أيضاً.

تأتي تقاليد الأنبياء في صدارة المقاومات المتماسكة التي تمكنت من إيصال صوتها من مرحلة الإنشاء الأولى للمجتمع المديني إلى هذه الأيام، فأقاصيصهم التي تبتدئ بسرد قصة آدم وحواء أي أول إنسانين على وجه البسيطة إنما تشتمل في أحضان جميع مزاياها على بصمات الثقافة الأيديولوجية، فإذا قيمنا آدم وحواء على منوال سليم وفق استيعاب ذهنية الحضارة المدينية المتألهة تجاه المجتمع النيوليتي، سنجد أنها تمدناً بأولى رؤوس الخيط الذي يؤديان إلى الصراع بين السيد والعبد حيث بوسعنا تفسير محادثات آدم مع الرب وعلاقته مع حواء على أنها مؤشر للتمييز بين السيد والعبد، بقدر ما ترمز إلى سقوط المرأة الأم إلى المنزلة الثانية أما خروج نوح فكأنه يوحي لنا بإنقاذه المجتمع النيوليتي من قبضة السيد الجبار الطاغي، فيحمله على متن السفينة إلى منطقة جبلية يستحيل وصول المدنية إليها، ليعيد إنشائه من جديد، فالقصة بالأصل تشرح المجتمع السومري وكذلك المجتمع النيوليتي المقاوم تجاهه والساعي للحفاظ على وجوده ملتئماً إن إرجاع بدايات تقاليد هذين النبيين إلى مرحلة إنشاء المجتمع المديني، يظهر لنا وجود المقاومة منذ المراحل الأولى لدرجة أنها معمرة ومستمرة بقدر المدنية على الأقل، وكيفما يمثل تاريخ السلالات تاريخ الطبقات العليا فكذا يكون تاريخ النبوة ممثلاً بالأغلب لتاريخ الثقافات والعشائر المقاومة وتاريخ الأبطال، فجميعها تتقاطع في نقطة مشتركة ألا وهي مناهضة الوثنية.

بالمقدور الجزم نظرياً بكون الانتقال إلى المجتمع المديني قد جرى بالتداخل والتشابك مع الانتقال إلى المجتمع الديمقراطي، فالجدالات المحتدمة الصارمة الدائرة في أول مجلس للشيوخ العجائز ليست سوى أصداء لأصوات أقدام المجتمع الديمقراطي وانعكاساته الأولى، وفي جميع المجتمعات المارة بهذه المرحلة نشاهد مثل هذه الثنائية: ثنائية المجتمع الديمقراطي والمجتمع المديني، وبشكل ملموس ومفهوم أكثر: هي ثنائية الدولة والديمقراطية أي ثمة قضية الديمقراطية في كل مكان تتواجد فيه الدولة، وثمة مخاطر التداول في كل ساحة تتواجد فيها الديمقراطية، وكيفما أن الديمقراطية ليست شكلاً للدولة فمن الخطأ القول بمصطلح الدولة الديمقراطية، ينبغي الانتباه بدقة بالغة لماهية العلاقة الكائنة بينهما.

إن إشارتي الدائمة للاشتباكات والنزاعات الناشبة بين المجتمع الديمقراطي والمجتمع المديني لا تدحض أو تفند احتمال الوفاق، وعلى النقيض فالوفاق أساسي بين هذين المجتمعين أو بالأصح، كان يجب أن يكون أساسياً ومن أولى أسباب ذلك أنه لا وجود للمجتمع الديمقراطي والمجتمع المديني من دون بعضهما، كنتيجة للمفهوم الجدلي القائل بأن الأطراف لا تفني بعضها البعض فوجود أحدهما ممكن بوجود الآخر، وكما نوهت سابقاً فانطلاقة الديمقراطية وانطلاقة المدنية تنبثقان من المجتمع المشاعي الأم عينه، وبينما يغلب على الديمقراطية أنها تتخذ من الغالبية والتنوعية السلفي المعرضة لقمع واستغلال وخيانة الطبقة الهرمية العليا قاعدة لذاتها، تقوم المدنية بالأرجح باتخاذ الشرائح العليا المطبقة للقمع والاستغلال وهيمنتها الأيديولوجية أساساً لها، وبالطبع فهذه الشرائح لا تنفصل عن بعضها أو عن المجتمع المشاعي الأم بحدود فاصلة، بل هي متداخلة ولكنها في نفس الوقت بؤر متميزة باختلافها وفوارقها أيضاً.

بالمستطاع رؤية اختلال التوازن في العلاقة بين المرأة والرجل على حساب المرأة منعكساً على أولى التجارب الملحمية المرتبة على هيئة حوارات بين إينانا وأنكي (الإلهة والإله المؤسسان لمدينتي أوروك وأريدو)، إنها ملحمة سابقة لملحمة جلجامش وتنص على الصراع القائم بين النظام أو المجتمع المشاعي الامومي والمجتمع الأبوي الهرمي (مجتمع العبور إلى المدنية)، ندرك منها بكل جلاء أن تلك المرحلة قد شهدت اللاعدالة التعسفية والصراع المرير، كما أن المعطيات التاريخية تمدنا بالبراهين والدلائل المشيرة إلى أن المجتمع السومري شهد في بداياته مرحلة يمكننا تسميتها بالديمقراطية البدائية، فمجلس الشيوخ العجائز لم يتحول بعد إلى نظام أبوي بطرباركي والجدالات الحيوية للغاية تشير إلى ضرب من ضروب الديمقراطية، ولم تتشكل بعد أنواع المصطلحات من قبيل أوامر الإله وتعاليمه (هي في الحقيقة مبدأ النظام العسكري الاستبدادي الأحادي الجانب، والنابع من النمط المقنع الذي اتخذه الرجل القوي الماكر وعمل به)، وبأصل، فطراز المحادثات في ملحمة إينانا حيوي للغاية ويسرد ما يجري في المجتمع وما يسوده من ظلم وتعسف وما يحل بالمرأة ومدخراتها وأطفالها من فواجع ونكبات، ولو كانت الوثائق كثيرة لكان بالميسور رؤية وملاحظة احتمال قوي يشير إلى وجود مرحلة انتقالية ديمقراطية تتخطى بمسافات شاسعة ديمقراطية أثينا (ديمقراطية الطبقة العبودية).

