الهجرة ثم الهجرة

28 اکت 2017 شنب

حتى الديدان والأفاعي وغيرها من الحيوانات تترك اوكارها بصعوبة بالغة...








عبد الله أوج الآن

اجل، ان الانعزال والتجريد الذي يعيشه شعبنا يعتبر حقيقة واقعة. كذلك يعتبر الشعب الكردي من اكثر الشعوب التي تعيش اكبر انعزال، لكن رغم كل الصعوبات، قامت حركتنا ولو لفترة قصير جداً بالتغير الى حركة التحول الكبير. ويعود سبب ذلك الى هذا الانعزال المعاش.

كنا على دارية بهذا. ان فاشية 12 أيلول خططت لإخلاء كردستان الحالية من الشعب الكردي، وذلك من خلال تطبيق مجزرة أرمنية ثانية. إدراك هذا من أجلكم جميعاً و من أجل شعبنا له فائدة كبيرة. يعتبر 12 أيلول انقلاباً فاشياً هدفه إخلاء كردستان من الشعب الكردي. يستمر هذا وبأقسى اشكاله في عامه السابع عشر أيضاً. تم ترتيب حركة الهجرة في مواجهة هذا بحيث لا تبتعد كثيراً. واعتباراً من اللحظة الأولى حتى قبل الخروج حققت عودة كبيرة الى الوطن، ليس فقط بالمعنى الجسدي، انما حققتها فكرياً أيضاً. كما ترون فإنني هنا الآن، لا أعتقد لو أنني بقيت في كردستان لحققت هذا التطور وحركة التحول الكبيرة بهذه الدرجة.

لقد أنجزت التحول الكبير في الفكر والعاطفة وفي تطور الوعي والعاطفة الوطنية، وخاصة بناء التحول من خلال الحرب. يعتبر هذا مهماً لي لدرجة ما فوق الطبيعة. وسخرت نفسي لهذا العمل الذي لم يكن يفكر به ولم يسمع به ولم يسخّر أحد نفسه له.

 في تلك السنوات كان كل شيء ملائماً للتشتت والتمزق. هذه السنوات كانت سنوات الهجرة وتهجير أصعب من الذي حدث في هجرة الأرمن. وسنوات التهجير والإسكان الإجباري أقسى من الإسكان الإجباري والهجرة والإرهاب الأبيض الذي حدث أثناء  مجزرة ديرسيم، وكانت الأولى من نوعها بعد ديرسم. وكانت حركة هجرة أخطر مما عاشته شعوب كثيرة مثل الروم وغيرهم. كان قد خطط تطوير الاغتراب عن الروح والفكر من خلال قوة جيش عرمرم وكبيرة جداً. وتم فرض التهجير الاقتصادي، الثقافي، السياسي، الفكري، الروحي والبدائي باستخدام المذياع والتلفاز أيضاً. يجب إدراك هذا جيداً وأتمنى ان يفكروا ويكتبوا هذه المواضيع الآن بشكل أفضل، ويدركوا كيف كانت حركتنا عملية مقاومة مدهشة ضد التهجير وجعلناها بدون جذور. لا أهتم كثيراً بالانعزال الجسدي، ربما يكون ذا فائدة أيضاً من بعض جوانبه. لكن هذه الكهولة في الأرواح توصلكم الى وضع يتألم منه الإنسان حسب رأيي. كذلك اللاتنظيم والتشتت الموجود في الفكر أخطر بكثير من الهجرة الجسدية. انعدام العاطفة لهذه الدرجة بشأن الوطن واللاتنظيم والتشتت تجاه حقيقة إنسانه يشكل مصدر حقدي وكراهيتي بشكل لا يصدقه العقل. في هذه النقطة أتمعن في عالم الحيوانات. حتى الديدان والأفاعي وغيرها من الحيوانات تترك اوكارها بصعوبة بالغة. ربما بقتلها تتمكن من إخراجها من وكرها. وشعبنا منذ سنوات يسكن هذه الأرض. أرض الأجداد والأراضي التي التحم بها مثل اللحم والظفر. ماذا حدث له ليستقبل هذه الفاجعة الكبيرة برضاه وبسهولة؟ من دون شك هذه حيل الحرب الخاصة. إنه مخطط للتهجير دُبِّر بخبرة كبيرة.

