دور الاقتصاد الاجتماعي في عملية الدمقرطة

21 فور 2019 پنج ش

بقدر ما تتعاظم الدولة تتقلص الديمقراطية،. مكان تواجد الدولة لا توجد الديمقراطية، ومن الخطأ الفصل ما بين الدولة والاقتصاد

بقدر ما تتعاظم الدولة تتقلص الديمقراطية، لإستوعاب ومعرفة مسار النهج الديمقراطي في الشرق الأوسط ووضع نظرية تاريخية صحيحة ينبغي تحليل مفهوم السلطة والنظام الدولتي بشكل شامل. بدون معرفة التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي لشعب ما في أية بقعة من بقاع العالم، لا يمكن وضع إستراتيجية ديمقراطية وسياسية وتكتيك صحيح له. وبالتالي فأن القول بإمكان تنفيذ العملية الديمقراطية بدون هذا الاستيعاب والإدراك يعتبر تشويه وانحراف لا مثيل له في تاريخ الإنسانية والتي تعتبر من أكبر أخطاء عصرنا اليوم.

هناك الحديث عن دمقرطة أوروبا، وفكرة تطبيقها وتطويرها بنفس النهج والصيغة في الشرق الأوسط. إن هذه النظرية خاطئة بكل تأكيد، ولا تجلب سوى الكثير من الآلام والمصاعب لشعوبها وستذهب الجهود الرامية إلى تنفيذها أدراج الرياح. تعتبر منطقة الشرق الأوسط مهد الإنسانية وأولى الأراضي الشاهدة على تشكيل الطبقات والدول والقيم الثقافية، لذا يستحيل حل قضاياه العالقة وفي المقدمة قضية التحول الديمقراطي بنظريات وتكتيكات سطحية لا علاقة لها بجذوره التاريخية. حيث تراكمت فيها كافة القيم السلبية والايجابية وأصبحت متداخلة مع بعضها البعض ومتحولة إلى منطقة متشابكة ومعقدة سياسياً، اجتماعيا وثقافيا. ستفشل كافة المحاولات والمساعي إذا لم يتم تحليل القيم الثقافية المتراكمة والذهنية السياسية والقضايا العالقة ببعد زماني ومكاني سليم في تاريخ هذه المنطقة. علما بأنه هناك مداخلات ومحاولات ملموسة من قبل القوى الخارجية والأنظمة الإقليمية الحاكمة في المنطقة لتسيير حكمهم وتسخير شعوبها في خدمة مصالحهم السياسية والاجتماعية والثقافية، لكن لم تصل أية واحدة منها إلى تحقيق أهدافها، بالعكس تماما تفاقمت القضايا والمشاكل بشكل أكبر ووصلت إلى عقدة عمياء لا يمكن حلها بالسهولة المتوقعة.

لتجاوز هذه النظرية الخاطئة في البداية يجب وضع تعريف صحيح للديمقراطية. بالطبع الديمقراطية هي حكم وتنظيم الشعب نفسه بنفسه، بدون وجود أية قوى تسلطية على رقابه، ويتمتع بكافة الصلاحيات والإمكانيات لإدارة حياته السياسية والاجتماعية والثقافية بنفسه. وجدت الديمقراطية ولو كانت بشكلها البدائي  في المجتمعات البدائية القديمة قبل ظهور الدولة، ولكن مع ظهورها لم يعد بإمكان تلك المجتمعات أن تدير حياتها بنفسها وتم القضاء على الديمقراطية البدائية. مكان تواجد الدولة لا توجد الديمقراطية، ومكان تواجد الديمقراطية تتراجع وتتقلص الدولة ومن ثم تنتهي. لو قيمنا دياليكتيك الدولة والديمقراطية وفق هذه الأسس، سنتعرف وبشكل صحيح على كيفية تحقيق وتطور الديمقراطية في الشرق الأوسط. لذا ينبغي تحليل الجذور التاريخية للسلطة والدولة على هذه الجغرافيا.

