الفن، الأدب، الروح

26 اکت 2017 پنج ش

يعتبر الفن وسيلة لا يمكن الاستغناء عنه في التطور والتحول الاجتماعي...

 







عبد الله أوج الآن

جلي، ان التطور الاجتماعي يظهر على أساس الانتقاد القاسي للواقع الاجتماعي من جميع الجوانب، وبتجاوز الشخصية المتشكلة فيها. هكذا تمثل الشخصية التي تم قبولها، حقيقة تحويلية في نمط الحياة التي هي من إنتاج المجتمع وعلاقاته والتي تسيّر نفسها لآخر درجة.

 لحظات التحول النوعي في التشكلات الوطنية تعتبر من لحظات الثورة. الثورة التي تأتي بمعنى تشكيل البنية التحتية والفوقية لإنجاز كل تكوين اجتماعي، تتطور أولاً على الساحة العلمية.

التطور العلمي يطور معه النضال العملي والتنظيمي الملموس، ويقوم بتصفية العلاقات في البنى الفوقية التي باتت بدورها تشكل عوائق أمام الحياة وتعتبر كوظيفة مهمة وأساسية.

بلا شك الجهود الفكرية للحركة الثورية بقدر نضالها الجذري ضد الإيديولوجيات والأفكار القديمة ستخلق معها بنفس الدرجة محتوى ونهج إيديولوجيتها. كذلك هذا النضال، عندما تسير نضالها العملي ضد مؤسسات البنى الفوقية، لن تأخذ القوالب القانونية أساساً لها ولا تكتفي بالطرق السلمية والقانونية. وتحاول فتح طريقها السياسي عن طريق العنف وترى ان تطورها السياسي ضروري جداً. بهذا الشكل يظهر التطور الإيديولوجي للثوار أولاً، من ثم في الساحة السياسية عنف الثورة بقدر تطبيقها بشكل تنظيمي وكثيف لحد كبير توجه النضال نحو الساحة العسكرية. بهذا الشكل يستمر التطور السياسي والإيديولوجي للثورة. إذا وصلت للنصر، تعرض بنيتها التحتية للتحول، وتهدم الشكل السابق للإنتاج و العلاقات التي تشكل عائقاً أمامها. تحاول من خلال تشكيل إطار مناسب تطوير قوى الإنتاج وعلاقات الملكية الجديدة وإتمام تطورها.

بهذا الشكل، فالثورة التي بدأت في البنية الفوقية تتطور وتترسخ من خلال تعرض بنيتها التحتية للتحول. السؤال المهم الذي يتطلب الإجابة عنه هو؛ ما هو دور الأدب أو العمل الثوري وخاصة الرواية التي هي اهم جزء للأدب والفن. فبدون الفن لا نستطيع التحدث عن وجود المجتمعات. بالتالي يعتبر الفن وسيلة لا يمكن الاستغناء عنه في التطور والتحول الاجتماعي، خاصة عدم تحليل تقرب الإنسان مواجهة الطبيعة بشكل علمي وسياسي وعدم تغذية الروح تماماً بالإشباع المادي يؤدي الى شكل إشباع مغاير أي الفن، بهذا المعنى فإن الفن يؤمن احتياجات الروح كأساس له وبنفس الوقت له علاقة بالفكر أيضاً.

لكن يمكن القول بكل سهولة بأن الفن يعبر عن ساحة خاصة. بالكثير من الأشكال المتنوعة التي تأخذ شكل متطلبات روحية تظهر أمامنا كإنتاج للفن وتحقق بدورها الإشباع المعنوي، إنتاج النظام يؤثر أحياناً على الفن، وكذلك الأحداث السياسية تبني ارتباطاتها عن قرب مع الفن. لكن لا نستطيع القول عن هذه الأشياء جميعاً بأنها تعبر عن الفن. يتم الحديث عن الفن أيضاً من نواحي أخرى كالاقتصاد والسياسة، الكثير من الإيديولوجيات المتنوعة تتقرب من الفن أيضاً، الشيء الذي يجب ان يفهم هنا هو ان الفن يتأثر من العوامل الأخرى للمجتمع بقوة ولكن لا يتوحد معها ولا يصبح كظل لها، الفن يجعل من نفسه حاجة حيوية لا يمكن الاستغناء عنه.

