لما تتعارض الدولة مع الديمقراطية

21 فور 2019 پنج ش

الديمقراطية = إدارة الشعب ذاته بذاته، فالراديكالية تعني الديمقراطية الخارجة عن نطاق الدولة، المجتمعية التي تعني الكومينالية

خبات أندوك

لقد فصلت قيادتنا مفهوم الديمقراطية الذي يشكل "بنية النظام الحضاري الديمقراطي"، البارز بشكل أفضل من جديد مع " مرافعة الإنسان الحر" التي قدمها في مرحلة البراديغما الجديدة، عن الدولة تماماً. وبيَّنَ الحدود الفاصلة فيما بين الدولة والديمقراطية من خلال تناوله لتعريف الديمقراطية على أنه " حكم أو إدارة الشرائح والأشخاص والفئات الباقية خارج الدولة لذاتها". ستتكون الوحدة بين الناس اللائي يتخذون البنية الأخلاقية- السياسية للمجتمع الطبيعي أساساً في حياتهم، بدلاً من الاستناد على قرابة الدم كما يظنه الشعب. وهو ما يعبر عن المجتمعية القائمة خارج إطار الدولة. لهذا السبب ندعو المجتمعية القائمة خارج إطار الدولة بالشعب. إذ أن القائد آبو وضع للعيان بتعريفه للدولة على أنها " المجتمع الفوقي القائم على المجتمع السفلي (الشعب)" الحقيقة الدالة على أن الدولة مؤسسة مضادة للشعب تماماً.

إن فصل الدولة عن الشعب، كما إن جوهر الشعب الديمقراطي والكومينالي الذي يمنع الشعب من أن يصبح دولة، يجلب معه ظهور شكل إدارة الذات ونمط حياة مختلفان عن بعضهما البعض. في هذه الحالة فإن الديمقراطية ( الديمقراطية = إدارة الشعب ذاته بذاته) تحمل بين ثناياها مستوى تمثيل النظام المضاد للدولة. لذا فإن الدولة والديمقراطية هما شيئان ليس من الممكن وضعهما في نفس البنية. فهما يعبران عن أنظمة مضادة لبعضها البعض تماماً، بسبب التناقض الجوهري بين الشعب والدولة. لأجله يمكننا القول مرة أخرى بأن الديمقراطية هي اسم النظام المضاد للدولة. إذاً وفي الحالة هذه، أين سنضع تعريف " الدولة الديمقراطية" التي وصلت مكانة نيل الافتخار والتعزز في يومنا الراهن؟

نوهت قيادتنا بأن تبيان قسم من إداريي الدولة من خلال الانتخابات التي سماها " بلعبة الديمقراطية"، لا تعني بأن تلك الدولة ديمقراطية، كما لا تجعل الديمقراطية شكل من أشكال الدولة أيضاً. لأن الديمقراطية ليست نسق للدولة أو شكل من أشكالها، بل على العكس من ذلك تمثل الديمقراطية القطب المضاد للدولة، كما هي طراز الحياة الأخلاقية والسياسية البعيدة كل البعد عن الاستبداد والتسلط. تكمن الأخطاء الأساسية بهذا الشأن إلى الخلط فيما بين مصطلحي "الجمهورية" و"الديمقراطية". فحتى ولو كان معنى المصطلحين في القاموس هو " إدارة الشعب ذاته بذاته" إلا أن المصطلحين يختلفان عن بعضها تماماً من حيث الجوهر، لذا فإن الإدراك والفهم الصحيحين لهذين المصطلحين يحمل أهمية جد بالغة. الديمقراطية كمجتمعية خارج إطار الدولة هي إدارة الشعب ذاته بذاته، أما الجمهورية فهي مجيء إداريي الدولة إلى الحكم عن طريق الانتخابات. يعني إن الجمهورية هي شكل من أشكال الدولة أما الديمقراطية هي نظام الشعب الخارج عن إطار الدولة. لذلك فإن التقربات القائمة على تناول الديمقراطية كشكل من أشكال الدولة نابعة من التضليل الساعي لوضع الديمقراطية في مكان الجمهورية.

