معاهدة قصر شيرين:

21 فور 2019 پنج ش

اعتراف الدولة العثمانية بالأمراء الكرد على أرض كردستان، فرق تسد، معركة چالديران

منذ بداية القرن السادس عشر تحولت كردستان برمتها إلى ساحة حرب بين العثمانيين والصفويين ،  تعرضت خلالها الممتلكات إلى النهب والسلب والدمار وأُزهقت فيها أرواح الناس بأعداد كبيرة ، لكن الحدث المهم  في مجمل الحروب العثمانية  التي أثرت على المستقبل السياسي والاجتماعي والثقافي للشرق الأوسط عامة وكردستان خاصة ، كان "معركة چالديران" التاريخية التي اندلعت بين الدولتين العثمانية والصفوية في مستهل القرن السادس عشر وانتهت بهزيمة الشاه إسماعيل الصفوي وانتصار العثمانيين .

و قد أدت هذه المعركة إلى تثبيت الوجود التركي واستقراره ضمن شعوب الشرق الأوسط و الحفاظ على قوام السلطنة العثمانية و هيكلتها .

 معركة چالديران: اندلعت بين الجيشين العثماني والصفوي في سهل چالديران (شرق وان) يوم الجمعة المصادف للثالث والعشرين من شهر آب سنة 1514 ، وكان النصر فيها حليف الدولة العثمانية بفضل مؤازرة معظم الكرد لهم على خلفية الجهود التي بذلها الملا إدريس البدليسي  بالاستناد على العقيدة السنية مقابل الشيعية ، إضافة إلى تفوقهم في سلاح المدفعية ، وكان من نتائجها تأجيج نار الحرب المذهبية (السنية- العلوية) وقد أعادت إلى الأذهان ذكرى وقعتي صفين وكربلاء التي جددت نار العداء المذهبي بين الشعوب ، ومما يؤسف له انجرار بعض الكرد الذين تأثروا بدعاية الملا إدريس إلى تلك اللعبة القذرة ، كما سعى البدليسي الذي اعتبر نفسه زعيماً سنياً للكرد وممثلاً للسلطان سليم الأول إدخال الوطن الكردستاني ضمن منظومة الدولة العثمانية والانضمام إليها  ، وأدت إلى تقسيم جغرافية كردستان وشعبها إلى جزأين في حرب لا مصلحة للكرد فيها ، وخضوع الجزء الغربي من كردستان للعثمانيين (بالاسم على الأقل) ، وطالب البدليسي إعادة توطين القبائل الكردية على طول الحدود الإيرانية- العثمانية ، كما طالب إعفاءهم من الضرائب شريطة أن تؤلف ميليشيات دائمة يستخدمها الأتراك عند الحاجة.

     كما أنشأت الدولة العثمانية الاقليم الكردي (كرد بيلگي) الذي تشكل من ثلاث وثلاثين إمارة ولواء (سنجق) واعتمدت مدينة "آمد" مركزاً للإقليم وأوكلت إدارتها للزعماء الكرد ، ولعدم اتفاق الزعماء الكرد على تعيين أمير منهم يتسلم مهام أمير أمراء كردستان ويقيم في مدينة آمد ، رفع إدريس البدليسي تقريراً حسب ما ذكر في الشرفنامه (ص 432) "إن هنا كثرة من الوحدة الذاتية فكل يقول أنا لا غيري ولا يطيع أحد الآخر ، فيُسنّ في هذه الحال تنصيب أحد رجال البلاط السلطاني لهذه المهمة حتى يطيعه الكرد، وبناء على التقرير صدر المرسوم بتعيين "محمد آغا چاويش باشي" المعروف باسم "بويوكلو محمد" مع رتبة مير ميران حاكماً لإيالة آمد" ، كما أن خمس حكومات كردية (كرد حكومتلري) احتفظوا بإماراتهم المتوارثة ، "وقد تم توسيع هذا النظام بحيث يطبق على جميع أرجاء كردستان العثمانية" ، ويعتبر بعض الوطنيين الكرد (ومنهم ثريا بدر خان) أن المعاهدة التي أبرمت بين الدولة العثمانية وثلاث وثلاثين إمارة كردية بواسطة إدريس البدليسي هي معاهدة تحالف وصداقة  والتي نصت على:

1- اعتراف الدولة العثمانية بالأمراء الكرد على أرض كردستان .

2- تكون الإمارة في المناطق الكردية وراثية أو حسب العادات والتقاليد الخاصة بكل منطقة.

3- مساعدة الكرد للعثمانيين في حال تعرضهم لأي خطر خارجي.

4- مساعدة العثمانين للكرد ضد أي هجوم خارجي.

