كدح الحكيم، كانت صفعة في وجه الحكام الواهمين والآلهة المقنعة

22 مه 2019 چهارشن

وطن الشمس، أخرج الحكيم المشط من خرجه، الحكيم الذي يضحي بحياته في سبيل أن يلتحم الجسد

          لم تذهب سدى كدح الحكيم وانشغاله لعشرات السنين بالتربة وببعض ذراتها التي تم تسميمها عمداً، واصفاً انهماكه بالأرض وتنقيته كحفر البئر برأس الإبرة وإخراج المياه منه أو كمن يزرع وردة في صدر صخرة كبيرة، فكيف للوردة أن تنمو في صدر الصخرة من دون تروي ظمأها؟ أجل وطن الشمس مهد الحضارات، ضفاف دجلة والفرات وميزوبوتامية التي تغذت منها البشرية جمعاء، أضحت أرضاً جرداء قاحلة مسمومة، عفى عليها الزمن، لا تنبت فيها شيء إلا الأعشاب الضارة التي تجذب الطفيليات والحشرات الضارة من كل صوب وحدب. تحَّكم المتسلطون بالإنسان والطبيعة، أحفاد أصحاب العمامات الحمراء الواهمين الطغاة جففوا الضفائر الطويلة العظيمة والجداول الغامرة. لم يحرموا أصحاب الأرض الحقيقين للاستفادة من ثمرة أرضه فقط بل استولوا على مراعهم ومنابع، أُخرجوا من ديارهم عنوة في أقاصي الشمال في ألف بحيرة والمناطق الأخرى. ليس هذا فحسب بل تمادوا أكثر من ذلك، شوَّهُ وجه الأرض ولوثوا الأطراف، أعاقوا تدفق جريان الضفائر البيضاء الحرة، ضفائر آلهة الأم المسنة التي تروي ظمأ الأفواه المتعطشة، التي تخلى عنها أولادها منذ أزمان غابرة. حبسوا جريان الضفائر وتدفقها بمئات العقد كأشكال الأحواض الضخمة مثلما يحبسون عشرات الأف من الأبرياء في الظلمات والأقبية الأن. يعتقدون بذلك أنهم سيستطيعون إعاقة مسيرة فرسان وطن الشمس الجبليين الأقوياء وإخماد شعلة المقاومة التي اشتعلت في زنزانات ديار بكر. الحكيم المتجول في الغابات والوديان والبراري من صغره ساعياً لمعرفة أسرار الحياة والطبيعة والمستحكمين بها كان يراقب كل شيء حتى الحشرات الصغيرة كالنملة والنحل وغيرها. الحكيم بحكمته وصبره وجهده الشاق الذي دام قرابة الأربعين سنة وبعد تحليل وتنقيب ودراسة، توصل إلى علل وأمراض هذه التربة ونقص المياه والجفاف الحاصل والعقم الموجود الذي ينخر جسد الأرض. وأخيراً كشف الحكيم الستار عن القوى المتسلطة، الشريرة التي تستحكم بالطبيعة وتدنس حياة المجتمعات.

 

       عندما كانت الأم المسنة مستلقية تحت ظلال الأشجار في الغابات العليا وحيدة، بجانبها مهد صغارها التي تستذكر بها أولادها وتتلهف إليهم راجياً من الله اللقاء بهم ولو مرة واحدة في حياتها. وهي مستلقية وإذ بها تشم رائحة أبناءها وبناتها الذين هجروها. حاولت النهوض لتكتشف مصدر الرائحة لكن جسدها لم تطاوعها فارتدت مرتمية على الأرض، إلا أنها لم تستسلم حاولت النهوض من جديد. لما بصر عينا الأم المسنة بالحكيم وخرقته وهو يخطو نحوها بخطوات ثابت متزن نحو فجر التاريخ, أدركت أن أحد أولادها الصالحين أتى لنجدتها، من شدة الفرح والاشتياق انهمر الدموع بغزارة على وجنتيها كنبع التي تنبع في بدايات الربيع. لم تكن أبصار الأم المسنة أن رأت الآدميين من أزمان غابرة.  لما رأت عينا الحكيم ما رأته فأسرع في خطاه لنجدتها والإمساك بيدها. ضمت الحكيم إلى حضنها في بكاء صارخ هزت أعراش الحكماء والملوك. قال الحكيم هوناً، لا عليك يا أماه. مسك بيد الأم المسنة أخذها إلى بئر الماء الذي حفره برأس الإبرة التي استمرت حفرها أربعين عاماً. شمر الحكيم عن ساعديه وبدأ يُحَمِمُ ويَغتسِلُ أمه مستهلاً بذلك تلك الفرصة ليقص عليها اقتضاباً حكايته التي لا تنتهي ليلة وألف ليلة. اشار إلى أسباب ترك الأم وحيدة في البراري دون الانعكاف عليها ولو مرة واحدة. تحدث عن اغتراب الإنسان عن طبيعته وجوهره وصعود فئة الجشعين إلى رأس الهرم ليتحكموا بالمستضعف والبؤساء. تطرق إلى انعدام العدالة، كما نوه إلى دفاعه المستميت وراء القضبان الحديدية عن شعبه وصراعه مع الحكماء الذين تآمروا عليه وصلّبهُ بأربعة مسامير. أخرج الحكيم المشط من خرجه وبدأ يمشط الضفيرتين الطويلتين البيضاويتين والجدائل الفرعية وغزلها من جديد، ليتدفقا كسيل الجارف لعلها تغمر الجشعين المفسدين معها. كان الحكيم قد عمل بجد ونشاط خلال تلك السنوات التي مضاها في هلال الخصيب. كرس حياته في تنقية تربتها والاعتناء بها، شق قنوات مياه الري إلى عمق مملكة بعل التي ضربها الجفاف وشق الأرض. أجل مد القنوات لتصبح جميع المزارع والحقول والأشجار والنبات مروياً لتزداد نموها وتستمر في إدامة حياتها ومد جذورها إلى قاع الأرض لتقاوم الجفاف والرياح الشديدة والعواصف الرعدية و لتزدهر جميع الأقاليم دون استثناء. كان يقول الحكيم: "ما الضرر في ذلك أن تنبت كل شجرة، كل حقل ومزرعة وكل نبتة ووردة على جذعها على كيانها بلونها وجمالها بنكهتها الخاصة ورائحتها المعطرة. دع الروائع المعطرة الزكية تختلط ببعضها البعض وتتصاعد إلى السماء وتتعانق. لما استخدام المبيدات القاتلة التي تبيد الكائنات والبساتين والزهور من قبل بعض المهوسين الجشعين؟ ما ذنب الزهور الملونة؟ أذنبهم أنهم خلقوا ملونين دون لون واحد؟ ما نكهة الحياة  من دون الألوان والروائح المعطرة. لم يقطع الحكيم أواصره من الثورة الزراعية والمجتمع الطبيعي، ذكريات الآلهة الأم الخالدة لم تكن تغيب من ذاكرته، كان يحن إلى الماضي إلى أيام الغابرة مستمداً طاقته وإلهامه وصبره منها.