لست في وضع بعيد عن رؤية هذه الأمور. انني أعرف على سبيل المثال، ان تهجير ديرسم مرتبط بمجزرتها وتهجير مرعش مرتبط بمجزرتها أيضاً، والأهم من كل ذلك هو ان الإرهاب الأبيض قد اتضح بجلاء بالنسبة لي، وأنه من تدبير مؤسسات الحرب الخاصة. كيف تم فرضه بسياسات الاضطهاد والحيل بمعرفة كبيرة في كل محافظة من كردستان وكل منطقة منها وبشكل منتظم. غايتي هنا، ليس اتهام الشعب ببساطة، لكن رغم هذا كيف تم قبول هذه اللعبة؟ وكيف وقع في لعبة الحرب الخاصة هذه من تلقاء نفسه وكأنه يهرب من ذاته؟

لاحظوا، الشعب لا يهرب من أرض وُلد فيها بسهولة لهذه الدرجة، لكن عندنا بات الشعب في مرحلة فكرية وروحية كأنه يهرب من نفسه،كل شيء يبدو أمامه وكأنه أفعى وشوكات ويهرب منها، بالمعنى الأصح ان الحرب النفسية خلقت هذه الأوضاع.

يلتجئ الى المتروبولات،لم تكفيه، يهرب هذه المرة الى أوروبا، وإن لم تكفيه يهرب الى موسكو ومنها لأمريكا ومنها الى لندن. أعتقد انه لو قيل القطب الشمالي سيذهب لهناك أيضاً. في الدرجة الأولى إننا وصلنا كشعب الى درجة هروب كهذه، ينبغي التطرق لهذا جيداً. التقييمات قليلة جداً بشأن مرحلة التهجير هذه، وليست في إطار علمي والآداب أيضاً لم يتم تقيمه بهذا العمل. كذلك الفن في سوية دونية بهذا المجال لا أكتفي بمعرفة كل هذا، كما وضحت قبل الآن. هناك حروب قدتها لوحدي هكذا، فالمهم من هذه الحروب “العودة الروحية وحرب الوطن” كذلك حروب من قبيل “أثبت ان إنساننا كم هو قيِّم”. تتواجد هنا جهود جبارة مشابهة لهذه وهامة أكثر من أكبر الحروب، لأننا لو فكرنا بحركة التهجير التي قام بها العدو فإن قوتنا الفكرية التي ظهرت وشخصيتي التي تعطي حماساً، ظاهرة للعيان. ماهيتي نداء للعودة الى الوطن كل يوم وصيحة وطنية كبيرة. حيث يقوم بها مئات الآلاف بأنفسهم، وهي بحد ذاتها صراعات كبيرة.

لو أنني خضت عشر حروب في الجبهة لما استطعت بلوغ هذه النتائج ـ علماً ان نتائج العديد من العصيانات كانت الضياع، حتى أنها قد ندمت على ولادتها أو أنها ستلد ثانية، وبالتالي حدث تراجع عن القضية ـ لكن هل الوضع الآن كذلك؟ والتدابير المتخذة الآن وكافة الجهود أعطت الأمل كأنها تقول “يمكننا العيش بشكل جميل وجعل هذا الوطن جميلاً جداً”. اتحاد هذا وهيجانه وصل الى الذروة. كما ترون ان هذه الحروب لم تحدث من تلقاء نفسها.

المهم من كل ذلك هو مقاومة قوات الكريلا تجاه مئات الآلاف من الجيش، رغم انه لا يملك حتى بصلة او كسرة خبز جافة في جيبه، في تلك الجبال القاسية الباردة او الحارة المحرقة. من أين اتخذ هذه الجسارة والروح؟ كما لاحظتم، هذه هي الظاهرة التي تحدثت عنها تعتبر أكبر الحروب. لماذا لا يرغب هؤلاء عديمي القلوب بأي شيء؟  

أذكر لبعض أصحاب العقول والعواطف الفقيرة، بأن الحقائق في هذا الموضوع ليست كما يعتقدونها. انظروا لجميع العصيانات، لماذا خمدت في فترة وجيزة؟ لماذا خمد الجميع وكأنهم في حالة الهروب؟ ما دامت الحياة في أوروبا جيدة، والإمبريالية قدمت الكثير من شروط الحياة التي تشبع الإنسان من هذا الجانب، فلماذا يرغب الجميع ترك تلك الحياة ويقول “آه يا وطن”؟ ولماذا يلهث وراء العواطف الأسمى؟ لأن هذه الحروب هي حروب حقيقية، نحن أيضاً قطعنا أشواطاً كبيرة في هذا المجال.