 اثبت العلماء والباحثون بأن الشرق الأوسط يعتبر المكان الأول لظهور المجتمع الإنساني والطبقة والدولة في التاريخ. تمتد تاريخ ظهور ثقافة نظام الدولة والسلطة من صلب هذه الجغرافيا. لذا فبقدر امتدادها التاريخي فإنها تجذرت حتى نخاع المجتمع وأصبحت الدور الأس في تكوين ذهنيته. تتوضح هذه الحقيقة أمام أعيننا من خلال تسمية الدولة بالأب وتقديسها، وحتى سلاطين الدين أكدوا بوجوب إطاعة وتقديس الدولة وكأنها ممثل الآلهة على وجه الأرض. فحتى الذين ناهضوا الدولة ورفضوا ممارساتها الخاطئة حسب أفكارهم ومعتقداتهم ، لم يستطيعوا رفض الدولة بالكامل. لم يكن هناك معرفة وإدراك بأنه مكان تواجد الدولة لا توجد الديمقراطية والحرية، بل يوجد القمع والاضطهاد، فحتى الأديان لم تقيم وتحلل الدولة بشكل صحيح، بالعكس اعتبرت الدولة مقدسة، ولعبت دورا سواء عن دراية أو بدونها في تقويتها واكسابها المشروعية والصلاحيات المطلقة ليس لخدمة وتقوية الشعب والمجتمع بل لتعظيم نفوذ السلطة والدولة.

بالطبع نعلم بأنه ليس من السهولة القضاء على النظام الدولتي وتحقيق دمقرطتها وتطورها والحد من السلطة ودمقرطتها على أرض صاحب لتاريخ دولتي عميق بهذا القدر وترى مقدسة حتى من قبل الأديان الموجودة، لذا فأن توعية المجتمع في الشرق الأوسط وتطويره على أسس معرفة حقيقة الدولة والسلطة بأنها أداة للقمع والاضطهاد والسلب قضية بالغة في الأهمية. عاشت المجتمعات في البداية بدون دولة ولكن بولادتها ظهرت الطبقات والظلم والاضطهاد. ينبغي على علماء الاجتماع والثوريين تنوير الشعوب وخاصة شعوب الشرق الأوسط بأن ظهور الدولة ليس بضرورة تاريخية وإن ظهورها في البداية أيضا لم تكن وليدة الضرورة والحاجة. ظهرت الدولة في مراحل لم يكن يعاني المجتمع من أية ممارسات تعسفية وقمعية، بل كانت نتاج طبقة مستثمرة نظمت نفسها على شكل دولة لتمارس السلطة والتحكم  والهيمنة على المجتمع. بالإضافة ينبغي توضيحهم أيضا بأنه مع ظهور إمكانات فائض الإنتاج تشكلت طبقات اضطهادية ونظموا أنفسهم على شكل مجموعات لتكون قوى مستعمرة، ولاستمرار هذه الفئة المستعمرة بنظامها كان عليها أن تبني دولة كدرع حماية قوتها وقدسيتها والاستمرار بالحفاظ عليها. يتحلى تحليلات قيادة PKK وتقييماته بخصوص  ظهور مفهوم الدولة والمتمثلة في السومريين الذين وضعوا أسسها ومثلوا حقيقتها بأهمية بالغة.

حلل القائد "آبو" الدولة والسلطة بشكل مدهش للغاية. حيث ذكر بأن سلطة الدولة تمثل النظام السماوي على وجه الأرض كما ذكر في الميثيولوجيات. وكذلك أشار إلى كيفية اضطهاد المرأة رويدا رويدا مع ظهور الدولة التي تمثل النظام الذكوري المتسلط، أي إن الدولة والرجل جزأين لا يتجزءان من بعضهما البعض و وجهين لعملة واحدة. لذا يتحلى تحليلات قيادة الحزب التي تشير إلى وجوب الحد من صلاحيات الدولة وممارساتها القمعية والكاتمة على أنفاس الشعوب والمجتمعات وبأنها لعنة تاريخية، بأهمية بالغة لتحقيق التحول الديمقراطي. باستوعاب ومعرفة تلك التحليلات يمكن فك سر الدولة وبناء المبادئ الديمقراطية وتنظيمها وتطوير ذهنيتها وفق تجسيد هذه المبادئ.