يمكن القول أن جميع الوسائل والطرق التي تستخدم في تشكيل الاحتياجات الإنسانية تدخل في إطار الفن. فالواقعة التي نقول عنها الصوت الجميل، المناظر الخلابة للعين أو الشعر الذي يخاطب روح الإنسان يقيّم على أنه فن. يمكن ان تستمر حياة الإنسان إن لم تتواجد هذه الأشياء أيضاً ولكن ستكون حياة مجردة. ففي كل نظرة يوجد فرق بين الجمال والقبح مطلقاً، كما في كل تقرب لروح الإنسان هناك ما يعجبه أو لا يعجبه. وهناك السلوك الصحيح والخاطئ. لو تطور مجتمع وبالتالي الفرد لأي درجة ـ خاصة عندما تظهر مسألة تأثير الفن ـ يصبح بذلك القدر تعبيراً عن تقدمه في هذا الجانب أيضاً. فالشخص الذي بقي متأخراً في أشكال الفن أو تابع أعمال الفن الرجعي يقال عنهم متخلفين، الشخصية التي لا تملك التعمق الروحي وعديمة الغنى والتي لا تتأثر بالموسيقى، المناظر، والكثير من أشكال الفن المختلفة، والتي لا تصل الى الفرق بين الفن والتعمق الروحي، تعتبر شرايينها الحياتية فارغة. بالتالي إن دور الفن الاجتماعي لا جدل فيه، لان العيش دون فن هو كالعيش في مستوى الحيوانات. وهذا يدل على إلغاء الحدود بين حياة الإنسان والحيوان، ولا يمكن قبول حياة كهذه.

بهذا المعنى، في كل فترة من التطور الاجتماعي أو في مرحلة القفزة النوعية يتم تحديد مسار تطور الفن أيضاً، مع العلم ان مراحل تكون البنية التحية والفوقية الاجتماعية المهمة، تتوضح بجهود الفن في نفس الوقت. كل تشكل فوقي وتحتي في البنية الاجتماعية يتطور في المستوى الفني أولاً، يؤثر ويتأثر به في نفس الوقت. مثلما تحضر المراحل الثورية بالفن، كذلك الفن يتأثر بنسبة مهمة بتلك المراحل لبلوغ اشكاله النوعية والقوية. بهذا المعنى يعتبر الفن بمثابة نفس واسع في مواجهة صعوبات الحياة، يعني انه يعمل على تخطي كافة العراقيل التي تضيق روح الإنسان. إنه عدم الاكتفاء بما هو موجود أو بما هو قديم. ومعنى عدم اكتافئه يعني كسب القوة وهكذا يمكن تعريف الثورة الفنية.

عند الحديث عن وطن الكرد ومجتمعه، فإن هذا التعريف العام للفن، الذي يمكن ذكره، أثر سلبياً عليه الى حد كبير لوصول المجتمع في ظروف الإقطاعية والاحتلال الى مستوى لا يستطيع فيه حتى التنفس. والتقدم بذلك أثر على الفن بشكل كبير أيضاً. لكن المهم هنا هو أننا نرى أن الشعوب على الرغم من أنها تلاقي صعوبة في تكوين بنيتها الفوقية وعلاقتها وقوتها، فبمقدورها ولو بشكل محدود إحياء نفسها بالفن وستستمر في التعبير عن هويتها من خلاله. فكل هذا، وإن كان محدوداً، يدل على قوة الفن الذي ربما يكون آخر مقومة يفقدها ويخسرها المجتمع...

كيف نعيش؟

في الحقيقة، ما نريد تطويره في هذا المجال، هو تصميم الرواية الثورية. ونستطيع ان نسميها مرحلة فك العقدة في المجتمع الكردي من خلال التوجه نحو إعادة البناء من جديد أو التعبير عنها بالراوية. بالرد على سؤال "كيف نعيش؟" نصل لمعنى الرواية.

