المجتمع الطبيعي هو اولى اشكال المجتمعية

27 اکت 2017 جمع

ولا يمكن لعضو في الكلان أن يفكر في حياة امتيازية تميزه عن غيره، كالحياة خارج نطاق الكلان...








عبد الله اوج الآن

أقصد بمصطلح "المجتمع الطبيعي" نظام الجماعات البشرية، الذي دام مرحلة اجتماعية طويلة تبدأ بانفصال الموجود الإنساني عن فصيلة الثدييات الرئيسية البدائية، وتنتهي بظهور المجتمع الهرمي. وعادةً ما تطلق تسمية المرحلة الباليوليتية (العصر الحجري القديم) والنيوليتية (العصر الحجري الجديد) على هذه الحقبة من التاريخ البشري، والتي شهدت ظهور تلك الجماعات الإنسانية المسماة بـ"الكلان" التي يتراوح عدد أفرادها بين العشرين والثلاثين شخصاً. تعود هذه التسمية إلى استخدام تلك الجماعات الأدوات الحجرية. كانت تلك الجماعات تتغذى على الصيد وجمع الثمار المتوافرة في الطبيعة. أي أنها تعيش على النتاجات والثمار الجاهزة في الطبيعة. إنها طريقة تغذية شبيهة بما تسلكه الفصائل الحيوانية القريبة منها في قُوتِها. لذا، لا يمكن الحديث هنا عن وجود مشكلة اجتماعية ما. فـ"الكلان" تكون في بحث متواصل عن القُوت. وعندما تجده، إما أن تجمعه أو تصطاده. وباكتشاف النار وازدياد صنع الآلات والأدوات، تزداد نتاجات الكلان، ليتسارع بالتالي تقدمها كجنس بشري، وتزداد الهوّة الفاصلة بينها وبين أسلافها من الثدييات البدائية. والقوانين الطبيعية للتطور الطبيعي هي التي تحدد سياق التطور ووجهته.

. بناء على هذه الفرضية، ما الذي يمكن قوله بشأن جوهر بنية معرفة الإنسان في المجتمع الطبيعي؟ فعلى الأقل، يمتثل الإنسان المنتمي إلى المجتمع الطبيعي لقاعدة إحياء ذاته مع بقية أعضاء الكلان التي يعيش ضمنها، ككل متكامل لا يتجزأ، وكقانون أولي لا مناص منه. ولا يمكن لعضو في الكلان أن يفكر في حياة امتيازية تميزه عن غيره، كالحياة خارج نطاق الكلان. بمقدوره ممارسة الصيد، بل وحتى القيام بالياميامية (أكل لحوم البشر)، ولكن بشرط أن تكون بهدف إعالة الكلان. القاعدة السائدة في حياة الكلان هي: "إما الكل أو اللاشيء". وكل المعطيات الاجتماعية تشيد بخاصية الكلان هذه. إنها كتلة واحدة، وشخصية واحدة. ولا يمكن التفكير بوجود شخصية أو حكم مغاير لذلك بالنسبة للأفراد. تتوارى أهمية الكلان في كونها الطراز الأول والأساسي لوجود الإنسان. إنها شكل المجتمع الخالي من الامتيازات والطبقات، واللهرمي، والجاهل للاستعمار والاستغلال. وقد امتدت طيلة ملايين من السنين. ما نستنبطه من ذلك، هو أن تطور الموجود الإنساني كمجتمع، يعتمد لفترة طويلة على مبدأ التعاضد والتكافل، لا على علاقات الهيمنة والحاكمية. وينقش الطبيعةَ في ذاكرته كـ"أم" نشأ وترعرع في أحضانها. التكامل بين أفراد المجتمع من جهة، وبينهم وبين الطبيعة من جهة ثانية، شرط أساسي.

الطوطم هو رمز وعي الكلان. ولربما يُعتَبَر الطوطم أول نظام اصطلاحي تجريدي. يشكل هذا النظام، الذي يعتبر دين الطوطمية، التقديس الأول ونظام المحرمات (المسلَّمات) الأول. أي أن الكلان تقدس ذاتها بقدر تقديسها لرمز ذاك الطوطم. من هنا تم الوصول إلى أول اصطلاح للأخلاق. حيث يعي الجميع أنه يستحيل مواصلة الحياة من دون جماعة الكلان. إذن، والحال هذه, فوجودها المجتمعي مقدس، ويُرمَز إليه بأسمى المعاني والقيم لتُعبَد. من هنا تتأتى رصانة ومتانة العقيدة الدينية. فالدين هو الصياغة الأولى للوعي المجتمعي. وهو متكامل مع الأخلاق. ومع مرور الزمن يتحول من كونه رمز الوعي إلى عقيدة متصلبة، ليتبدى الوعي المجتمعي على شكل تطوير لصياغة الدين. الدين بخاصيته هذه، يُعتَبَر المنبع العين لأول أشكال الذاكرة والتقاليد والأعراف الجذرية والأخلاق الأساسية في المجتمع. ومهما سما مجتمع الكلان بوعيه عبر ممارساته العملية، فإنه يُرجِع ذلك – على الدوام – إلى الطوطم، وبالتالي إلى مهاراته وقدراته. أما ما يتجلى في حقيقة الطوطم من الناحية الرمزية، فهو أنَّ تَواصُل انتصارات ونجاحات الجماعات البشرية أسفر بالتوازي عن تصاعد التقديس أيضاً. ويغدو التقديس بذلك قوة للرمز المقدس، لتمثِّل القدسيةُ بدورها قوةَ المجتمع.

