التعريف الصحيح للحياة في الشرق الأوسط -١-

21 فور 2019 پنج ش

مقارنةُ الحياةِ بالموتِ لا تكفي لإدراكِ معناها ، أنا هو أنا، الضررُ الأكبرُ الذي ألحَقَته الرأسماليةُ هو قضاؤُها على معنى الحياة

عبد الله أوجلان

 

الوظيفةُ الأساسيةُ لعلمِ الاجتماعِ هي تعريفُ الحياة. لكنّ المُدَّعين أنهم زاوَلوا العِلمَ بدءاً من كهنةِ سومر ومصر وحتى العلمويين الاجتماعيين الوضعيين في أوروبا، ومثلما لم يُعَرِّفوا المعنى الاجتماعيَّ للحياة، فقد صاغوا تعابيرَ ميثولوجيةٍ هي الأكثر تحريفاً وتعتيماً للوعي بدلاً من هذه الوظيفةِ الأوليةِ على الإطلاق. بَيْدَ أنه لا يُمكِنُ الحديث عن علمِ الاجتماع، ما لَم تُعَرَّفْ الحياةُ بمعناها الاجتماعيّ. كما لا يُطَوَّرُ عِلمُ شيءٍ لَم يُصَغْ تَعريفُه. لا شكَّ في أنّ هذا الوضعَ متعلقٌ بالإنشاءِ المُنحرِفِ للحقيقةِ في نُظُمِ المدنية. فمثلما لَم تُوَضَّحْ حقيقةُ الحياةِ الاجتماعيةِ في نُظُمِ المدنيةِ منذ لحظاتِها الأولى وحتى يومنا الحاليّ، فقد صِيغَت بعدَ غَمرِها بأشكالِ الإنشاءِ المنحرفةِ والخاطئةِ بمقاييس عظمى من خلالِ التصنيفاتِ الميثولوجيةِ والدينَوِيّةِ والفَلسَفَوِيّةِ والعِلمَوِيّة. فضلاً عن طَلْيِ وصَقلِ هذه السرودِ بالفنون. وبإقحامِ الثقافةِ الماديةِ للمدنيةِ ضمن علاقةٍ جَدَليةٍ مع ثقافتِها المعنوية، لُقِّنَ العبيدُ بنمطِ حياةٍ تَخدِمُ مصالحَ وعقائدَ ومطالبَ الآلهةِ المُقَنَّعين وغيرِ المُقَنَّعين، وذلك عبر سردِ التاريخِ المعروفِ أو الذي سُمِحَ بمعرفتِه. وقد تَمَكَّنَ نمطُ الإنشاءِ والتلقينِ هذا للحياةِ المهيمنةِ من الاستمرارِ بوجودِه، على الرغمِ من مواجهتِه الاعتراضاتِ والمقاوماتِ مِن قِبَلِ عددٍ لا حصرَ له من الحُكماءِ والحركاتِ والجماعات.

كنتُ قد جَهِدتُ على تعريفِ الحياةِ عموماً وحياةِ الإنسانِ الاجتماعيةِ على وجهِ الخصوصِ في مختلفِ فصولِ ومُجَلَّداتِ مرافعتي، وخاصة في فصولِها المعنيةِ بالحرية. وعلى ضوءِ هذا التذكيرِ شعرتُ بالحاجةِ لصياغةِ تعريفٍ جوهريٍّ للحياةِ مرةً أخرى. وأَخُصُّ بالذكرِ الاغتيالاتِ والمجازرَ والإباداتِ اليوميةِ التي تتعرضُ لها الحياةُ في الشرقِ الأوسط، والتي تَحُثُّني على التقدمِ بصياغةِ تعريفٍ مُدرَكٍ بشكلٍ أعمق وذي مستوى أرقى فيما يتعلقُ بموضوعِ الحياة.