إننا نطور الإيديولوجية الثورية، سياستها وفكرها العسكري، وكذلك استراتيجيتها وتكتيكها. وبهذا الخصوص يستمر التطور ويدوم. لكن في نفس الوقت، إذا لم نرد على السؤال “كيف يجب ان يكون تطور نمط الحياة الثورية؟” فهذا يعني أنه سنحرم ثورتنا من السلوك والتطور الروحي، وهذا واضح بأنه غير سليم. بالتالي فالسؤال ”كيف نعيش؟” لهو حيوي بالنسبة للكادر. على الرغم من ان نضالنا التحرري الذي يقوده حزبنا في الوقت الذي يحتضن فيه جميع شرائح المجتمع، جعل من السؤال المطروح "كيف سيتطور نمط حياة الثوري؟" ضرورة حيوية بقدر الماء والطعام، ليس من أجل الكوادر فحسب، بل من أجل الجميع.  العلاقات في مجتمعنا، هي من نتاج المخلفات الروحية الفاسدة والتصرفات العجيبة. وبالقيام بتحليل وتدقيق مكثف لتلك العلاقات مع آثار القرون الوسطى والكمالية الرجعية، سيتضح ضرورة إبداء رد فعل وهدم العلاقات وأشكال الحياة القديمة كحاجة ماسة، وبناء شكل الحياة والعلاقات الجديدة البديلة.

هكذا فالرواية تعبر عن الجهد المبذول في الترجيح بين هذين الأمرين. يتم البحث عن  نمط الحياة والعلاقة التي يتطلب المحافظة عليها من خلال تجاوز نمط الحياة والعلاقات المتخلفة، بتحليلها والتحقق منها والقيام بإعادة البناء. هذا يعني تقديم المساندة للثورة عن طريق الاستخدام السليم لتقنية الفن. بالطبع عندما يتم التحدث عن نضالنا الثوري، والحقائق التاريخية لهذه الثورة ولأشكال المجتمع الذي يعتمد عليها، خاصة الحقائق التي عاشها النضال الثوري هي الفترة التاريخية القريبة وحتى يومنا وجوانب التطور المحتملة وجعلها موضع تحليل في مستوى قريب من العلم عندها يقدم أرضية كهذه للرؤية. حينها يمكننا القول بأن هذه الرؤية استندت الى أسس حقيقة الاشتراكية، وبنفس الوقت تعطي رداً انتقادياً للذين يقولون "إننا علميين" لكن جوهرهم محافظ ورجعي والذين يريدون الوصول الى الحداثة عن طريق القيام ببعض الإصلاحات. الى جانب الرواية تتبنى المسار الصحيح والسمو والرغبة والحسرة أساساً.

في الوقت الذي تتناول الراوية تعبير هذه الحقيقة المعاشة، كأنها تنتقد البنية الفوقية والتحتية التي يستند إليها الفرد بأقوى الأشكال ومراقبتها. لكن في نفس الوقت تحاول بناء العلاقة مع اللبنة الأساسية للبنية الفوقية والتحتية للحياة الجديدة التي يتطلب قبولها. بإمكانها ان تمهد الطريق لبناء مجتمع جديد عن طريق نموذج أو عدة نماذج، ما يتطلب تناوله هنا ثلاثة أو خمسة نماذج تمهد السبيل لتحليل الحقيقة الاجتماعية والتاريخية في نفس الوقت. تحلل وتراقب عدة نماذج التي تمثل التاريخ الرجعي وبدورها التي تمثل العلاقات الاجتماعية لذلك التاريخ وتبنيها من جديد. بقدر تناول هذا الجانب بشكل عميق وبطريقة فنية وجمالية، بنفس القدر ستظهر بأنها سليمة وعظيمة وهذا مرتبط بقوة الفنان. انه يعبر عن خياله ورغباته وحسراته هناك نوعاً ما أكثر من العالم. ماذا أطلب؟ ماذا أعني؟ وما يجب هدمه، ماذا أبني؟ ما هو الجميل والقبيح؟ ما هو المعاش وغير المعاش؟ ما اقبله وما لا اقبله، ما أرجحه وما لا أرجحه؟ فيقوم بطرح هذه الأسئلة، ومن ثم الرد عليها بشكل تام، والجواب الذي سيعطيه سيخص كافة شرائح المجتمع.