إنه موضوع سعيت للتذكير به في كل الأوقات: لماذا سقطت قوة مثل المرأة في وضع بائس يائس لهذه الدرجة؟ ولماذا حكم عليها بالذل والخنوع في قبضة الرجل الذي لا يتميز كثيراً بالإنتاج والإبداع؟ والجواب بالطبع هو دور العنف، ومع انتزاع الاقتصاد من يدها يصبح الأسر المروع أمراً لا مهرب منه، فقد أخرجت المرأة من كونها ذاتها لدرجة رضاها بسلوك أحط وأدنى مستويات الفن الزوجي على مدى أربعين سنة، حتى تجاه صبي آمر عنها في حين أن ملكية الرجل القوي أفظع وأنكى.

ينبغي التفكير بالسلطة باعتبارها تقليداً بل هي إحدى أقدم التقاليد وليست تكامل الأعمال التي يسري حكم ولادتها على المجتمعات يومياً، فضلاً عن ضرورة الإدراك بمنوال أفضل بكثير أنها ليست مجرد دولة وحسب، فاختزال السلطة إلى الدولة وأشكالها يشكل أساس الأخطاء اللاحقة، مثلما يحصل ذلك بكثرة سيما وأن توحيد وعرض الممارسات والأنشطة الحربية مع تطبيقات السلطة الأخرى الضاربة للنظر، سيكون التفسير الأكثر انتهازية للسلطة كثيراً ما استخدمت عبارة "الرجل الماكر والقوي" في عملي هذا كمصطلح تصوري أو لا يدور الحديث عن "اليد الخفية" المرتبة لشؤون الأسواق؟ تلك العبارة أيضاً أشبه بشيء كهذا، لكني على قناعة بقيمتها التعليمية المفيدة بدرجة عليا من حيث استيعاب أساس السلطة، فكل العلاقات وأصحابها الذين يطفون على الوجه أحياناً ولكنهم غالباً ما يبقون عائمين تحت السطح المكشوف للمجتمع ويرتبون شؤون السلطة من هناك إنما هم مؤسسو السلطة.

 

 

  

تحليلات القيادة: العصرانية الديمقراطية هي عصر ثورة المرأة.

اغتصاب المرأة الدائم مع الاستيلاء على اقتصاد المنزل.

أكاديمية عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعية.

يتبدى مجتمع الدولة العبودية ظاهرياً كمعمل ضخم من الناحية الاقتصادية، ولكنه مختلف عن المعامل الحديثة بتقنياته وكيفية تبنيه، فالعبيد يدفعون فيه إلى العمل كسرب القطيع يمكن استيعاب مدى استثمار كدح العبيد المروع والفظيع في الأرض ومناجم الفحم الحجري والعمار، من خلال الآثار التي لا تزال باقية من هذه الحقبة الأثرية، فإدارة العبيد أعتى حتى من إدارة الحيوان وما العبد سوى حيوان عامل، إنه ملك ومجرد أداة إنتاج العبيد هم خارج دائرة القانون وكأنهم "أشياء" لا عواطف لها، إن الشكل الذي بلغه الذكاء التحليلي في الرجل ضارب للنظر ومثير أكثر في حقيقة العبيد.

تحقق مؤسسة الملكية أيضاً بداية سليمة في مجتمع الدولة العبودية، إذ يعتمد جوهر النظام على امتلاك المجتمع الفوقي للمجتمع التحتي بكل ما فيه، فالملوك الآلهة ومساعدوهم هم أصحاب كل شيء وتبني الأشياء هو الثمرة الطبيعية للحاكمية والهيمنة، و"أنا" الإنسان إذا ما وجدت الفرصة لبروزها فهي تتسم بخصائص لا تعرف الحدود، أسفر انعدام المؤثرات المحددة في عهد تأسيس النظام عن بروز القوة الملكية الإلهية، يتسلل نظام الملكية التي لم يشهدها المجتمع الطبيعي إلى كل مؤسسة بدءاً من ملكية الدولة وحتى العائلة، وتخلق لدى الجميع عاطفة التملك تعد الملكية دعامة الدولة وتقدس وتبجل، لم يبق سوى استملاك كل العالم بعد ذلك وتنقش حدود الملكية في جينات البشرية بأشكال وأغطية متنوعة من قبيل حدود الدولة، أراضي السلالة، تخوم الوطن، لتمتد إلى يومنا الراهن وكأنها ضريبة إلهية، في الحقيقة إن الملكية تعني السلب الحقيقي باعتبارها مصدر السمسرة فهي المؤسسة الأكثر إفساداً وتعطيباً لتعاضد المجتمع الجماعي، لكنها من جانب آخر المؤسسة الأهم على الإطلاق ولا غنى عنها لتغذية المجتمع الفوقي.