كان السومريون والمصريون أوائل من قدسوا الدولة على أرض الشرق الأوسط. بقدر ما كان الملوك مقدسيين عند السومريين والمصريين كانت الدولة مقدسة إلى درجة الإلوهية ولم يكن بإمكان أحد التعرض لها. في الحقيقة إن ملكية الإله تعبير عن قدسية الدولة. من كانوا ملوك الإله، وماذا كانت مسؤولياتهم وحدود صلاحياتهم ؟ كانت الدولة المقدسة تدار من قبل الملوك الآلهة. هؤلاء من أوجدوا الدولة وطوروها. واليوم الكل يقبل بأن الدولة أداة القمع والضغط والاستعمار والظلم على الشعوب. من هذا المنطلق يجب رؤية الدولة كإيجاد مصنوع، وبأن هذه الأداة التي تمثل القمع والاستعمار هي من إيجاد النمرودين والفرعونين. كانوا يطلقون اسم "نمرود" على ملوك سومر وموزبوتاميا واسم "فرعون" على الملوك الآلهة في مصر. يعبر اسم "نمرود" و"فرعون" في الشرق الأوسط عن الظلم والاضطهاد. يدل ما ذكرنا على ما عانته الشعوب والمجتمعات تحت ظل نظام الدولة. كانت الدولة بالنسبة لهم أداة للظلم والقهر والعدوان.

بقدر ما كانت الدولة في الشرق الأوسط جذرية وظالمة، ظهرت مواجهات وصراعات وتمردات كبيرة ضدها وذلك من خلال الحقد ضد الفراعنة والنماردة. أي هناك طلب على تراجع الدولة وتحقيق التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط. عندما نقيم الدولة كأداة قمع وظلم يجب تقيم مناهضة الفرعونيين والنمروديين ضمن سياق نضال ديمقراطي. يجب توضيح الأبعاد التاريخية لكافة الصراعات والمناهضات الواقعة ضد فرعون ونمرود والتي تعني في نفس الوقت مناهضة وصراع الدولة. لو تم تقيم ومعرفة تلك المناهضات والتمردات بشكل صحيح، بالإمكان وضع ما خلفتها من نتائج تحت خدمة الثقافة والوعي والتنظيم الديمقراطي.

 يمكننا القول بأن الدولة كانت أداة لاستمرارية القمع والظلم والاستيلاء على القيم الإنسانية عبر التاريخ. في الحقيقة قامت الدولة ومنذ نشأتها بالاستيلاء على الاقتصاد، وكانت ذات نفوذ وهيمنة لتنفيذ ذلك. هناك علاقة تاريخية بهذا الشكل ما بين الدولة والاقتصاد. لم يكن بإمكان الدولة الحفاظ على كيانها من دون الاقتصاد. فالمسألة ليست مثلما يقال بأن الدولة جهاز للحفاظ على الأمن والاستقرار والمصلحة العامة، بل أنها أداة للحفاظ على أمن الدولة واستمراريتها وكذلك أداة لنشر وحماية إيديولوجيتها، مثلما أكد القائد "آبو" هذه الحقيقة. لا يوجد علاقة ظهور الدولة مع هذه الوسائل بكل تأكيد. بالطبع يجب وجود مؤسسات ومراكز الأمن العام وحماية المصلحة العامة في المجتمع، ولكن لم تظهر الدولة في التاريخ لأجل ذلك، والآن أيضا لا تحافظ الدولة على نفسها لتحقيق ذلك. فالدولة تماما أداة للاستيلاء الاقتصادي ونظمت من قبل فئة معينة حاكمة ومحتكرة. يمكننا القول بأن الدولة بدوبلوماسيتها وجيشها غداة احتكار وسلب اقتصادي وجهاز للتحكم فيها والاستفادة منها والعيش بشكل تطفلي على كاهل المجتمع. ومن الخطأ الفصل ما بين الدولة والاقتصاد واعتبارها جهاز مستقل وبعيد عن الاقتصاد بنفس البعد من القوى الاقتصادية الأخرى.