فكتابة مسودة الرواية التي نريد ان نطورها على الأقل تظهر جلية في إطار هذه الأسئلة. هذه هي الحقيقة المعاشة بمعنى من المعاني. ما تم السعي إليه هو إظهار علاقة الرجعيين والمحافظين بالاستعمار ومخلفات الإقطاعية، والذين يريدون توجيه المجتمع نحو الحداثة المزيفة الى جانب ذلك، في الوقت الذي يتم الكشف عن الشخصيات الموجودة والذين يتظاهرون باليسارية وحتى الوطنية المزيفة الى جانب ذلك يتم وضع علاقة الهوية الوطنية بالتحرر الاجتماعي وأية شخصية تمثل هذا، وكيف يتم خلقها وكيف تخوض النضال.

 كذلك تم الحديث عن نموذج الذين يمثلون الخط الوسط الذين تتواجد اقدامهم في مخلفات العصور الوسطى في شكل الحياة الجديدة. هذه النماذج تمثل من يسيرون على الطريقين بنفس الوقت. كما أنتقد الشخصيات التي تفرض نفسها في كل مرحلة مهمة. إن تحليلات القيادة بالأخص والتي نستطيع القول عنها بانها التحليلات الأساسية التي وفرت دعماً هاماً وقدمت لوازم هامة من أجل الرواية الثورية. فقد تم وضع هذه الخطوط قليلاً أو كثيراً في التحليلات، وتحليل أساس الشخصية عن طريق تجربتها في الحياة والحرب الساخنة، يعني ان هذه الأمور ليست خيالية وإنما حقائق خلقها النضال.

وبالتالي، توفرت المستلزمات والعناصر التي تعتمد عليها الرواية لحد كبير. فقد تم الحصول على المتطلبات اللازمة والتي ليس بمقدور العديد من الآداب العالمية نيلها. كما خلق نضال التحرر الوطني الذي يقوده PKK القدرات العظيمة من خلال إظهار البطولات والخيانات وأصحاب طريق الوسط، لدرجة إنه بات بالامكان تأليف كتب عن كل مرحلة أو نموذج. نحاول فقط إعطاء أشمل تعبير مرتبط بقفزة الحزب والبناء الوطني. كتابة الراوية تعبر عن حقيقة الكمالية والاستعمار الفاشي التركي من جهة وحقيقة الإقطاعية ـ العشائرية للقرون الوسطى في كردستان من جهة أخرى، والتعبير عن أوضاع الكادحين والعمال والقرويين الفقراء من خلال إزالة الشخصية والعلاقات التي تشكلت من الإقطاعية والعشائرية، أي بناء PKK بمعنى آخر. فالرواية تطورت على هذه الشاكلة في المجال الفني وهي نتاج للتطور الثوري من جهة ويكسب التطور الثوري شكلاً من جهة أخرى. وإن لم تتطور الثورة بالشعر والموسيقى والرسم، ليس هناك أدنى شك، بأن الرواية ستقدم دعماً جوهرياً لها. ومشروع كتابة الرواية استهدف إعطاء هذا المضمون على الأقل.