لقد سعينا لتعريف المجتمع الطبيعي بأنه الحالة التلقائية للمجتمع الايكولوجي، كما أن تقهقر المجتمع الايكولوجي خطوة بخطوة عمقاً واتساعاً مع تطور مجتمع الدولة، يعد أحد التناقضات الاجتماعية الأولية المستمرة حتى يومنا الراهن بقدر ما تصاعدت التناقضات الداخلية للمجتمع، تزايدت تناقضاته مع المحيط الخارجي والتحكم بالإنسان يفضي إلى التحكم بالطبيعة، إذ جلي تماماً أن النظام الذي لا يرأف بالإنسان لن يتورع عن ارتكاب أسوأ السيئات إزاء الطبيعة، وبالأصل تحتل "الحاكمية" و"الفتح" مكانة مرموقة كظواهر مثلى في أخلاق الطبقة الحاكمة، إذ ينظر إلى التحكم بالطبيعة على أنه أخلاق نبيلة وسلوك راقِ بقدر التحكم بالإنسان وتدحض حيوية وقدسية الطبيعة، التي تعود للمجتمع الطبيعي بل و"تفتح" الطبيعة وتغزى وكأنها العدو اللدود ولدى هيمنة هذه المصطلحات على ذهنية وسلوكيات المجتمع ألدولتي، فهذا ما معناه فتح الأبواب على مصارعيها أمام الكوارث البيئية التي وصلت أبعاداً ضخمة في أيامنا هذه، قد يواجه قولي هذا بغرابة وتعجب فرغم كل مساعي الاحتلال والاستعمار والاستغلال تبقى المرأة الصاحب الحقيقي للاقتصاد، فإذا كنا نود تقييم الاقتصاد على نحو قيم سوسيولوجي فالموقف الأصح هو القول بكون المرأة هي القوة الأساسية، ما دامت تحمل الجنين وتغذيه في بطنها وتعتني بتنشئته ومأكله بعد مخاضات الولادة الشاقة، إلى أن تجعله في حال يقدر فيها على الوقوف على رجليه وما دامت المرأة أيضاً هي المهنية في مأكل المنزل، إن جوابي رد سوسيولوجي أكثر تقديراً للحقيقة مع أخذ روابطه البيولوجي بعين الاعتبار بكل تأكيد، علماً بأن المرأة لا تزال القوة المحركة للعجلات في العديد من ميادين الحياة الاقتصادية وليس فقط داخل المنزل، نظراً لدورها في الثورة الزراعية وقطفها وتجميعها الثمار على مدى ملايين السنين وقد شخص اليونانيون الأصليون أصحاب الشرف في إرساء أرضية العلوم، هذه الحقيقة قبل آلاف السنين بإطلاقهم تسمية قانون البيت أو قانون المرأة على الاقتصاد.

أما التكوين الاقتصادي الناشئ في المرحلة المدينية مع نشوء الطبقة والمدينة والدولة، أي بؤرة تلك القوة التي يمكننا اختزالها في شخص الراهب ـالملك ـالقائد، فيمكننا تسميتها بالدولة وعلى الصعيد المؤسساتي فهي تؤلف السلطة المكونة من الدين، السياسة، العسكرة على نحو متداخل متشابك، والخاصية الأولية لنظام القوة ذاك تكمن في تنظيمها لاقتصادها على شكل شيوعية الدولة إنه اقتصاد كنت قد أسميته بـ" اشتراكية فرعون" حتى قبل أن أعلم باستخدام هذا المصطلح من قبل ماكس فيبر أيضاً، في حين أن الاقتصاد الامومي يستمر بوجوده على شكل بقايا ضمن ثنايا الاقتصاد الأبوي ــ الإقطاعي العشائري، إن البشر يشغلون في اشتراكية فرعون كعبيد بسطاء، وتقتصر حقوقهم على كوب فخاري من الشوربة بما يكفيهم للبقاء على قيد الحياة والعثور على الآلاف من أكواب العبيد التي لا تزال تكتظ بها أبنية المعابد والقصور القديمة إنما يؤكد صحة هذه العلاقة.

دخل "الرجل القوي الماكر" بيت المرأة واقتصادها خلسة كاللص، لم يكتف بالنهب والسلب بل والأنكى من ذلك أنه حول خلية العائلة المقدسة إلى مرتع الأربعين حرامي، بإبقائه على المرأة تئن تحت نير اغتصابه الدائم لها ولم يتخل قط عن حالته النفسية المطابقة لحالة خائن يعي ماذا يفعل، وهكذا غرست أولى بذور تراكم رأس المال في هذين المكانين: أولهما، احتلاله بالذات لجوار اقتصاد المنزل، ثانيهما، التموقع داخل أو في جوار مواقع تمركز الأربعين حرامي على شكل احتكار خاص تجاه الاحتكار الرسمي الشرعي للدولة، وطاف مبكراً بين الأماكن بوجه مقنع ومحتال لأنه احتاط من عيون المجتمع والدولة ونصب الكمائن خفية فانقض على فريسته كالأسد عندما سنحت الفرصة، وأحياناً أخرى اصطاد فريسته بمكر الثعلب ولم يتخلف عن تمويه نفسه حسب الوسط مثلما الحرباء، وغداً خبيراً في التجارة في المواقع الهامشية يرصد بعين ساهرة المدن والمناطق الريفية التي عجزت الحضارات عن الوصول إليها، إنه ماهر محترف بالاستقرار في الثغرات الموجودة داخل أخاديد المجتمع ويعرف كيف يعري ويسلب الطرفين بتأديته دور التوازن، إنه مدرك يقيناً للمكاسب الضئيلة التي يجنيها من التجارة في الطرق القصيرة وللمكاسب الطائلة التي تدرها عليه تجارة الطرق الطويلة، ومن أهم قواعد مهنته هذه معرفة المناطق المربحة والتوجه إليها وكأنه يشم رائحتها بأنفه ومن المفيد تقييم عملياته تلك كالقرصنة الإستراتيجية على تلك الطرقات، حيث يشار إلى هذا الواقع عبر القول المأثور: لا موطن لرأس المال.