يعتبر الشرق الأوسط مكان لرؤية حقيقة نوعية العلاقة القائمة ما بين الدولة والاقتصاد بكل وضوح. تحتكر الدولة الاقتصاد وتستثمرها كأداة لحكم الاستلاب والحفاظ على قوتها من خلاله على هذه الجغرافيا. هذه الحقيقة تتلاءم بكل طبع مع ظروف ظهور الدولة، لأن ظهورها كانت لأجل ذلك وتعتبر سبب وجودها أيضا. لذا من الخطأ التفكير بوجود دولة بعيدة عن الاقتصاد ومجردة عنها. فما الدعايات التي تقول بأن الدولة بعيدة عن الاقتصاد ولا علاقة لها به في أوروبا وأمريكا والدول الرأسمالية الأخرى إلا لخداع المجتمع بكل تأكيد، بالعكس تحافظ الدولة على كيانها وقوتها الاستعمارية من خلال احتكار الاقتصاد. يجب الحفاظ على وجود الدولة كجهاز أساسي وصمام أمان لاستمرارية القوة الاستعمارية على استغلال واحتكار الاقتصاد. ومن هذه الناحية علاقاتها مباشرة مع الاحتكارات الاقتصادية. ويعتبر القول بأن الدولة في اتجاه والاحتكارات الاقتصادية في اتجاه آخر انحراف وتشويه للحقيقة. فبماذا نسمي مداخلة الدول بتزويد المال في الأزمات الاقتصادية الأخيرة في العالم؟ من هم أصحاب هذا المال؟ بالطبع تابعة للبنك المركزي للدول، وعائدة إلى ماليتها. من هذا الجانب إن علاقة الدولة والاقتصاد أكثر مما هو ظاهر في الشكل. لا يمكن تحقيق الديمقراطية بالاكتفاء فقط بالمنظمات الشعبية وبدون تكوين نظرية اقتصادية بديلة وبناء وحكم الشعب اقتصاده بنفسه. لا يمكن للدولة أن تتراجع أو تضمحل بالمنظمات الديمقراطية فقط، بل يمكن تراجع وتقليص الدولة من خلال المنظمات المجتمعية الديمقراطية وبناء حياة اقتصادية مجتمعية حرة.

إن القوى الديمقراطية مضطرة إلى تطوير نظرية اقتصادية والقيام بفعالياتها وتطويرها من جانبين. يمكن للساحة الديمقراطية أن تتحول إلى قوة من خلال تراجع الدولة، فلو كانت الدولة تعتمد على الاقتصاد لتكوين قوتها، فإنها وبنفس الوقت تحتكر كافة الساحات الثقافية والسياسية والاجتماعية، لذا فعلى القوى الديمقراطية أن تناضل في كافة هذه الساحات وتحاصر الدولة من كافة الجوانب. لا يمكن أن تتراجع الدولة بالعمل في مجال واحد، لذا فعليها بالإضافة إلى بناء المنظمات والمؤسسات الديمقراطية الشعبية تهيئة أرضية اقتصادية لإبراز القوى الاقتصادية وتفعيل كافة الإمكانيات والصلاحيات الموجودة. ان كافة المصادر الاقتصادية وجميع الجهود المبذولة عائد للشعب. فالقيم الموجودة في أيدي الدولة وفئة الأغنياء لم تنزل من السماء بل حصلوا عليها من خلال اضطهاد الشعب واحتكاره، لأنه المصدر الحقيقي لبناء الاقتصاد. لذا فمن الضروري أن يبني الشعب مؤسساته الاقتصادية ويسترجع كل ما هو عائد له وإعاقة الاضطهاد التي تمارس بحقه وتوحيد قيمه ومصادره الاقتصادية بعلمه ووعيه الاقتصادي  لبناء نظامه الاقتصادي بشكل حر. يمكننا تسمية النظرية الاقتصادية المتكونة على أساس المنظمات الديمقراطية الاجتماعية أو الاقتصاد الاجتماعي بالنظام الاقتصادي. بالطبع فعلى النظرية الاقتصادية للمجتمعات الديمقراطية أن تكون اكولوجية في نفس الوقت ولا تؤذي الاكولوجيا والطبيعة. وعليها أن تبني نظاماً اقتصادياً متلائما مع ظروف الطبيعة وتحميها. كذلك يجب استخدام التكنيك بمنطق اكولوجي. من الأهمية استخدام التكنيك وتطويرها بشكل لا يؤذي أو يضر بالمجتمع والاكولوجيا. ينبغي عدم ترك خلل ما بين علاقة التكنيك والطبيعة. هناك حاجة ملحة إلى نظرية اقتصادية بهذا الشكل. وينبغي وضع فلسفة وأبعاد النظرية الاقتصادية بهذا الشكل.