5- تقوم الإمارات الكردية بمنح هدايا وهِبات سنوية لخزينة المال.

   إلا أن بعض البگوات الكرد حكموا البلاد مستقلين , في حين أُبعد آخرون مع عشائرهم قسراً خارج بلادهم (دون أن يقوم الكرد المستقلون بمنع هذا التهجير القسري ، وهذه نقطة خيانة عُظمى في التاريخ الكردي) ومنها عشيرة "رشوان"  الشهيرة حيث رفضوا الرضوخ للعثمانيين ، ولا زالت نار تلك الحرب تكوي الجميع حتى اليوم. مع أن الكرد قدموا للعثمانيين مساهمات كبيرة و كان لهم دور كبير في دحر الاحتلال البيزنطي ومن ثمّ الصفوي ، ونتيجة لهذه المساهمات استطاع الكرد الحصول على الحكم الذاتي وبالأخص زمن السلطان سليم ياؤوز الذي قدم للكرد شيكاً على بياض مكافأة لهم على ما قدموه للعثمانيين من انجازات تاريخية وثقافية، ولكن وبعد مرور خمس وعشرين سنة قام السلطان العثماني سليمان القانوني باتباع سياسة

-فرق تسد- تجاه الكرد وقام بتقسيم الامارات الكردية آنذاك إلى خمسين إمارة بعد أن كانت خمسا و عشرين و كان ناكراً تماما كل المساهمات والانجازات التي حققها العثمانيون بمشاركة كردية كبيرة وعظيمة واليوم ما زالت الشوفينية التركية تتبع هذه السياسة الفاشية بحق الكرد

معاهدة قصر شيرين:

     استمرت الحروب العثمانية - الصفوية على أرض كردستان حوالي مائة وخمسة وعشرين عاماً بعد "معركة چالديران", توصل الطرفان سنة  1639إلى اتفاقية تُرضي الطرفين وتمّ التوقيع عليها في بلدة  "قصر شيرين" ولذلك دعيت "معاهدة قصر شيرين" ، والتي قضت بتقسيم كردستان رسمياً بين الدولتين العثمانية والصفوية ورسم الحدود بينهما ، وقطعت بذلك أواصر الأخوة والتواصل بين أبناء الشعب الكردي الواحد ، و أبرز نتائج تلك المعاهدة المشؤومة تبعية منطقة "مكري" و"شهرزور" (السليمانية) للعثمانيين ، ومنطقة "أردلان" للصفويين ، و بقيت إمارات الجزيرة والعمادية على حالها ، ومع ذلك لم تهدأ الأمور في كردستان فقد استمرت القلاقل والمشاكل المفتعلة بتدبير النظامين الاستعماريين مع الكرد ، كل من جهته ، إضافة إلى اندلاع الاشتباكات بين الفينة والأخرى بين الكرد أنفسهم بتحريض المستعمرين ، و لعل النتيجة الأسوأ في تبعات المعاهدة المشؤومة أن أصبحت جبال زاگروس العاصية والعزيزة على قلوب الكرد و التي كانت الملجأ الوحيد لهم عند حدوث المصائب والملمات والكوارث الحربية  الحد الفاصل بين العثمانيين والصفويين ، وجهد الطرفان على منع الكرد من اللجوء إليها والاستفادة منها في الأعمال الحربية المناوئة لهما .

     وتتالت الحروب العثمانية حيث سيطر "مراد الرابع" سنة 1638 على بغداد ، ثم بدأ دور الانحطاط من سنة 1878 بسبب الحروب الروسية وخاصة حرب القرم حيث وصلوا إلى حد الجمود بسبب انتشار الفوضى  في تنظيمات الانكشارية وخروجهم عن الطاعة ، لهذا بادر السلطان محمود الثاني بتصفية الإنكشارية بالقتل الجماعي و ذلك لانتهاء مهمتهم وتبديلهم بجنود نظاميين كتدبير إصلاحي ، لكن الدولة قد بدأت بالتصدع ويصعب إصلاحها ، وتمكن "محمد علي باشا " من الاستقلال بمصر وكاد ابنه "إبراهيم باشا" في حروبه أن يصل إلى استانبول لولا تدخل الغرب الأوربي ، وباحتلال الانگليز لمصر سنة 1883 تصدعت الرابطة العثمانية شمال إفريقية ، وسارت على النهج نفسه تونس والجزائر, وفي سنة 1827 انفصلت اليونان ، وتنازلت الدولة العثمانية عن منطقتي "قارس وباطوم" في شمال كردستان لروسيا بعد توقف حرب القرم بتدخل انگليزي- فرنسي في معاهدة برلين ، ثم استقلت كل من رومانيا وصربيا والجبل الأسود.