فعقب رسوم المغارات البسيطة تشهد المرحلة عدداً جماً من أشكال رسوم الإلهة الأم ورموزها، التي تعتبر مواضيع ناسنا الفن الأولى وسلف فن النحت ومع المجتمع المديني تخط أشكال الإله والإداري معاً بالتداخل، أما التمايز الطبقي المتزايد ومهام الإدارة المتضاعفة فتمهد لتدول الفن أيضاً بقدر تدول الدين، ونخص بالذكر تسابق الإله والملك والراهب فيما بينهم في استعراض قواهم في الفنون المصرية والصينية والهندية، وكأن هذه الهياكل الضخمة والمحفورات الباهرة دليل على التعريف بقواهم ويحذو الفن المعماري أيضاً نفس الحذو، حيث تعتبر بيوت الدين والإداريين ساحات تنفيذ العمار لتشيد فيها المعابد والسرايا الفخمة كما تنشأ القبور الضخمة كل ذلك دليل صارخ ومروع على الأبعاد التي بلغها العنف واستغلال الإنسان في المجتمع المديني، إذ يستهلك مئات الآلاف من البشر في سبيل تشييد هرم أو معبد، ومع توطد التجارة يصبح التجار أيضاً عاملاً هاماً يطبع الفن بطابعه ومثلما الحال في الملوك بالمقدور متابعة شؤون التجار الجبابرة في النتاجات الفنية أيضاً.

تأتي تقاليد الأنبياء في صدارة المقاومات المتماسكة التي تمكنت من إيصال صوتها من مرحلة الإنشاء الأولى للمجتمع المديني إلى هذه الأيام، فأقاصيصهم التي تبتدئ بسرد قصة آدم وحواء أي أول إنسانين على وجه البسيطة إنما تشتمل في أحضان جميع مزاياها على بصمات الثقافة الأيديولوجية، فإذا قيمنا آدم وحواء على منوال سليم وفق استيعاب ذهنية الحضارة المدينية المتألهة تجاه المجتمع النيوليتي، سنجد أنها تمدناً بأولى رؤوس الخيط الذي يؤديان إلى الصراع بين السيد والعبد حيث بوسعنا تفسير محادثات آدم مع الرب وعلاقته مع حواء على أنها مؤشر للتمييز بين السيد والعبد، بقدر ما ترمز إلى سقوط المرأة الأم إلى المنزلة الثانية أما خروج نوح فكأنه يوحي لنا بإنقاذه المجتمع النيوليتي من قبضة السيد الجبار الطاغي، فيحمله على متن السفينة إلى منطقة جبلية يستحيل وصول المدنية إليها، ليعيد إنشائه من جديد، فالقصة بالأصل تشرح المجتمع السومري وكذلك المجتمع النيوليتي المقاوم تجاهه والساعي للحفاظ على وجوده ملتئماً إن إرجاع بدايات تقاليد هذين النبيين إلى مرحلة إنشاء المجتمع المديني، يظهر لنا وجود المقاومة منذ المراحل الأولى لدرجة أنها معمرة ومستمرة بقدر المدنية على الأقل، وكيفما يمثل تاريخ السلالات تاريخ الطبقات العليا فكذا يكون تاريخ النبوة ممثلاً بالأغلب لتاريخ الثقافات والعشائر المقاومة وتاريخ الأبطال، فجميعها تتقاطع في نقطة مشتركة ألا وهي مناهضة الوثنية.

بالمقدور الجزم نظرياً بكون الانتقال إلى المجتمع المديني قد جرى بالتداخل والتشابك مع الانتقال إلى المجتمع الديمقراطي، فالجدالات المحتدمة الصارمة الدائرة في أول مجلس للشيوخ العجائز ليست سوى أصداء لأصوات أقدام المجتمع الديمقراطي وانعكاساته الأولى، وفي جميع المجتمعات المارة بهذه المرحلة نشاهد مثل هذه الثنائية: ثنائية المجتمع الديمقراطي والمجتمع المديني، وبشكل ملموس ومفهوم أكثر: هي ثنائية الدولة والديمقراطية أي ثمة قضية الديمقراطية في كل مكان تتواجد فيه الدولة، وثمة مخاطر التداول في كل ساحة تتواجد فيها الديمقراطية، وكيفما أن الديمقراطية ليست شكلاً للدولة فمن الخطأ القول بمصطلح الدولة الديمقراطية، ينبغي الانتباه بدقة بالغة لماهية العلاقة الكائنة بينهما.

إن إشارتي الدائمة للاشتباكات والنزاعات الناشبة بين المجتمع الديمقراطي والمجتمع المديني لا تدحض أو تفند احتمال الوفاق، وعلى النقيض فالوفاق أساسي بين هذين المجتمعين أو بالأصح، كان يجب أن يكون أساسياً ومن أولى أسباب ذلك أنه لا وجود للمجتمع الديمقراطي والمجتمع المديني من دون بعضهما، كنتيجة للمفهوم الجدلي القائل بأن الأطراف لا تفني بعضها البعض فوجود أحدهما ممكن بوجود الآخر، وكما نوهت سابقاً فانطلاقة الديمقراطية وانطلاقة المدنية تنبثقان من المجتمع المشاعي الأم عينه، وبينما يغلب على الديمقراطية أنها تتخذ من الغالبية والتنوعية السلفي المعرضة لقمع واستغلال وخيانة الطبقة الهرمية العليا قاعدة لذاتها، تقوم المدنية بالأرجح باتخاذ الشرائح العليا المطبقة للقمع والاستغلال وهيمنتها الأيديولوجية أساساً لها، وبالطبع فهذه الشرائح لا تنفصل عن بعضها أو عن المجتمع المشاعي الأم بحدود فاصلة، بل هي متداخلة ولكنها في نفس الوقت بؤر متميزة باختلافها وفوارقها أيضاً.