فحسبَ رأيي، الضررُ الأكبرُ الذي ألحَقَته الرأسماليةُ هو قضاؤُها على معنى الحياة. أو بالأحرى، هو ارتكابُها الخيانةَ الكبرى بشأنِ علاقةِ الحياةِ مع مجتمعِها وبيئتِها. وبطبيعةِ الحال، فنظامُ المدنيةِ المتسترُ وراءَها أيضاً مسؤولٌ مِثلَها عن هذا الوضع. يُقالُ أننا نعيشُ في عصرٍ وصلَ فيه العلمُ والاتصالاتُ أَوجَ قوتِهما. إلا أنّ سيادةَ العجزِ حتى الآن عن تعريفِ الحياةِ وأواصرِها الاجتماعيةِ رغمَ هذا التطورِ الخارقِ للعلم، إنما يثيرُ الذهولَ إلى حدٍّ بعيد. إذن، ينبغي حينها السؤال: هو عِلمُ ماذا، ومن أجلِ مَن؟ وكلّما صِيغَ جوابُ هذَين السؤالَين، فستُفهَمُ دوافعُ عدمِ ردِّ العلمويين الاجتماعيين على السؤالِ الأساسيّ، أي على سؤالِ "ما هي الحياة؟ وما علاقتُها مع المجتمع؟". قد تَبدو هذه الأسئلةُ بسيطةً للغاية، ولكنها قَيِّمةٌ في معناها بقدرِ حياةِ الكائنِ المسمى بالإنسان. فما هي قيمةُ الإنسانِ ما لَم يُفهَمْ ذلك! ففي هذه الحالة، بوسعِنا الحديثُ عن تَحَوُّلِه إلى مخلوقٍ ربما أدنى قيمةً من حياةِ حيوانٍ أو حتى نباتٍ ما. فالبشريةُ التي لا تَعرِفُ معناها وحقيقتَها مستحيلةُ الوجود. وإنْ وُجِدَت، فستَكُونُ الأكثر انحطاطاً وبربريةً على الإطلاق.

الحياة:

قد لا يُمكنُ صياغة تعريف الحياة. أو بالأحرى، قد نشعرُ بها نسبياً، أو نُدركُها جزئياً. فبالرغمِ من كونِ التطورِ التدريجيِّ حقيقةً قائمة، إلا أنّ إيضاحَ التفسيرِ التطوُّريِّ الداروينيِّ لتطورِ الحياةِ والكائناتِ الحيةِ بعيدٌ عن إظهارِ الحقيقة. كما أنّ رَصدَ حياةٍ تبدأُ من كائنٍ حيٍّ لَم يصبحْ خليةً بَعدُ في أغوارِ المحيطِ قبل ثلاثةِ ملياراتِ سنةٍ من الآن، وتَصِلُ إلى إنساننا الراهن بمنوالٍ تسلسليّ، إنما يساهِمُ بشكلٍ محدودٍ في تحديدِ معنى الحياة. يبحثُ العلمُ حالياً عن أسرارِ الحياةِ في تكويناتِ الجُسَيماتِ ما تحتِ الذّرّيّة. ولكن، واضحٌ جلياً استحالةُ الذهابِ أبعدَ من إيضاحٍ محدودٍ للحياةِ بهذا الأسلوبِ أيضاً. للحياةِ صِلاتُها مع هذه السرودِ بكلِّ تأكيد، ولكنها لا تَحلُّ المشكلةَ تماماً. هذا ومقارنةُ الحياةِ بالموتِ أيضاً لا تكفي لإدراكِ معناها. أي أنّ القولَ بأنّ "الحياة هي ما قبلَ الموت" ليسَ نمطاً إيضاحياً مُقنِعاً كثيراً. الأصحُّ هو أنّ الحياةَ غيرُ ممكنةٍ إلا بالموت. أعلَمُ أنّ الحياةَ الخالدةَ مستحيلة. ولكننا بعيدون أيضاً عن معرفةِ معنى الموت. تعريفُ الموتِ أيضاً غيرُ ممكن، كما الحياةُ بأقلِّ تقدير. فربما هو مُحَصِّلةٌ نسبيةٌ لحياتنا. وربما هو إمكانيةٌ في الحياةِ أو نمطُ تَحَقُّقِها. وخشيةُ الموتِ علاقةٌ اجتماعية، مثلما سأُعَرِّفُها بإسهابٍ لاحقاً. وربما الموتُ هو شيءٌ مِن قبيلِ هذه الخشية.

لا أرى ثنائيةَ المثاليةِ – الماديةِ مبدئيةً وإيضاحية. إذ لا قيمةَ لهذه الثنائية، التي يَطغى عليها طابعُ المدنية، في تعريفِ أو شرحِ الحياة. وبالنسبةِ إلى ما أَوَدُّ صياغته من تفسير، أُريدُ التأكيدَ على أنّ علاقةَ هذه القرينةِ محدودةٌ مع الحقيقة. وبمنوالٍ مشابه، فمصطلحاتُ الحيّ – الجامد أيضاً بعيدةٌ عن الإيضاحِ فيما يتعلقُ بالحياة.

الحقيقة الأولى: قد يَعيشُ كلُّ كائنٍ حيٍّ – جامدٍ لحظاتِه فقط، فيما خَلا الإنسان الذي يسعى لإدراكِ الحياة. فربما أنّ الخروفَ الذي انقضَّ عليه الذئب، والمَجَرَّةَ التي ابتَلَعَها الثقبُ الأسودُ يتشاطران المصيرَ الكونيَّ نفسَه. وحتى هذا مجردُ لغزٍ لأجلِ فهمِ الحياة، لا غير.