الجديد في المفهوم الديمقراطي

معروف بأن لكل امرئٍ أو فئة أو ذهنية، تعريف خاص بها وتقرب مختلف لمفهوم للديمقراطية. مثال إن الديمقراطية بحسب الليبراليين هي شكل الدولة التي يتوفر فيها إمكانية تمتع الفرد بكافة حقوقه وحرياته، ويعمل فيها كل امرئ بحسب ما يرغب ويرتئي، بحيث لا يناقض ويصارع ويناضل فيها احد مقابل الآخر. أما النظرة الماركسية فهي ترى بأن الدولة مرحلةٌ بينية للانتقال إلى الاشتراكية، وهذا يدل على حاكمية التقرب القائم على تناول الديمقراطية كشكل من أشكال الدولة. وهنا أرى ضرورة التطرق بإيجازٍ لمفهومنا الديمقراطي.

الراديكالية هي إحدى أهم الخصائص في مفهومنا الديمقراطي. فالراديكالية تعني الديمقراطية الخارجة عن نطاق الدولة. بحيث تستند هذه الخاصية على المفهوم الداعي بأنه لن تكون هناك ديمقراطية ضمن وداخل الدولة. بحسب وجهة النظر هذه، من المحال تحقيق دمقرطة الدولة التي تستند على الاستبداد، السلطة، الحاكمية و البنى الفردية والمركزية، إلا أنه يمكن أن يتم إيصال الدولة إلى وضع تصبح فيه متيقظة وحساسة أمام الديمقراطية ( نظام الشعب). هذا التعريف الجديد، يرى بأن نظام البرلمان حتى ولو كان يتحرك بحسب التوجيه الداعي بأن على الديمقراطية أن تكون خارج إطار الدولة هو نتاج النضال الممارس من قبل الشعب من جهة، ومن الجهة الأخرى يُقيّم أيضاً بأنه من خلال النظام البرلماني هذا تتوفر للأنظمة الدولتية إمكانية التقنع أكثر بكثير. فلندع جانباً حل الدولة لقضايا المجتمع، فهو يؤمن بعدم تطوير أية مؤسسة من المؤسسات الدولتية حلاً لصالح الشعوب باعتبارها المنبع الأم لكافة القضايا. لذا يرى النظام القائم خارج نطاق الدولة ضرورة اضطرارية لا بد منها لأجل حل القضايا الاجتماعية. فهذه الخاصية بتثبيتها بأن النضال والمقاومة فقط لا يكفيان لحل القضايا ترى الحل الأمثل في أنظمة الشعوب الجوهرية " الذاتية". 

أما الخاصية الثانية الأساسية هي عمق ديمقراطيتنا. والمقصود بالديمقراطية العميقة هو أن الديمقراطية ليست مسألة أسلوب فقط، بل يتطلب ترسيخها كطراز للحياة في الوقت نفسه. فحتى إن تواجدت الآليات التي تعطي الفرص لانضمام الجميع ضمن الأعمال الإدارية، لن يكون المجتمع المتوطِّدُ هناك في طبيعة الحال هو الديمقراطية، إن لم تكن ديمقراطياً في الحياة. وأفضل مثال على ذلك هو ديمقراطية أثينا. بحيث قام الأثينيون بضم أعداد كثيرة من الناس إلى إدارة الدولة، إلا أنهم لم يستطيعوا تحقيق دمقرطة الحياة. فليس هناك أي حق للمرأة والعبيد والغرباء ضمن نظام أثنيا. هذا ما يفيد بأن الحياة كانت جنسوية و مستبدة وغير عادلة ومتساوية. النظام كان للرجال والمستبدين فقط. وبالتالي فإن مثل هذه الأنظمة القائمة على إعطاء الفرصة لانضمام أكبر عدد ممكن، ما هي إلا في الأساس أنظمةٌ تزيد من قوة الدولة. إذ ترى الدول إمكانية إخفاء وجهها الاستبدادي أكثر ضمن هذه الأنظمة. وترغب الدول من خلال إكساب بعض الحقوق للناس، ضمان تبعيتهم وخضوعهم بلا أي تناقض لنظامها التسلطي. ولهذا السبب بيّنت قيادتنا بأن رئيس وزراء السويد التي تعد أكثر الدول ممارسةً للحقوق والديمقراطية في عصرنا، يعد صاحب قوة وسلطة أضعاف مضاعفة من رئيس وزراء أكثر الدول دكتاتوريةَ. لأن التعسف والاضطهاد في الدول الاستبدادية المتسلطة واضحٌ وعلني، بحيث يرى الجميع ذاته معبوداً مضطهداً ذليلاً ومغلوب الإرادة. أما في الدول المتقنعة بقناع الليونة يتعسر الإنسان فيها الشعور بعبوديته وبحاجته إلى الحرية بسبب ليونة التناقضات من جهة وأسلوب الدول في إخفاء ذاتها بشكل لا مثيل له من جهة أخرى؛ إلى أن يظن الناس بأنهم أحرار غير مضطهدين. وهذا لا يعني سوى إدامة الأنظمة الدولتية الحاكمة لعمرها ومصالحها بشكل أجود وأعمق من ذي قبل. لا نبغي هنا بأن لا تظهر الدولة الليونة في سياساتها أو أن لا تتعرف الدولة على الحقوق، بل أن ما نبتغيه هو التبيان بأن الحل الحقيقي بالنسبة للشعوب لن يكون نظام الدولة حتى ولو ازدانت بالليونة. علماً بأن كل ليونة هي تعميق للنظام ليس إلا.