بالمستطاع رؤية اختلال التوازن في العلاقة بين المرأة والرجل على حساب المرأة منعكساً على أولى التجارب الملحمية المرتبة على هيئة حوارات بين إينانا وأنكي (الإلهة والإله المؤسسان لمدينتي أوروك وأريدو)، إنها ملحمة سابقة لملحمة جلجامش وتنص على الصراع القائم بين النظام أو المجتمع المشاعي الامومي والمجتمع الأبوي الهرمي (مجتمع العبور إلى المدنية)، ندرك منها بكل جلاء أن تلك المرحلة قد شهدت اللاعدالة التعسفية والصراع المرير، كما أن المعطيات التاريخية تمدنا بالبراهين والدلائل المشيرة إلى أن المجتمع السومري شهد في بداياته مرحلة يمكننا تسميتها بالديمقراطية البدائية، فمجلس الشيوخ العجائز لم يتحول بعد إلى نظام أبوي بطرباركي والجدالات الحيوية للغاية تشير إلى ضرب من ضروب الديمقراطية، ولم تتشكل بعد أنواع المصطلحات من قبيل أوامر الإله وتعاليمه (هي في الحقيقة مبدأ النظام العسكري الاستبدادي الأحادي الجانب، والنابع من النمط المقنع الذي اتخذه الرجل القوي الماكر وعمل به)، وبأصل، فطراز المحادثات في ملحمة إينانا حيوي للغاية ويسرد ما يجري في المجتمع وما يسوده من ظلم وتعسف وما يحل بالمرأة ومدخراتها وأطفالها من فواجع ونكبات، ولو كانت الوثائق كثيرة لكان بالميسور رؤية وملاحظة احتمال قوي يشير إلى وجود مرحلة انتقالية ديمقراطية تتخطى بمسافات شاسعة ديمقراطية أثينا (ديمقراطية الطبقة العبودية).

إنه موضوع سعيت للتذكير به في كل الأوقات: لماذا سقطت قوة مثل المرأة في وضع بائس يائس لهذه الدرجة؟ ولماذا حكم عليها بالذل والخنوع في قبضة الرجل الذي لا يتميز كثيراً بالإنتاج والإبداع؟ والجواب بالطبع هو دور العنف، ومع انتزاع الاقتصاد من يدها يصبح الأسر المروع أمراً لا مهرب منه، فقد أخرجت المرأة من كونها ذاتها لدرجة رضاها بسلوك أحط وأدنى مستويات الفن الزوجي على مدى أربعين سنة، حتى تجاه صبي آمر عنها في حين أن ملكية الرجل القوي أفظع وأنكى.

ينبغي التفكير بالسلطة باعتبارها تقليداً بل هي إحدى أقدم التقاليد وليست تكامل الأعمال التي يسري حكم ولادتها على المجتمعات يومياً، فضلاً عن ضرورة الإدراك بمنوال أفضل بكثير أنها ليست مجرد دولة وحسب، فاختزال السلطة إلى الدولة وأشكالها يشكل أساس الأخطاء اللاحقة، مثلما يحصل ذلك بكثرة سيما وأن توحيد وعرض الممارسات والأنشطة الحربية مع تطبيقات السلطة الأخرى الضاربة للنظر، سيكون التفسير الأكثر انتهازية للسلطة كثيراً ما استخدمت عبارة "الرجل الماكر والقوي" في عملي هذا كمصطلح تصوري أو لا يدور الحديث عن "اليد الخفية" المرتبة لشؤون الأسواق؟ تلك العبارة أيضاً أشبه بشيء كهذا، لكني على قناعة بقيمتها التعليمية المفيدة بدرجة عليا من حيث استيعاب أساس السلطة، فكل العلاقات وأصحابها الذين يطفون على الوجه أحياناً ولكنهم غالباً ما يبقون عائمين تحت السطح المكشوف للمجتمع ويرتبون شؤون السلطة من هناك إنما هم مؤسسو السلطة.

 

 


  

 أكاديمية عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعية. 

يتبدى مجتمع الدولة العبودية ظاهرياً كمعمل ضخم من الناحية الاقتصادية، ولكنه مختلف عن المعامل الحديثة بتقنياته وكيفية تبنيه، فالعبيد يدفعون فيه إلى العمل كسرب القطيع يمكن استيعاب مدى استثمار كدح العبيد المروع والفظيع في الأرض ومناجم الفحم الحجري والعمار، من خلال الآثار التي لا تزال باقية من هذه الحقبة الأثرية، فإدارة العبيد أعتى حتى من إدارة الحيوان وما العبد سوى حيوان عامل، إنه ملك ومجرد أداة إنتاج العبيد هم خارج دائرة القانون وكأنهم "أشياء" لا عواطف لها، إن الشكل الذي بلغه الذكاء التحليلي في الرجل ضارب للنظر ومثير أكثر في حقيقة العبيد.