في الواقع، هناك مسألة تصنيف النماذج ولكن ممارسة العديد من النماذج سيصبح أداة غنية أكثر. بالتالي فالقيام باختيارها دائماً وبتوحيد أجزائها، أي الوصول الى التركيبة، عندها يمكن تحقيق الرواية. وما نود إعطاؤه هو وضع النهاية للمجموعات المختلفة في كتابة الرواية. ويتم التأكد، في "أي حياة يرفضها ويتحسر لها؟" وكذلك يسأل أسئلة كهذه "ما هو الجيد والجميل وما هو الصحيح والخطأ، ما هو القبيح والسيئ على الدوام؟". و"من أين جاؤوا، ما هي الحياة القديمة وما مدى ابتعادكم عن هذه الحياة، كذلك ما مدى ارتباطكم بالحياة الجديدة وكيف ارتبطتم بها، وكيف رغبتم بالتطور؟ من الجانب الآخر، ماذا يفيد عدم التطور السريع وعدم بلوغ شخصية الكادر الثورية؟". بالإضافة الى إيصال تطور الثورة من خلال التحقيق؛ ما هي الأعراض المختلفة لهذه الشخصيات وما ينتج عنها بالأسلوب الصحيح؟

رواية كردستان

بدون شك، عند محاولة كتابة الراوية الثورية في كردستان بالأخص بالاستفادة من تجارب البلدان الأخرى، فهناك الروائيين العظام، أمثال فيكتور هيغو وبلزاك في واقع الرواية الفرنسية، حيث بأعمالهم قاموا بدور أساسي في الثورة. كذلك بعض الانطلاقات في واقع الرواية الروسية، وحتى في مرحلة ولادة الثورة الإسلامية، حيث تمكن إقامة الصلة بين الثورة الفرنسية والرواية الفرنسية. كذلك بين الثورة الروسية والروائيين أمثال تولستوي، دوستو فيسكي، جرنيثفسكي وغوركي والآخرين. فهؤلاء برزوا في مراحل الثورة، بأية نتاجات قدموا الدعم للثورة؟ ما هي الخصائص الأساسية للثورة الإسلامية؟ وكيف تم خلق نموذج المرأة ـ الرجل والعائلة؟

يمكن اتخاذ هذه الجوانب في واقع مجتمع الشرق الأوسط بعين الاعتبار. ومن الواجب طبعاً أخذ رواية كردستان التي لا مثيل لها أيضاً بعين الاعتبار. كما ان وجوه التشابه بين الخصائص الاجتماعية للكرد والمجتمعات الأخرى ضئيلة، بسبب التاريخ الذي عاشه. بالتالي يتطلب اتخاذ أصلها وبأفضل الأشكال بعين الاعتبار. يدل هذا بأنه على الرواية في كردستان ان تكون مستقلة أكثر نوعاً ما. فقد بيّن نضالنا الثوري بشكل جليّ، بأن التقليد لن يساعدها على التطور، وحتى تقليدها للرواية التركية أيضاً لن يفيدها في التطور. فالنشاط الفني يؤكد بأن ثورتنا ستنمو كثيراً بالفن مثلما فتح نضالنا الثوري مجالاً واسعاً لتطور الفن. وبعمل كهذا سيكون ممكناً إظهار نتاجات غنية. الرد على السؤال “كيف نعيش؟” يمكن برواية كهذه، وبالتالي يعتبر دعماً لا يمكن استصغاره. فلو توفرت لدي القدرات، لكان من الممكن تقديم الدعم للمهام الأدبية أيضاً، جنباً الى جنب مع المهام الإيديولوجية والسياسية والعسكرية. في الواقع، نحاول القيام بهذا متى  أتاحت الفرصة لنا ولا سيما ان هذه الجهود تعبّر عن الدعم المطلوب.

 في هذه الأثناء على الكوادر المصرين بهذا الموضوع تقديم الدعم الذي بمقدوره ان يعطي جواباً صائباً لسؤال “كيف نعيش؟“ وأخذ ما يتطلبه الفن وخاصة الأدب والرواية بعين الاعتبار.