أما الخاصية الأساسية الثالثة لديمقراطيتنا هي كونها ديمقراطية مباشرة. والمعني بالديمقراطية المباشرة هو قيام الشعب بالذات بالنقاش والتحاور والإقرار والتطبيق بشأن حياته بنفسه. وما وصول النظام الدولتي الموجود إلى وضع يعترف فيه ببعض حقوق المجتمع، سوى نتيجة للتضحيات الجسام التي أعطتها الشعوب ثمناً لذلك. علماً بأن حق المساواة العام في الترشيح والتصويت لم يكن سائداً كما في يومنا الراهن إلا اعتباراً من النصف الثاني من القرن العشرين. أننا نرى وندرك مع مرور كل يوم بشكل أفضل بأن الإدارة الدولتية وعلى الرغم من انتخاب الشعب لها عبر الديمقراطية التمثيلية ( والمقصود هو الجمهورية) لا تكفي لحل القضايا الاجتماعية. لأن المنتخبون وبسبب تخبطهم ودخولهم ضمن المنافع والمصالح الدولتية، يتحركون وهم لا يعلمون شيئاً عن ما يعيشه المجتمع من قضايا. والأمر المؤسف في مثل هذه الأوضاع هو توكيل وترك الناس أمر تطوير المجتمع وممارسة السياسة والتفكير بحل القضايا الاجتماعية للمنتخبين. في حين أن ما يجب على كل إنسان فعله ليلتقي المجتمع بجوهره ولتظهر قواه هو ممارسة السياسة. ولتحقيق ذلك يتطلب وجود آليات يستطيع الجميع من خلالها الانضمام المباشر للتحاور والإقرار في كافة المسائل المتعلقة بهم. ولهذا فإن الكونفدرالية الديمقراطية بكونها نظام المجالس في الوقت نفسه يعد النظام الأمثل لحل القضايا الاجتماعية. فهو نظام لا يتألف من عدة مجالس فقط كما هو الأمر في الديمقراطية التمثيلية، بل أنه نظام المجالس الذي ساد تأسيسه حتى ضمن أصغر وحدة سكنية. مهمة هذه المجالس هي إخراج الطاقة الكامنة لدى الشعب للعيان، وبذل الجهود لإخراج الإنسان من الوضع المزري (تشييئه) الذي وضعه فيه النظام الاحتكاري التسلطي، والعمل على إعادة إنشاء ميزة الجوهر الذات لدى الجميع. لأن المجال ليس مفتوحاً أمام الجميع في النظام الدولتي اليوم. فالمؤسسات الموجودة، ليست في مستوى تستطيع فيه تنمية وتطوير الفرد والمجتمع وإخراج طاقاته. بحيث قام الحكام والمتسلطين بشكل خاص بمنع المجتمع من التدخل في السياسة والعمل السياسي وذلك لضمان تبعية المجتمع وبقائه ضعيفاً، مما جعل السياسية أمراً يخص بالمجتمع الفوقي فقط. ليكون ذلك أهم عامل مؤدي إلى تشييء المجتمع وتحويله إلى رعاع. أن ظهور طاقات المجتمع وقواه الفكرية في مثل هذه الظروف أمرٌ عسير للغاية، لذا يبقى المجتمع في وضع تابع للدولة لعدم توفر القدرات الكافية لديه لحل قضاياه بنفسه. ومن أجله فإن الشعب من خلال الديمقراطية المباشرة سيصل بالتعرف على طاقاته وقواه الحقيقية إلى وضع يتمكن فيه تسيير وتنظيم حياته وحل كافة قضاياه بذاته، دون الرجوع إلى الدولة. لهذا السبب، بدلاً من التضليل والمخادعة الديمقراطية المتحققة في كل فترة انتخابية إلى أخرى، يتطلب النضال بوتيرة عالية إلى أن لا يبقى هناك أحد خارج التنظيم من أجل تطوير الحرية الاجتماعية وخلق الإنسان.