تحقق مؤسسة الملكية أيضاً بداية سليمة في مجتمع الدولة العبودية، إذ يعتمد جوهر النظام على امتلاك المجتمع الفوقي للمجتمع التحتي بكل ما فيه، فالملوك الآلهة ومساعدوهم هم أصحاب كل شيء وتبني الأشياء هو الثمرة الطبيعية للحاكمية والهيمنة، و"أنا" الإنسان إذا ما وجدت الفرصة لبروزها فهي تتسم بخصائص لا تعرف الحدود، أسفر انعدام المؤثرات المحددة في عهد تأسيس النظام عن بروز القوة الملكية الإلهية، يتسلل نظام الملكية التي لم يشهدها المجتمع الطبيعي إلى كل مؤسسة بدءاً من ملكية الدولة وحتى العائلة، وتخلق لدى الجميع عاطفة التملك تعد الملكية دعامة الدولة وتقدس وتبجل، لم يبق سوى استملاك كل العالم بعد ذلك وتنقش حدود الملكية في جينات البشرية بأشكال وأغطية متنوعة من قبيل حدود الدولة، أراضي السلالة، تخوم الوطن، لتمتد إلى يومنا الراهن وكأنها ضريبة إلهية، في الحقيقة إن الملكية تعني السلب الحقيقي باعتبارها مصدر السمسرة فهي المؤسسة الأكثر إفساداً وتعطيباً لتعاضد المجتمع الجماعي، لكنها من جانب آخر المؤسسة الأهم على الإطلاق ولا غنى عنها لتغذية المجتمع الفوقي.

لقد سعينا لتعريف المجتمع الطبيعي بأنه الحالة التلقائية للمجتمع الايكولوجي، كما أن تقهقر المجتمع الايكولوجي خطوة بخطوة عمقاً واتساعاً مع تطور مجتمع الدولة، يعد أحد التناقضات الاجتماعية الأولية المستمرة حتى يومنا الراهن بقدر ما تصاعدت التناقضات الداخلية للمجتمع، تزايدت تناقضاته مع المحيط الخارجي والتحكم بالإنسان يفضي إلى التحكم بالطبيعة، إذ جلي تماماً أن النظام الذي لا يرأف بالإنسان لن يتورع عن ارتكاب أسوأ السيئات إزاء الطبيعة، وبالأصل تحتل "الحاكمية" و"الفتح" مكانة مرموقة كظواهر مثلى في أخلاق الطبقة الحاكمة، إذ ينظر إلى التحكم بالطبيعة على أنه أخلاق نبيلة وسلوك راقِ بقدر التحكم بالإنسان وتدحض حيوية وقدسية الطبيعة، التي تعود للمجتمع الطبيعي بل و"تفتح" الطبيعة وتغزى وكأنها العدو اللدود ولدى هيمنة هذه المصطلحات على ذهنية وسلوكيات المجتمع ألدولتي، فهذا ما معناه فتح الأبواب على مصارعيها أمام الكوارث البيئية التي وصلت أبعاداً ضخمة في أيامنا هذه، قد يواجه قولي هذا بغرابة وتعجب فرغم كل مساعي الاحتلال والاستعمار والاستغلال تبقى المرأة الصاحب الحقيقي للاقتصاد، فإذا كنا نود تقييم الاقتصاد على نحو قيم سوسيولوجي فالموقف الأصح هو القول بكون المرأة هي القوة الأساسية، ما دامت تحمل الجنين وتغذيه في بطنها وتعتني بتنشئته ومأكله بعد مخاضات الولادة الشاقة، إلى أن تجعله في حال يقدر فيها على الوقوف على رجليه وما دامت المرأة أيضاً هي المهنية في مأكل المنزل، إن جوابي رد سوسيولوجي أكثر تقديراً للحقيقة مع أخذ روابطه البيولوجي بعين الاعتبار بكل تأكيد، علماً بأن المرأة لا تزال القوة المحركة للعجلات في العديد من ميادين الحياة الاقتصادية وليس فقط داخل المنزل، نظراً لدورها في الثورة الزراعية وقطفها وتجميعها الثمار على مدى ملايين السنين وقد شخص اليونانيون الأصليون أصحاب الشرف في إرساء أرضية العلوم، هذه الحقيقة قبل آلاف السنين بإطلاقهم تسمية قانون البيت أو قانون المرأة على الاقتصاد.

أما التكوين الاقتصادي الناشئ في المرحلة المدينية مع نشوء الطبقة والمدينة والدولة، أي بؤرة تلك القوة التي يمكننا اختزالها في شخص الراهب ـالملك ـالقائد، فيمكننا تسميتها بالدولة وعلى الصعيد المؤسساتي فهي تؤلف السلطة المكونة من الدين، السياسة، العسكرة على نحو متداخل متشابك، والخاصية الأولية لنظام القوة ذاك تكمن في تنظيمها لاقتصادها على شكل شيوعية الدولة إنه اقتصاد كنت قد أسميته بـ" اشتراكية فرعون" حتى قبل أن أعلم باستخدام هذا المصطلح من قبل ماكس فيبر أيضاً، في حين أن الاقتصاد الامومي يستمر بوجوده على شكل بقايا ضمن ثنايا الاقتصاد الأبوي ــ الإقطاعي العشائري، إن البشر يشغلون في اشتراكية فرعون كعبيد بسطاء، وتقتصر حقوقهم على كوب فخاري من الشوربة بما يكفيهم للبقاء على قيد الحياة والعثور على الآلاف من أكواب العبيد التي لا تزال تكتظ بها أبنية المعابد والقصور القديمة إنما يؤكد صحة هذه العلاقة.