هل يمكن وضع نظام اقتصادي بهذا الشكل؟ بالطبع يمكن تحقيق ذلك. وينبغي الإيمان به. لقد كونت الدولة بقول إما نحن أو الأغنياء وأداروا الاقتصاد بذهنية تحكمية، وكذلك زرعوا في فكر وذهنية الشعب بأنه غير قادر على إدارة الأعمال الاقتصادية، وإن الفعاليات الاقتصادية تحتاج إلى إدارة وحكم الدولة والأغنياء. لذا تسوقهم الدولة إلى العمل ضمن حدود مساحات صغيرة من الأراضي وضمن نطاق أعمال ضيقة. بهذا الشكل زرعوا نظام اقتصادي احتكاري  في الذهنية أيضا. ومن جانب آخر تعيق وحدة المجتمع من خلال تعليمه وزرع الإيمان في نفسه بأنه غير قادر على بناء مجتمع اقتصادي، وبهذا تعيق وحدة المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالإنسان من ناحية مخلوق اقتصادي واجتماعي. الاقتصاد قضية هامة جدا في حياة الإنسان. تضعف عدم وجود القيم الاقتصادية الوحدة السياسية والاجتماعية والثقافية. يجب أن يؤمن الشعب بأنه  قادر على تكوين مجتمع اقتصادي يشترك فيه كافة أبنائه، ويؤمن بأنه قادر على بناء مؤسساته الاقتصادية حسب احتياجاته وتطبيقها عمليا.

 حول النظام الرأسمالي الإنسان في عالمنا الراهن إلى مخلوق هارع وراء الاستهلاك. حيث وصل به إلى حالة مشابهة بكلاب "بافلوف" من خلال تشجيعه على ثقافة الاستهلاك والهرع وراء المتاع والسلعة. وبالأصح بأنه استبعد الإنسان عن حقيقته الإنسانية. جردت الرأسمالية الإنسان من كافة قيمه الإنسانية والمعنوية وحطمت إرادته الديمقراطية والاجتماعية الحرة وحوله إلى فرد يعيش للحصول على المتاع والمال فقط. لذا يجب بناء ساحة فعاليات اقتصادية بعيدة عن النظام الرأسمالي لاستبعاد الناس عن الاستهلاك والهرع وراء حياة متاعية بعيدة عن الحياة الاجتماعية الطبيعية. إن تكوين نظرية اقتصادية اجتماعية عامل أساسي لخلق مجتمع ديمقراطي. ومن جانب آخر، من إحدى المهامات العاجلة هي إنقاذ الإنسان من براثين الرأسمالية العصرية التي حولته إلى أداة للاستهلاك وحطمت إرادته من خلال تجريده وعزله من قيمه الإنسانية والاجتماعية. وعلى أسس هذين المهامين فعلى المجتمعات التي تريد أن تكون رديفة للأنظمة الرأسمالية الدولتية وتناهضها، عليهم وبشكل مطلق أن يقوموا بفعاليات اقتصادية لدمقرطة المجتمع وتقليص الدولة، وتعتبر هذه المهمة من إحدى المهامات العاجلة في راهننا.