أما الخاصية الأخرى الأساسية هي كون ديمقراطيتنا كومينالية. والمعني بالديمقراطية الكومينالية هو أن الديمقراطية لا بد أن تكون كومينالية. بحيث بينت قيادتنا هذه الحقيقة على شكل المعادلة التالية " الديمقراطي هو كومينالي، والكومينالي هو ديمقراطي". فلأجل تحقيق الديمقراطية التي تعني إدارة الشعب ذاته بذاته لا بد أن يكون الشعب صاحب قوة وإرادة، ولكي يصبح الشعب صاحب قوة وإرادة لا بد كما بينا أعلاه أن تظهر كافة فئات المجتمع طاقاتها للعيان، وتوحد قواها، وتؤسس عقلها المشترك. وواضح بأن تحقيق ذلك لن يتم إلا من خلال التقرب الكومينالي. فإن لم يكن هناك أحد يشعر بالمسؤولية تجاه الآخر، وإن تقرب المرء بفردية وأنانية، وإن جهد كل واحد لأجل ذاته فقط، وقتها لن يكون تبعثر وتشتت المجتمع أمراً لا مفر منه، وبالتالي سيصعب ويتعسر أمرٌ إظهار القوة الاجتماعية للعيان. ولا يمكن لنا في مثل هذه الأوضاع انتظار وتأمل القوة من الشعب. لذا فأن ضعف الشعب يعني الاستمرار في خضوعه وتبعيته للدولة. والطريق الوحيد لإضعاف الدولة وخور قواها هو تقوية وتنمية المجتمع. نستنبط من هذه الحقيقة المعادلة الديالكتيكية (القائمة بين الدولة والمجتمع) التالية:" ضعف المجتمع = قوة الدولة وقوة المجتمع = ضعف الدولة".

فما دامت الديمقراطية تعني القوة الإنشائية والبنيوية للمجتمع، واضح إذاً بأنها لن تتحقق عبر المواقف الفردية والأنانية. بالأصل إن التناقض الموجود فيما بين الدولة والمجتمع من حيث الجوهر اعتباراً من المرحلة الهرمية، يستند على المجادلة فيما بين "الخاص" و"العام". في الوقت الذي كانت فيه ميول الهرمية نحو الإبقاء على "الخاص"، فإن المجتمع الطبيعي بدوره يُصر على الكومينالية. ومن ناحية أخرى فإن الكومينالي يعد ديمقراطياً في طبيعة الحال. لأن الكومينالي هو مجتمعي، قوة الجميع هي الكلان، كما أنه يمكن تناول قوة الجميع على أنها قوته. من المحال أن يبين الكومينالي أي موقف مضاد أو متناقض تجاه المجتمع.

أن الحياة الطبيعية هي كومينالية بالأصل. المجتمعية التي تعني الكومينالية هي الشرط الأولي لوجود الجنس البشري. لذا لا يمكن لأي كائن حي يرغب في الحياة أن ينكر ويغض النظر عن الشروط المحققة لوجوده. البنيةَ الحيويةَ للإنسان تقتضي المجتمعيةَ بالضرورة. أي أن الإنسان مرغم على المجتمعية بما لا ند له في أي كائن حي آخر. ولأجل ذلك نوهت وشددت قيادتنا على ضرورة بذل الجهود الحثيثة والمتواصلة لتحقيق المجتمعية على أساس صحيح من خلال قوله " يتوجب على كل شخص الانضمام والانتساب إلى الكومين، وبين بأنه لن يبعث بالسلام لمن لم ينتسب إليها".  

يتوجب علينا الآن تبني و ترسيخ مصطلح الديمقراطية الذي نهبه المستبدين من الشعوب، في الحياة أكثر من أي وقت آخر. لم تبدأ الديمقراطية من أثينا كما كان يعرف في المراحل السابقة، كما أنها بالمعنى المعاصر ليست خاصة بالبرجوازيين أيضاً. بما أن الكومينالية تعد طراز وأسلوب الحياة المجتمعية، فإنها إذاً تمتد حتى تاريخ المجتمع الأخلاقي والسياسي. إن الديمقراطي لا يمثل الليبرالي المتقنع بألف قناع لين، بل أن الديمقراطي هو من يقدر على إظهار قوة العيش بشكل يناسب ويوائم أخلاق وسياسة المجتمع الطبيعي، أي بمعنى آخر هو الإنسان الاجتماعي الحقيقي بكل معنى الكلمة