الأخلاق ضمن المجتمع

22 مه 2019 چهارشن

أنها مؤسسة معنوية في المجتمع، الأخلاق الفردية، والتي تمزق المجتمع والفرد على حد سواء

بريتان جودي

من العوامل التي طورها الإنسان في أولى التشكيلات الطبيعية للحياة الاجتماعية ليحقق سلامة العيش المشترك فيما بينه، هو العامل الأخلاقي. صارت الأخلاق في كل حقبة اجتماعية عاملاً مؤثراً لدرجة لا يمكن لأي تدبير سياسي أو قوى قانونية أن تبلغها. تدل الأخلاق على كل ما يُعتقد بجماله وفضيلته وصوابه، وما يُقتفى أثره بطواعية وبأواصر وجدانية عميقة، ومالا يكون ضرورياً عن طريق القوانين إلا انه أقوى من أقوى القوانين، وبموجبه يتم العيش وتبيان سلوك الاجتماعي. بهذا المعنى فالأخلاق هي أرضية تتميز بأهمية قصوى لارتباط خلاقية الإنسان وإبداعه بها. بهذا المعنى فالأخلاق التي يمكن تعريفها على أنها مؤسسة معنوية في المجتمع، تلعب دوراً هاماً في تخطي البشرية لازمتها السائدة وبلوغها القيم التي تحافظ على المجتمع وذلك من خلال تداولها بطراز تقدمي وتحرري.

نخص بالذكر هنا مفهوم "الفضيلة" الذي برز مع سقراط، والذي يسلط الضوء على "المسؤولية الاجتماعية للفرد"ويرتأي إتاحة الفرص لتطور المستوى المعلوماتي الشامل والعام لأجل سائر الأفراد. ويعبر عن لغز ذلك في "اعرف نفسك". وإذا قيَّمنا الفضيلة على أنها بلوغ الكمال في كل مجال معني به، فإن ما يقع على عاتق الفرد آنئذ هو بلوغه المطلق للمعلومات اللازمة بشأن العمل الذي يُعنى به، وبالتالي ممارسته الحياة الفاضلة. وهكذا يكون السلوك ذو المسؤولية العالية بالنسبة للفرد هو عبارة عن معيار لأخلاق حميدة. ويتميز مثل هذا السلوك الأخلاقي الذي وضعت أسسه في الزرادشتية قسمياً، بأهمية ملحوظة، حيث يرتأي التحرر ولو بحدود. يمكن لحق الفرد في تعيين مصيره أن يكون ساري المفعول في مفهوم أخلاقي كهذا، مع أن مسار الحركة يرسم بمقتضى القواعد المعنية على أساس القيم المقدسة العريقة الموجودة في المفاهيم العُرفية السالفة، ومن المستحيل التفكير بأي نمط آخر من التطور.

إن الآلهة هي التي تحدد كل شيء وتخطط له بشكل مطلق في النظام العقائدي، أما الفرد فليس من حقه امتلاك أي كيان حتى ولو كان ظلاً. وهنا يكمن مربض مضمون فلسفة العبد. حيث أن أسر الفرد وبالتالي المجتمع ممثلاً فيه يتضح بشكل ضارب للنظر. وبذلك أضحى السلوك الأخلاقي الذي يقتات على العقيدة الدينية والميثيولوجيا، نمطاً للسلطة المطلقة على تصرفات الفرد من خلال الطبائع العرفية المتبقية من الماضي المنصرم.