دخل "الرجل القوي الماكر" بيت المرأة واقتصادها خلسة كاللص، لم يكتف بالنهب والسلب بل والأنكى من ذلك أنه حول خلية العائلة المقدسة إلى مرتع الأربعين حرامي، بإبقائه على المرأة تئن تحت نير اغتصابه الدائم لها ولم يتخل قط عن حالته النفسية المطابقة لحالة خائن يعي ماذا يفعل، وهكذا غرست أولى بذور تراكم رأس المال في هذين المكانين: أولهما، احتلاله بالذات لجوار اقتصاد المنزل، ثانيهما، التموقع داخل أو في جوار مواقع تمركز الأربعين حرامي على شكل احتكار خاص تجاه الاحتكار الرسمي الشرعي للدولة، وطاف مبكراً بين الأماكن بوجه مقنع ومحتال لأنه احتاط من عيون المجتمع والدولة ونصب الكمائن خفية فانقض على فريسته كالأسد عندما سنحت الفرصة، وأحياناً أخرى اصطاد فريسته بمكر الثعلب ولم يتخلف عن تمويه نفسه حسب الوسط مثلما الحرباء، وغداً خبيراً في التجارة في المواقع الهامشية يرصد بعين ساهرة المدن والمناطق الريفية التي عجزت الحضارات عن الوصول إليها، إنه ماهر محترف بالاستقرار في الثغرات الموجودة داخل أخاديد المجتمع ويعرف كيف يعري ويسلب الطرفين بتأديته دور التوازن، إنه مدرك يقيناً للمكاسب الضئيلة التي يجنيها من التجارة في الطرق القصيرة وللمكاسب الطائلة التي تدرها عليه تجارة الطرق الطويلة، ومن أهم قواعد مهنته هذه معرفة المناطق المربحة والتوجه إليها وكأنه يشم رائحتها بأنفه ومن المفيد تقييم عملياته تلك كالقرصنة الإستراتيجية على تلك الطرقات، حيث يشار إلى هذا الواقع عبر القول المأثور: لا موطن لرأس المال.

فعقب رسوم المغارات البسيطة تشهد المرحلة عدداً جماً من أشكال رسوم الإلهة الأم ورموزها، التي تعتبر مواضيع ناسنا الفن الأولى وسلف فن النحت ومع المجتمع المديني تخط أشكال الإله والإداري معاً بالتداخل، أما التمايز الطبقي المتزايد ومهام الإدارة المتضاعفة فتمهد لتدول الفن أيضاً بقدر تدول الدين، ونخص بالذكر تسابق الإله والملك والراهب فيما بينهم في استعراض قواهم في الفنون المصرية والصينية والهندية، وكأن هذه الهياكل الضخمة والمحفورات الباهرة دليل على التعريف بقواهم ويحذو الفن المعماري أيضاً نفس الحذو، حيث تعتبر بيوت الدين والإداريين ساحات تنفيذ العمار لتشيد فيها المعابد والسرايا الفخمة كما تنشأ القبور الضخمة كل ذلك دليل صارخ ومروع على الأبعاد التي بلغها العنف واستغلال الإنسان في المجتمع المديني، إذ يستهلك مئات الآلاف من البشر في سبيل تشييد هرم أو معبد، ومع توطد التجارة يصبح التجار أيضاً عاملاً هاماً يطبع الفن بطابعه ومثلما الحال في الملوك بالمقدور متابعة شؤون التجار الجبابرة في النتاجات الفنية أيضاً.

تأتي تقاليد الأنبياء في صدارة المقاومات المتماسكة التي تمكنت من إيصال صوتها من مرحلة الإنشاء الأولى للمجتمع المديني إلى هذه الأيام، فأقاصيصهم التي تبتدئ بسرد قصة آدم وحواء أي أول إنسانين على وجه البسيطة إنما تشتمل في أحضان جميع مزاياها على بصمات الثقافة الأيديولوجية، فإذا قيمنا آدم وحواء على منوال سليم وفق استيعاب ذهنية الحضارة المدينية المتألهة تجاه المجتمع النيوليتي، سنجد أنها تمدناً بأولى رؤوس الخيط الذي يؤديان إلى الصراع بين السيد والعبد حيث بوسعنا تفسير محادثات آدم مع الرب وعلاقته مع حواء على أنها مؤشر للتمييز بين السيد والعبد، بقدر ما ترمز إلى سقوط المرأة الأم إلى المنزلة الثانية أما خروج نوح فكأنه يوحي لنا بإنقاذه المجتمع النيوليتي من قبضة السيد الجبار الطاغي، فيحمله على متن السفينة إلى منطقة جبلية يستحيل وصول المدنية إليها، ليعيد إنشائه من جديد، فالقصة بالأصل تشرح المجتمع السومري وكذلك المجتمع النيوليتي المقاوم تجاهه والساعي للحفاظ على وجوده ملتئماً إن إرجاع بدايات تقاليد هذين النبيين إلى مرحلة إنشاء المجتمع المديني، يظهر لنا وجود المقاومة منذ المراحل الأولى لدرجة أنها معمرة ومستمرة بقدر المدنية على الأقل، وكيفما يمثل تاريخ السلالات تاريخ الطبقات العليا فكذا يكون تاريخ النبوة ممثلاً بالأغلب لتاريخ الثقافات والعشائر المقاومة وتاريخ الأبطال، فجميعها تتقاطع في نقطة مشتركة ألا وهي مناهضة الوثنية.

بالمقدور الجزم نظرياً بكون الانتقال إلى المجتمع المديني قد جرى بالتداخل والتشابك مع الانتقال إلى المجتمع الديمقراطي، فالجدالات المحتدمة الصارمة الدائرة في أول مجلس للشيوخ العجائز ليست سوى أصداء لأصوات أقدام المجتمع الديمقراطي وانعكاساته الأولى، وفي جميع المجتمعات المارة بهذه المرحلة نشاهد مثل هذه الثنائية: ثنائية المجتمع الديمقراطي والمجتمع المديني، وبشكل ملموس ومفهوم أكثر: هي ثنائية الدولة والديمقراطية أي ثمة قضية الديمقراطية في كل مكان تتواجد فيه الدولة، وثمة مخاطر التداول في كل ساحة تتواجد فيها الديمقراطية، وكيفما أن الديمقراطية ليست شكلاً للدولة فمن الخطأ القول بمصطلح الدولة الديمقراطية، ينبغي الانتباه بدقة بالغة لماهية العلاقة الكائنة بينهما.