تعبِّر قدسية القوة المتشكلة مع المجتمع عن ذاتها بجلاء أكبر، في الشعوذة والسحر. فالشعوذة هي تجربة تعزيز المجتمع لذاته. فمستوى الوعي الموجود لا يمكن إدراجه حيز التنفيذ إلا على شكل شعوذة وسحر. الشعوذة هي أم العلوم أيضاً. أما المرأة التي تراقب الطبيعة عن كثب، وترى فيها الحياة، وتعرف الخصب والإنجاب؛ فهي الحكيمة العالِمة بطراز هذا المجتمع. وما كون أغلب السحَرة من الإناث سوى تعبير عن هذه الحقيقة. فالمرأة هي أفضل الواعين لما يجري حولها في المجتمع الطبيعي، بحُكم ممارستها العملية في الحياة. تُشاهَد آثار المرأة على كافة المنحوتات واللُّقى الأثرية المتبقية من تلك الحقبة. فالكلان هي اتحاد متألف ومتكوِّن حول المرأة الأم. في حين أن إنجابها الأطفال وتنشئتها إياهم، قد دفعها لتكون أفضل جامع للثمار، وخير معيل للأطفال. وبالمقابل، فالطفل لا يعرف أحداً غير أمه. أما الرجل، فلم يكن ذا تأثير واضح بعد في النظر إلى المرأة كمُلك له. وبينما لا يُعرَف الرجل الذي حمِلت منه المرأة، تكون الأم المنجبة للوليد معروفة. هذه الضرورة الطبيعية تشيد بمدى قوة المجتمعية المرتكزة إلى المرأة. وكون الكلمات الاصطلاحية البارزة في تلك الحقبة ذات خاصية أنثوية، يُعَد برهاناً آخر على صحة هذه الحقيقة. في حين أن سمات الرجل القتالية والتحكمية، التي كانت تطورت فيما بعد، تعود في أصولها إلى خاصيته في صيد الحيوانات الوحشية في تلك الحقبة. فمزاياه الجسدية وقواه العضلية دفعته بالأغلب إلى البحث عن الصيد في الأقاصي البعيدة، أو إنقاذ الكلان من المخاطر المحدقة بها، والدفاع عنها. هذه الأدوار غير التعيينية توضح أسباب بقاء الرجل هامشياً وقتذاك. لم تكن قد تطورت بعد العلاقات الخاصة داخل الكلان. فالمكاسب المستحوذ عليها من جمع الثمار وصيد الحيوانات هي مُلك الجميع. والأطفال مُلك للكلان برمتها. ولم تبرز الحياة الخاصة بعد

خلاصة، تُشكِّل الكلان – شكلاً وصياغة – الأرضية الخصبة لولادة المجتمع وذاكرته الأولى، ولتطور مصطلحات الوعي والعقيدة الأولية. وما يتبقى من الأمر ليس سوى حقيقة ارتكاز المجتمع السليم إلى البيئة الطبيعية وقوة المرأة، وكَون تَواجُد البشرية قد تحقق في داخله بشكل خالٍ من الاستعمار والاستغلال والقمع، بل ومفعم بالتعاضد والتكافل الوطيدين. والإنسانية، بإحدى معانيها، هي مجمع هذه القيم الأساسية. لكن الاعتقاد بزوال وفناء هذه التجربة المجتمعية الممتدة على طول ملايين السنين، ليس سوى ضرباً من الهذيان والهراء. فمثلما لا يفنى شيء في الطبيعة، فإن هذه القاعدة تواصل قوتها في طراز التكوين المجتمعي بشكل أقوى.

من أهم النقاط التي توصَّل إليها العلم هي أن كل تطور لاحق يتضمن سابقه بالتأكيد. ذلك أن الاعتقاد بأن الأضداد تتطور بإفناء بعضها، ليس بصحيح. ما يجري في هذه القاعدة الدياليكتيكية هو أن الأطروحة والأطروحة المضادة تواصلان وجودهما ضمن كيان (تركيبة) جديد أكثر غنى. وسياق التطور الطبيعي برمته يؤكد صحة هذه القاعدة لدى كلا الجنسين. هذه السمات الرئيسية هي الباعث وراء إطلاق تسمية "المجتمع المشاعي البدائي" على هذا الطراز من المجتمع. 

يتواصل تطور قيم الكلان داخل التركيبات الجديدة أيضاً. وكون مصطلحات المساواة والحرية ما تفتأ تشكِّل أسمى القيم في راهننا، فهي مَدينة في ذلك إلى واقع حياة الكلان. ذلك أن المساواة والحرية مخفيتان في نموذج حياة الكلان بحالتيهما الطبيعية، قبل أن تتحولا إلى مصطلح. وكلما غابت الحرية والمساواة، نجد هذين المصطلحين المستترين في الذاكرة الاجتماعية الحية يعبِّران عن ذاتهما، وبوتيرة متصاعدة، ليفرضا وجودهما مرة أخرى كمبدأين أوليين في مجتمع أكثر تطوراً ورقياً. وكلما توجه المجتمع في سياقه الطبيعي نحو الهرمية ومؤسسة الدولة، نجد هذين المصطلحين يقتفيان أثر هذه المؤسسات بلا هوادة أو رحمة. ولكن ما يقتفي الأثر هنا أساساً (مضموناً)، إنما هو مجتمع الكلان بذاته.