تقع على عاتق المجموعات الاقتصادية تنظيم الاقتصاد على شكل ورشات عمل "كوبراتيف". يمكننا تسمية العلاقة الاقتصادية مع الطبيعة بالنظام البيئي أيضا. قد يرون البعض بأنها خيالية الآن، ولكن ستأخذ القرى الايكولوجية كجزء من النظام الاقتصادي مستقبلا. هناك نقاش حول انحراف وتشويه العمل في الورشات "الكوبراتيف" التي تعبر عن الاقتصاد الاجتماعي واستثمارها في الاشتراكية المشيدة وفي دول مثل سوريا وليبيا ودول مختلفة أخرى الذين على علاقة معها، وكذلك بأنها لا تمثل إرادة الشعوب وتستثمر من قبل الدولة وبعض الفئات المعينة وشوه صورتها أمام أنظار الشعب. يتبين من هذه الحقيقة بأن اقتصاد المجتمعات بقدر دمقرطتها تحمل معاني وقيم إنسانية أيضا. فبالرغم من كافة المصاعب ينبغي أن تؤمن المجموعات الاقتصادية بأنها قادرة على بناء منظمات ومؤسسات اقتصادية ويستطيع إدارة انتاجاتها ومستهلكاتها نفسها بنفسها. وبإمكان هذه المجموعات أن تكون على علاقة وصلة مع المجموعات الاقتصادية الأخرى وتطوير نظام اقتصادي جديد . من الضروري تطوير موديل اقتصادي بالاستفادة من الدروس السلبية منها والايجابية والخبرات السابقة.

فعند رفض الفعاليات الاقتصادية الجماعية عند ظهور الأخطاء والنواقص والابتعاد عنها يعتبر الوقوع في فخ الدولة. ان الدولة التي تحاول دوما الاستمرار بسلطتها وحكمها على الشعوب والكادحين والعاملين تفشي مفهوم "إنكم لا تستطيعون القيام بفعاليات اقتصادية"، وبذلك تجعل من الشعب في حالة حوذ دائمي إليها. من الخطأ القول بأن الدولة باب الرزق مثلما هو موجود في الشرق الأوسط. وإن هذا المفهوم هو جزء من الذهنية الدولتية الظالمة والقمعية. إن قبول الدولة كجهاز لتأمين الاحتياجات الاقتصادية وتلبيتها ناتج من قبول المجتمع بالدولة. بالعكس فلنتركها كباب للرزق، بل زمرة تسرق وتنهب جهود الشعب، وأداة للقمع والصهر والكل على دراية بذلك. انطلاقا من هذا الجانب، فأن تقييم كل من ماركس وانجلس والكثير من الاشتراكيين والفلاسفة السابقين حول الدولة بأنها أداة للاستيلاء على القيمة الإنتاجية في غاية الصحة.

الدولة مؤسسة لغصب الفعاليات الشعبية الاقتصادية. وعلينا تقيمها بهذا الشكل. ففي القديم وقبل ظهور الدولة كانت المجتمعات تدير كافة فعالياتها الاقتصادية بنفسها. تنتج وتستهلك بنفسها. ومع ظهور الدولة تم الاستيلاء والغصب عليها، واستولت على كافة انتاجات الشعب وجعلت من الوسائل الاقتصادية أداة قمع واضطهاد ضده. لنترك الدولة كأداة مساهمة في تطوير الاقتصاد بل إنها استولت على كافة المصادر الاقتصادية للشعب وحولته إلى عبيد في سياق سياستها الاقتصادية، يعتبر هذا من أكبر المساوئ في تاريخ الإنسانية. فالدولة جهاز لا ضرورة له في المجال الاقتصادي ويجب التخلص منه. انحلال الدولة في غاية الأهمية لدمقرطة الشرق الأوسط. في البداية يجب المعرفة بأن الدولة أداة للقمع والاضطهاد، وكذلك يستخدم الدين والمعتقدات للاستمرار باستعماريتها الاقتصادية واعطاء المشروعية لممارساتها.