أقول للذين يكتبون ويرسمون ويهتمون بالآداب ولمدوِّني الشعر والفنانين  أي شاعر وكاتب أنت، إن كنت تكتب لأجل الأفريقي ولأبسط مقاومة في العالم، لكنك لا ترغب أبداً استيعاب الذين يقاومون بعظمة رغم انهم لا يملكون حتى كسرة خبز جافة يسدون بها رمقهم! يتوجب إدراك هذا، ومن لا يستطيع إدراكه ليس بإمكانه العمل من أجل الوطنية الكردية والكردياتية، بل سيكون عديم القلب. وعديمو القلوب ليس بمقدورهم إلا تسليم أنفسهم للظالمين، يبحثون عن وظيفة أمام أبواب الذين لعبوا دوراً في إيصال هذه الشعب لهذه الحالة. وامثال هؤلاء الأشخاص لن يصبحوا فنانين او مثقفين او محاربين يمثلون قلب الشعب.

عند قول هذا، لا أخص فرداً معيناً أو تشهير هذا أو ذاك، إنما أود إدراك حقيقة التحرر الوطني بشكل سليم. إن كانوا يملكون بعضاً من الإمكانات فليقدموها بشكل سليم لوطنهم وليضعوها في خدمة شعبهم، سواء أكانت عن طريق PKK أو بدونه. لذا اقول يتطلب أولاً إدراك هذا بشكل سليم وأن يكونوا أصحاب معنويات عظيمة وقلب صالح. وهذا الذي سيطور روحهم ووعيهم، وبدوره سيحقق أيضاً العودة الى الوطن بشكل مؤكد وسيحول اللا أصالة الى الأصالة.

آمل ان يكتب كتّابنا الآن مجلدين من الروايات تحت عنوان “الأصالة واللا أصالة”. اللا أصالة ظاهرة غريبة وكأنها تقتلع شيئاً من جذوره وترميه. ليدونوا فترة هذه الظاهرة بشكل جيد، إنه موضوع هام جداً، وعليهم القيام بالتحليل والتدقيق النظري. فهدم القرى وتهجير الشعب تعتبر لا أصالة. كذلك هناك الأصالة، إن كانت لديهم الإمكانات ليهتموا بفنها وآدابها. التأصل من جديد يولّد الحماس الكبير. إذ أنه يخلق لديَّ عنفواناً لا محدوداً، وأملك طموحات كبيرة. إن كان هؤلاء وطنيين لماذا لا يشعرون بهذا.

هل هناك شيء أثمن من زرع وديان وجبال كردستان؟ ألم تكن ميزوبوتاميا ووديان زاغروس أولى الأماكن التي تطورت فيها الحضارة الإنسانية ومسكن الإنسان والمأوى الأول والتربية الأولى والزرع الأول؟ أليس هذا الذي مازال يمنح الحماس للإنسان حتى الآن؟ إذاً لماذا لا يتضح هذا عبر التاريخ؟ لماذا لا يضمون أنفسهم الى ملحمة الانبعاث الكبيرة التي ظهرت في وديان زاغروس وميزوبوتاميا من جديد وفق هذا التاريخ؟ لماذا لا يشعرون بحماسه وفنّه وروايته؟ لماذا ينهكون أنفسهم في المتروبولات وأوروبا التي استُهلكت وانتهت؟ أسألهم  لماذا يعيشون بشكل جنوني ومرضي ووطنهم وحياتهم وسجونهم مفتوحة؟ أقول أن هذا لا يليق بهم.

هناك الصراعات التي اكتستبها هنا. إني مطمئنٌ جداً وذو حماس مثير. وتجعلني أفكر بكل شيء وأنتصر. إن كنتم تودون الانتصار، عليكم ان تكونوا بروليتاريي العلم مثل “عمال المزارع” إنني أشعر بعنفوان كبير. وسيأتي ما يليه مثل حل اللغز. وتخرج طاقتك وخبرتك للحرب. ستأتي وتقوم كل يوم بإيجاد جديد. ولن تلقى الهزيمة.