هناك بعض الخطوات المشابهة لها في تاريخ كل الشعوب. فقد حقق الأدب الكردي بعض التقدم في مرحلة تشكل الإمارات. من الممكن رؤية كيفية التعبير عن انحدار التاريخ الكردي المعروف بأصله الجبلي، في مراحل معلومة من خلال بعض الملاحم. فهناك بعض النماذج المتمردة، أمثال كاوا الحداد، والبعض من السرد الأدبي لممي آلان، وتم التطوير في سرد هذه الأمثلة باكتساب القوة من مراحل الذروة في التطور الاجتماعي. وأصبحت ذات تأثير بأسلوب سردها وفق لهجة الشرق لغاية يومنا هذا. بهذا المعنى ملحمة ممو زين لـ"أحمد خاني" عبرت عن حاجة تلك المرحلة في رسم الإطار الاجتماعي والقومي بشكل أفضل للشعب، وعلى الأخص في مرحلة السلطة الملكية. كما تحاول سرد كيفية تجزئة الإمارات ونزاعاتهم المستمرة التي أدت إلى عدم تحقيق الوحدة القومية، وبمظاهرها التي بقيت ضمن السلالات الإقطاعية. في الحقيقة ما يجب ذكره، هو حقيقة الأمراء الإقطاعيين الفظة والذين لم يبدوا حسن النية تجاه الوحدة، ولم يوصلوا وحدة الشعب للمستوى القومي. بل يعبرن بكثرة عن التبعية والفتنة والفساد الموجودة. ولأنهم لا يستطيعون ان يعيشوا فترة ثورة جذرية، لذلك لا يتمكنون من سردها وتطورها بشكل اكبر.

كردستان لم تعش ثورة بكل معنى الكلمة وبالتالي، لم تظهر أمثلة قوية للرواية في تاريخها، لا في القرن الثامن عشر ولا التاسع عشر ولا حتى في القرن العشرين. فكل ما كتب هو روايات تركية ظهرت على أساس سياسة الإمحاء الكمالية ليس إلا. وحتى يشار كمال ذاته تحول الى إنسان تركي، وبالاستلهام من الواقع الكردي يصبح اسم الحقيقة الذي يرغب تسييرها من خلال الأدب، فهو روائي بهذا الشكل. وهناك الكثير من الروائيين من أمثاله، والذين يقومون بتسمية التمردات التي سحقت على مدى تاريخ الجمهورية بالتقدمية واتحدوا معها فيما بعد. وقد اتخذت الكمالية التخريبات والإمحاء مشروعاً لها عن طريق الأدب. كما فرض هؤلاء هذا النظام الذي تشكل على هذا الأساس وادعوا بأنه نظام تقدمي ويتطلب إحياؤه. في هذه الحالة طبعاً، يجب تفنيد وردع هذه المواقف عن طريق الأدب. توجيهات هذه الرواية تأتي بمعنى عدم التأثر بواقع كردستان واستيعاب ذاك الواقع وإنكار كل شيء بسرعة! ويعني عدم تخطي تلك السلبيات وإظهار الكرد كرجعيين وهمجيين!

الطراز الأدبي والفني والروائي، سواء أكان تركياً أو كردياً، قام بمهمته على هذا الأساس حتى الآن. حيث أدى الى خلق تخريبات كبيرة وبالأخص في بناء شخصية مشوهة كما عرقل التفكير الحر والواقعي وجلب معه التتريك والهجرة الى المتربولات والى رؤية شعبه ووطنه جاهلاً والاستغناء عنه بسهولة. في الوقت نفسه هي فترة التهرب من روحه وفكره لدرجة اللعنة عليه. قليلون جداً من تبنوا واقعهم، والذين تفوهوا بكلمات الوطن اتهموهم بالعمالة. من هنا فقد تم تحويل الأدب الى مصطلح لا يتقرب حتى من حرية المجتمع والوطنية.

وقد رأينا فصولها الأكثر تراجيدية وتعقيداً لغاية ظهور الحركة الثورية. فعدم نجاح التمردات بالأخص، لعبت دوراً في بلوغ هذه النتيجة. في الواقع، مرحلة ما بعد التمردات، أي مرحلة الإرهاب الأبيض، أوصلت واقع الشعب الكردي الى حافة الانهيار، وهي أخطر بكثير من مرحلة التمردات.

 23تموز 1993