حاولت الدولة وبدءا من الدولة السومرية أن تكتسب مشروعيتها وذلك بالتأثير على الإنسان الذي يعتبر ظاهرة ميتافيزيقية وكتلة ممزوجة من عاطفة وفكر وتسويقه في اطار بعض المعتقدات.  استثمرت الدولة الأديان التي تعتبر خلاص للإنسانية وتحريره من الظلم والاضطهاد وتخفيف لآلامه لصالح سياستها والتي تعتبر من أكبر المساوئ في تاريخ الإنسانية. لذا فسد الطريق أمام دول الشرق الأوسط لاستثمار الدين واستمرارية المجتمع بممارسة دينه وأخلاقه ومعتقداته وتحويله إلى ظاهرة ثقافية مهمة جدا. فمن جانب إن سد الطريق أمام استثمار الدولة للدين واستخدامها كأداة في خدمة السياسة تعني في نفس الوقت إعاقة الطريق أمام احتكار الدولة للاقتصاد أيضا، وبالتالي إعاقة استعمارية الدولة لشعوبها. فالدولة لا تستخدم الدين كأداة لاستمرارية سلطتها السياسة فحسب، بل في نفس الوقت تستخدمها لاستمرارية الاحتكارات الاقتصادية أيضا. لذا يجب أخذ القيم الدينية من أيدي الطبقات الحاكمة وتسليمها للشعب, ويجب أن تستمر الشعوب بحياتها الثقافية الدينية التي تعتبر ظاهرة أخلاقية اجتماعية بشكل حر وديمقراطي. فإما ستستمر الدين مثلما استثمرها الرهبان السومريين كأداة للقمع والاضطهاد ضد المجتمعات لاستمرارية وجودها أو ستصل كل القيم الإنسانية الأخلاقية والمعنوية إلى أدوارها الحقيقة. لتجاوز احتكار الدولة للاقتصاد وتكوين المجتمع حياة اقتصادية حرة ومعتمدة على كفاءاته، يجب استخراج الدين من كونه آداة لمشروعية سياسات الدولة الاحتكارية من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

أن الدول الموجودة في الشرق الأوسط دول اقتصادية احتكارية. لتكسب مشروعيتها وتحافظ على احتكاراتها الاقتصادية تبرز القضايا الأمنية والمصلحة العامة إلى المقدمة. فمشروعية الدولة بهذه الطريقة هي مشروعية الدولة للاحتكار الاقتصادي. وفي النتيجة لا تعطي المجال للشعب للعمل في المجال الاقتصادي سوى في أعمال إنتاجية صغيرة ومجالات محدودة النطاق. فحتى لم تعد تعطي المجال لذلك أيضا وتحتكر الاقتصاد بشكل لا مثيل له في التاريخ. تمارس كل من الدول الاحتكارية والرأسمالية بشكل متداخل مع بعضها الاستلاب الاقتصادي والسياسي ضد الشعب. فاليوم الدول الاحتكارية في الشرق الأوسط في عمالة قذرة مع الدول الاحتكارية الرأسمالية. الدولة لم تكن أداة لخدمة مصالح الشعوب في أي مرحلة من مراحل التاريخ أبدا. الدولة من الناحية الاقتصادية مستهلكة ومتطفلة. عندما نقول بان الدولة احتكار اقتصادي، علينا أن نقبل بأنها متطفلة وكوحش استهلاكي عملاق.

أشار قائد حزب العمال الكردستاني إلى إن الرأسمالية ليست نظاما اقتصاديا. واليوم يتوضح أكثر بأن الرأسمالية نظاما استهلاكيا وليس إنتاجيا أكثر من أي وقت مضى. وتطفل الرأسماليين يدل على مدى تطفلية النظام الرأسمالي أيضا. فأكثر من أن تكون الرأسمالية نظاما لتقديم إمكانات وفرص للعمل والإنتاج للمجتمع، فأن الرأسماليين والذين يدعمون الدولة متطفلين إلى درجة التعرض لمبادئ الشعب واستعماريته كوحش متطفل. اليوم لنترك كون الرأسمال التمويلي الحاكم في النظام الرأسمالي نظام اقتصادي، فأنه نظام يشتت ويبعثر ويناهض الاقتصاد. الأزمة الاقتصادية الأخيرة تؤكد على مدى تطفلية النظام الرأسمالي وتشتيتها للفعاليات الاقتصادية وتطفلها على كاهل الاقتصاد التي تعتبر ظاهرة من ظواهر المجتمع الطبيعية.