عظمتي تكمن هنا. حيث أنني قاومت بعظمة تجاه الانعزال والانزواء؛ قاومت فكرياً وروحياً، ليس بالسلاح والقوة الفظة. لنتذكر الفترات المماثلة لهذه؛ فقد قاومت في الروح والفكر والمعنويات، خاصة ضمن التنظيم ـ حتى لو كان في إطار ضيق ـ إذ أنه مهما قاومت بكثرة فإنه يمهد السبيل أمام التصدي للقوى المعادية والأعداء. وأن تكون جاهزاً مجدداً أمام بناء المجتمع الجديد. تماماً في مثل هذه المرحلة يتطلب في الواقع تدقيق تطور كهذا بشكل جيد. من هذا المنطلق أقول للمثقفين والكتّاب أنه بات يتطلب منهم تدقيق هذا النوع من الهجرة والاضطرابات والانزواء بشكل كبير. فالأعمال ليست كما تنشر في الصحف وليست كما تظنونها أنتم أيضاً، إنما تسيّر وتطبق بعمق وحذر كبيرين وبدون شفقة. فقتل كل قروي وطني ربما أنه لم يستسلم تعتبر ظاهرة مثيرة للدهشة..! لم يدقق احد في هذه الفترة في حوادث الجنايات المجهولة حيث يخطفون الإنسان ويقتلونه بوحشية كبيرة. والآن من سيدوِّن قصة هؤلاء؟ لقد قتل الآلاف بهذا الشكل ولم يكن لأي واحد منهم تنظيم أو صلة مع PKK. إنما قوات الحرب الخاصة والكونترا يقولون “سينضمون عما قريب الى صفوف PKK”. لماذا؟ لأنهم لم يستسلموا ولم يقبلوا العمالة وبذريعة أنهم “الطاقة الخطرة” وبذلك يحاولون تجفيف الجذور.

يكتفون فقط بقول “يوجد هذا القدر من الجرائم، أين مرتكبو الجرائم؟” هذا ليس بشيء..! حتى لو كان مرتكبو الجرائم في القبر، فلن يعبر عن أي شيء. الأمر المهم جداً هو كيف ومِنْ قبل مَنْ تم تسلل هؤلاء الى الداخل؟ ومن أجل أية أهداف تم قبولهم؟ وكيف طبق التعذيب الوحشي؟ ينبغي البحث عن أجوبة لهذه الأسئلة.

أرى ان جهود البعض من الباحثين عن السلام وحقوق الإنسان غير كافية. يقومون بإخفاء الكثير من الأمور. حتى أنني أشتبه بأمر البعض منهم. لا يصرحون عن المذنبين الأصليين وعن نياتهم الحقيقية ولا عن ارتباطاتهم مع الدولة، بالإضافة الى الآلام الصادرة عن الإنسانية، التي خلقوها مع جرائمهم ووجوههم الوحشية. أخذوا يضعون النظارات أو ما يضعونه أمام أعين الحصان كي لا يرون الحقائق. تلك النظارات تُبعِد البعيد أكثر وتقرب القريب لدرجة لا يعرف منه شيئاً. أي ان الحقيقة تزول تماماً. فالباحثون الموجودون هم على هذه الشاكلة. وليس من الصعوبة رؤية هذه الأمور التي تحدث. فالقرى المهدّمة لا تحتاج الى البحث والمنظار كثيراً. وحين النظر الى الوجوه ستفهم مأساة ذاك الإنسان. يهتم بالقلم وينبش ويقول بأنه سيعثر على الحقيقة المعاشة، هذا هو العار بحد ذاته. ومن لا يشعر بهذه الحقائق المعاشة حتى النخاع لن يصبح باحثاً عن السلام او مدافعاً عن حقوق الإنسان. يتواجد هذا الوضع في تركيا بشكل ضيق جداً ويتطلب تجاوزه. هذا فقط لا يكفي، إنما ينبغي الشعور بمسؤولية تحويل وتغيير ذاك الإنسان أيضاً.