إن إشارتي الدائمة للاشتباكات والنزاعات الناشبة بين المجتمع الديمقراطي والمجتمع المديني لا تدحض أو تفند احتمال الوفاق، وعلى النقيض فالوفاق أساسي بين هذين المجتمعين أو بالأصح، كان يجب أن يكون أساسياً ومن أولى أسباب ذلك أنه لا وجود للمجتمع الديمقراطي والمجتمع المديني من دون بعضهما، كنتيجة للمفهوم الجدلي القائل بأن الأطراف لا تفني بعضها البعض فوجود أحدهما ممكن بوجود الآخر، وكما نوهت سابقاً فانطلاقة الديمقراطية وانطلاقة المدنية تنبثقان من المجتمع المشاعي الأم عينه، وبينما يغلب على الديمقراطية أنها تتخذ من الغالبية والتنوعية السلفي المعرضة لقمع واستغلال وخيانة الطبقة الهرمية العليا قاعدة لذاتها، تقوم المدنية بالأرجح باتخاذ الشرائح العليا المطبقة للقمع والاستغلال وهيمنتها الأيديولوجية أساساً لها، وبالطبع فهذه الشرائح لا تنفصل عن بعضها أو عن المجتمع المشاعي الأم بحدود فاصلة، بل هي متداخلة ولكنها في نفس الوقت بؤر متميزة باختلافها وفوارقها أيضاً.

بالمستطاع رؤية اختلال التوازن في العلاقة بين المرأة والرجل على حساب المرأة منعكساً على أولى التجارب الملحمية المرتبة على هيئة حوارات بين إينانا وأنكي (الإلهة والإله المؤسسان لمدينتي أوروك وأريدو)، إنها ملحمة سابقة لملحمة جلجامش وتنص على الصراع القائم بين النظام أو المجتمع المشاعي الامومي والمجتمع الأبوي الهرمي (مجتمع العبور إلى المدنية)، ندرك منها بكل جلاء أن تلك المرحلة قد شهدت اللاعدالة التعسفية والصراع المرير، كما أن المعطيات التاريخية تمدنا بالبراهين والدلائل المشيرة إلى أن المجتمع السومري شهد في بداياته مرحلة يمكننا تسميتها بالديمقراطية البدائية، فمجلس الشيوخ العجائز لم يتحول بعد إلى نظام أبوي بطرباركي والجدالات الحيوية للغاية تشير إلى ضرب من ضروب الديمقراطية، ولم تتشكل بعد أنواع المصطلحات من قبيل أوامر الإله وتعاليمه (هي في الحقيقة مبدأ النظام العسكري الاستبدادي الأحادي الجانب، والنابع من النمط المقنع الذي اتخذه الرجل القوي الماكر وعمل به)، وبأصل، فطراز المحادثات في ملحمة إينانا حيوي للغاية ويسرد ما يجري في المجتمع وما يسوده من ظلم وتعسف وما يحل بالمرأة ومدخراتها وأطفالها من فواجع ونكبات، ولو كانت الوثائق كثيرة لكان بالميسور رؤية وملاحظة احتمال قوي يشير إلى وجود مرحلة انتقالية ديمقراطية تتخطى بمسافات شاسعة ديمقراطية أثينا (ديمقراطية الطبقة العبودية).

إنه موضوع سعيت للتذكير به في كل الأوقات: لماذا سقطت قوة مثل المرأة في وضع بائس يائس لهذه الدرجة؟ ولماذا حكم عليها بالذل والخنوع في قبضة الرجل الذي لا يتميز كثيراً بالإنتاج والإبداع؟ والجواب بالطبع هو دور العنف، ومع انتزاع الاقتصاد من يدها يصبح الأسر المروع أمراً لا مهرب منه، فقد أخرجت المرأة من كونها ذاتها لدرجة رضاها بسلوك أحط وأدنى مستويات الفن الزوجي على مدى أربعين سنة، حتى تجاه صبي آمر عنها في حين أن ملكية الرجل القوي أفظع وأنكى.

ينبغي التفكير بالسلطة باعتبارها تقليداً بل هي إحدى أقدم التقاليد وليست تكامل الأعمال التي يسري حكم ولادتها على المجتمعات يومياً، فضلاً عن ضرورة الإدراك بمنوال أفضل بكثير أنها ليست مجرد دولة وحسب، فاختزال السلطة إلى الدولة وأشكالها يشكل أساس الأخطاء اللاحقة، مثلما يحصل ذلك بكثرة سيما وأن توحيد وعرض الممارسات والأنشطة الحربية مع تطبيقات السلطة الأخرى الضاربة للنظر، سيكون التفسير الأكثر انتهازية للسلطة كثيراً ما استخدمت عبارة "الرجل الماكر والقوي" في عملي هذا كمصطلح تصوري أو لا يدور الحديث عن "اليد الخفية" المرتبة لشؤون الأسواق؟ تلك العبارة أيضاً أشبه بشيء كهذا، لكني على قناعة بقيمتها التعليمية المفيدة بدرجة عليا من حيث استيعاب أساس السلطة، فكل العلاقات وأصحابها الذين يطفون على الوجه أحياناً ولكنهم غالباً ما يبقون عائمين تحت السطح المكشوف للمجتمع ويرتبون شؤون السلطة من هناك إنما هم مؤسسو السلطة.

  

Parvke |