ثمة وضع سائد الآن يتسم بكونه أكثر رجعية، بل ومعاكساً لما كان عليه الفرد في العهود النيوليتية أو الذي كان يتميز بمستوى ملحوظ من الحرية ولو بشكل جماعي؛ حيث هناك تكبيل كافة الروابط الروحية والذهنية بالأغلال تحت ذريعة "القدر"، والارتباط بذلك عبر أيديولوجية تزعم بأزلية وأبدية هذا الوضع. وقد لعب هذا المفهوم الأخلاقي الذي رسخته الحضارة العبودية في المجتمع على يد الرهبان، دوراً أولياً في صيرورة النظام وديمومته. وهو ذاته المفهوم الأخلاقي الذي حاولت التعاليم الزرداشتية والبوذية والسقراطية الهجوم عليه وتشتيته وتمزيقه ولو قسمياً، وهنا يكمن سبب تسميتهم بالمصلحين ذوي الإرادة العليا. قد يكون التمرد ليس موجهاً تجاه الرب، أي تجاه الحضارة العبودية الرمزية علناً، إلا أن الدرب التي سلكوه وجربوه تتضمن تفتيت هذا النظام أحداث شرخ فيه لصالح الحرية.

لقد صلب عود هذه الخطوات المتحققة في مطلع القرن الخامس ق.م والمتطلعة إلى الحرية، وازدادت رسواً لدرجة ستمهد الطريق في راهننا لبروز أقوى المفاهيم والسلوكيات الأخلاقية وأكثرها رصانةً. وتحظى هذه المسألة بأهمية عظمى بحيث يتحتم النظر إليها كموضوع أساسي في مجال الانتقادات الخاصة بالعصر.

كما أن مفهوم "الأخلاق الفردية، حرية الأخلاق" البارز على أساس نقيض للمفهوم الأخلاقي السائد في نظام "العبد، الرق" الذي استمر حقبة طويلة من الزمن بحيث لا تزال تأثيراته قائمة حتى يومنا الحالي؛ يعكس بكل وضوح وبشكل ملموس خطر أَسرِه للفرد وتأثيره عليه والتحكم فيه بشكل معاكس.

نخص بالذكر هنا هذا المفهوم الأخلاقي الذي وصل قمة رواجه في الحضارة الأوروبية والذي يفرض ضرورة تقييمه من جوانب عديدة وتطوير البديل كشرط حيوي لا بد منه. وإذا لم تبدَ القدرة الكافية على تحليل مفهوم "الأخلاق الفردية" ذاك، والذي ينتهل قوته بلا حدود من العلم والتقنية؛ فانه سيتمخض عن أهوال فظيعة مطابقة لنماذج الحروب الجنونية التي نشبت في القرن العشرين على وجه الخصوص، وسيجعل العيش مستحيلاً في البيئة الملوثة؛ ولن يكتفي بذلك، بل سيتقرب بجسارة عمياء وبلا ضوابط ليحتوي في جنباته المخاطر والأهوال المؤدية إلى إشاعة نظام وحشي وكابوس المرعب تجاه البشرية لدرجة ستبقى فيه الوحشية البدائية المطبقة في النظام البدائي بريئة وشفافة.

من الواضح تماماً حقيقة المعايير الأخلاقية القائمة في البنى الاجتماعية الرجعية _ التقليدية وفي شخصية وحياة المرأة المتخلفة _ المتزمتة فيها، والتي تتسم بمحدوديتها وفرضها تبعية وضيق الخناق، والمعيقة لتبنيها ما تخلقه وتأوجده؛ وكذلك حقيقة الانهيار الأخلاقي السائد في المجتمعات الحديثة، والتي تمزق المجتمع والفرد على حد سواء؛ وما ينجم عن هذه المعايير الأخلاقية من تهميش في شخصية المرأة وحياتها على الأرجح.

بناء عليه فإنه يستلزم على كل مجتمع، أيا كان موقعه الجغرافي، أن يتضمن داخله ارتقاء أخلاقيا جديداً، بحيث ينظر إلى المرأة ويتداولها ويحدد نمط العلاقات معها على أساس كل ما هو جميل وحميد وسليم وحر. وستؤول الحاكمية في المعايير الأخلاقية هذه بالمجتمع إلى التوجه نحو الارتقاء في السلوكيات والمواقف لدرجة هامة.