لا أتحدث عن نفسي وكأنني إنسان كبير جداً، لكنني قاومت في هذه السنين بشكل عظيم ولم أبع روحي، وهنا مكمن عظمتي. فلو سنحت لي الفرصة والإمكانية بقدر رأس إبرة أستفيد منها في الفكر والممارسة من أجل المقاومة. وقد نتجت منها مميزات حسنة. ليتم إدراك هذا والاستفادة منه ولو قليلاً، هذا أيضاً يكفي. ينبغي القيام بهذه الأعمال. لقد دُفِنَتْ بعض القيم الثمينة والجميلة لهذا الشعب لدرجة لن يعثر عليها ثانية. لذلك إن العدو لم يقل عبثاً “لقد دفناهم منذ خمسين عاماً تحت الإسمنت”. إنه تقييم سليم. لكنني فتحت ثغراً في ذاك القبر، كيف؟

هذا أيضاً من عمل الأدباء والمثقفين ليدققوا ويبحثوا في ذلك. أعيش الآن باسم الكرد وحريته وباسم حرية شعوب كردستان. وأرغب إخراج الأرمن والآشوريين أيضاً من ذاك القبر. أود إخراج كم من الثقافات كانت موجودة في القبر. وأحس بهيجان وشوق كبير من هذا العمل. كما تلاحظون حيث يتطلب معرفة هل أهمية هذه الصراعات قليلة؟ مَنْ هؤلاء الظالمون الذين قاموا ببناء هذا القبر وصبّوا الإسمنت عليه؟ لماذا لا تكتبون هذه الحقائق؟

الأهم من كل ذلك، كيف انبعث هذا؟ فكروا ملياً وتمعنوا بالأمر، تحطّم وتشقق الأسمنت الذي صبوه منذ خمسين عاماً حسب قولهم "إنكم ضمن قبر إسمنتي". تنمو وتكبر مثل البرعم، هل هناك شيء أكثر من الحماس الذي يمنحه للشعوب وثقافتهم؟ انظروا الى قلب أحد كتّابنا الواقعيين والى وعيه حيث ليس بمقدوره حتى تعريف هذا، إنه عجز كبير. وما تم إنجازه هام جداً. مهما خفَّ وزن وثقل شعب، لكن عندما يصدر منه صوتاً ولو كان خفيفاً من جديد فهذا بحد ذاته يعطي الحماس. لا سيما ان هناك البعض يقول ”إنك أيقظت الأرمن والآشوريين أيضاً“. لتستيقظ كل الشعوب فهذا أمر جميل ولتتطور كل ثقافة هذا أيضاً أمر جميل.

ان القوميات ضيقة الأفق تعتبر معضلة وبلاء مغاير ومن الممكن تجاوز هذا. لكن البشرية والثقافات التي تطورت يمثلون الحياة بحد ذاتها، فهل من الممكن عدم الشعور بالحماس بعد رؤية كل هذا؟ حتى إن أصبح جوهر الحرب والحرب الشعبية أيضاً بهذا الشكل عندها ستكون خّلاقة ومستمرة وبالتالي بمقدوره الوصول الى نتائج عظيمة.

بمعنى آخر، وصلت الى نقطة وكأنني أعيش في جوهر الكتب. سابقاً كنت أشعر بحاجة ماسة للقراءة وكل ما أراه مهماً كنت أطالعه، لكن الآن ضعف مستوى اهتمامي بالقراءة. الضعف لا ينبع من عدم الاهتمام بالفكر، فإنني أفكر بكثرة، بل المعضلة هي ان الكتب باتت لا تلبي حاجتي وعندما أحدد أفكاري في سطور الكتب يضايقني هذا الأمر. على العكس تماماً إذ أنه هناك ثورة كبيرة في فكري. أستطيع التفكير في كافة المواضيع المرتبطة بالمجتمع والطبيعة من الفلسفة حتى المعنويات وهذه بمقدوره إشباعي. لهذا السبب لا أشعر بالاهتمام للكتب كثيراً. أو بالاحرى لا حاجة لتعلم ما عشته من الكتب ثانية. بينما الأمر الذي يهمني هو التدقيق على كيفية تأليف الكتب من الأوضاع المعاشة، لكنني رغم ذلك أنكب على المطالبة بتواضع. بينما اقتراحي الخاص للمثقفين الكرد هو أنهم لو طالعوا الكتب ودونو المشاكل المعاشة حينها سيصلون الى نتائج مذهلة ونهضة ثقافية عظيمة. قدمت إمكانية البحث عن الحقيقة فيما هو معاش، لو انهم وحدوا رصيدهم النظري مع تقييم ما هو معاش حينها سيمهدون الطريق لظهور فكر المثقف الحقيقي.