الحقيقة الثانية: الكائنُ الحيُّ الذي يُمَزِّقُ نفسَه ويُرهِقُها لأجلِ مَولودِه، وإنجازُ الجُسَيماتِ ما تحتِ الذّرّيّةِ تكويناتٍ دياليكتيكيةً بسرعةٍ خاطفةٍ لا تُصَدَّق، إنما يَعمَلان بِحُكمِ القاعدةِ الكونيةِ عينِها.

الحقيقة الثالثة: بَلَغَت هذه القاعدةُ الكونيةُ بنفسِها إلى منزلةِ مساءلةِ الذاتِ في المجتمعِ البشريّ: مَن أنا؟ هذا السؤالُ هو سؤالُ محاولةِ القاعدةِ الكونيةِ لإسماعِ ذاتِها لأولِ مرة.

الحقيقة الرابعة: قد يَكُونُ الردُّ على سؤالِ "مَن أنا؟" هو الهدفُ النهائيُّ للكون.

الحقيقة الخامسة: ربما الحياةُ الكونيةُ برمتِها من حيٍّ وجامدٍ هي في سبيلِ تأمينِ بلوغِ السؤال "مَن أنا؟".

الحقيقة السادسة: "أنا هو أنا، أنا الكون، أنا الزمكانُ الذي لا قَبلَ له ولا بَعد، لا قُربَ له ولا بُعد!" ربما هذا الجوابُ هو الهدفُ النهائي.

الحقيقة السابعة: الفناءُ في الله، النيرفانا، أنا الحق. هذه الحِكَمُ المُطلَقةُ ربما كَشَفَت عن الهدفِ الأساسيِّ لحياةِ الإنسانِ الاجتماعية، أو أنها أَظهَرَت للوسطِ اهتمامَها بالحياةِ الاجتماعية.

بهذه الحقائقِ السبعِ لا أَكُونُ قد عَرَّفتُ الحياة. بل أَبحَثُ في الميادينِ المعنية، أو أَوَدُّ البحثَ فيها. لا تُدرَكُ الحياةُ أثناءَ عيشِها. ثمة هكذا تناقضٌ بين المعنى والحياة. فعندما يَكُونُ العاشقُ مع معشوقِه، فهو في الوقتِ ذاتِه في المكانِ الذي ينتهي فيه المعنى. لذا، فالتمكنُ من الفهمِ المطلقِ يقتضي الوحدةَ والعزلةَ المطلقة، أي أنْ يَكُونَ بلا معشوق. فكأنّ المَثَلَ الشعبيَّ "إما الحبيبُ أو الرأس " يَوَدُّ الإشادةَ بهذه الحقيقةِ بمعناها الميتافيزيقيِّ، لا الجسديّ. فتَحَمُّلُ الوحدةِ المطلقةِ غيرُ ممكنٍ إلا بالقابليةِ لفهمِ المطلق. والوحدةُ المطلقةُ لا تتحققُ إلا ببلوغِ حالةِ قوةِ المعنى فحسب، أي بالخروجِ من كينونةِ علاقةِ القوةِ الماديةِ فقط، لا غير. قرينةُ الوجود – العدم شبيهةٌ بثنائيةِ المعنى – المادة. فكِلا الثنائيتَين مُجَرَّدتان ولا تُعاشان في الواقعِ الملموس. ويطغى احتمالُ كونِ الحياةِ هي القابليةُ اللانهائيةُ لهاتَين القرينتَين في الترتيبِ والانتظام. ويَبدو فيما يَبدو أنّ الفواصِلَ البَينِيّةَ لحالاتِ الانتظامِ ضرورةٌ حتميةٌ لِتَحَقُّقِ الحياة، ولو أنها تَظهرُ في هيئةِ لحظاتٍ فوضويةٍ عدميةٍ وعمياء مثلما الموت.

سعيتُ في هذا التحليلِ المقتَضَب، ولو بحدود، إلى شرحِ أسبابِ استحالةِ التعريفِ التامِّ للحياة. فالتعريفُ المطلقُ للحياةِ يقتضي الوحدةَ والعدمَ واللامادةَ بشكلٍ مطلق. ولأنّ هذا يَظَلُّ مجردَ تجريدٍ محض، فبلوغُ الحياةِ أو معناها غيرُ ممكنٍ إلا بنحوٍ ثنائيٍّ ونسبيّ.