 

        وبعد تنقية الحكيم للتربة من الشوائب والمواد السامة وتذويدها بالمعادن المعدنية المفقودة، دبت الحياة في البذور من جديد وشقت طريقها نحو الصعود، مخترقاً بذلك الأحجار التي كانت تحجمها وسقوف كهوف الإسمنتية والقبور الجماعية التي صنعها الملوك وآلهة الأرض. ركعت أمام  شماش آلهة الأجداد، بعد أن امتصت أكبر طاقة من أشعة الشمس المنبثقة التي طالما حرمت منها ثم نقله عبر غصنها بصيص النور والحرارة إلى قعر الأرض، كحزم الضوء وذراتها الملونة التي تخترق سطح الأبحار والمحيطات إلى قاعها لإحياء ملايين الكائنات الحية الصغيرة والكبيرة ولتتراقص الأسماك والحيوانات البحرية وترفرف أجنحتها على بريق ألوان قوس قزح، وزخات الأمطار الربيعية. ولتفتح فراشات الربيع الملونة أجنحتها وتطير من زهرة إلى أخرى حاملة معها بشرى يوم جديد وميلاد جديد. وتكسوا الأرض اخضراراً وتدخل الدفء إلى القلوب الصغير لترجع إلى أوطانها التي هجرتها وتدب الحياة في النفوس ويتحرر القابعين في الزنزانات تحت الأرض ظلماً.     

  

          أجل، ها هي البذور التي زرعه الحكيم في عمق الأرض على ضفاف الفرات ودجلة، في الجزيرة وكوباني وعفرين بدأت تنمو وتتجسد في شعبه المضحي التواق للحرية المقاوم بعد أن شربت من مياه البئر الذي تم حفره بكدح الحكيم. ها هم يحصدون كدح عرق جبينهم الذي طال انتظارها والتي دفعوا ثمنها أغلى ما على قلوبهم. أبناؤها الذين سطروا أروع آيات الفداء والضحية البطولية امثال أرين وگلهات على درب إنانا في المعارك ضد المستبدين والظالمين، قوى الظلام المتمثل في أهريمن على مدرج أوركيش ومشتنور ومنبج مدينة الشعراء. عندما تجاوز الحد حدوده وطاف الكيل فما كان للجبلين الأقوياء أحفاد جوتيوم وكاردوخ أن ينزلوا من على سفوح الجبال الشامخة ويعرض مفاتن عضلاتهم ويقولوا للمعتدي كفاك، الزم حدودك. أجل هكذا هم الكرد اعتادوا وبشكل وراثي ولقرون طويلة أن يحكموا ذاتهم ويديروا نفسهم بأنفسهم، وهي لا تعد من الخطأ في شيء أن يقاوم الكرد الحكام والفاتحين الغزاة القادمين من البعيد بدافع بسط النفوذ والاستيلاء على أراضيهم وأعراضهم وممتلكاتهم. إنهم يدافعون أن أنفسهم فقط, هم لا يعتدون على الأخرين, بل الأخرين يعتدون عليهم. المحتلون والفاتحين عبر التاريخ أرادوا دائماً إخضاع الكرد لحكمهم والركوع أمامهم كالعبيد. لذلك نراهم دائماً في عداء دائم مع المتسلطين سواء أكان المتسلط فاتحاً أم جاراً إمبراطورياً. طريقة حياة الشعب الكردي هي حياة لا تعرف الخضوع والركوع للظالمين الطغاة. الجميع يعلم أن تلك المعارك التي قامت على أرض روج أفا كانت معارك بالوكالة، خدمة لسراي وقصور الحاكم المتوهم الذي يود أن يكون سلطان زمانه الذي دفع بجحود السفاحين ليذبحوا الناس ويستولوا على أعراضهم وكرامتهم. لذلك المعارك التي خاضها مقاتلو الحرية ضد قوى الظلام لم يكن إلا للإبعاد الشر عن دارهم. كانت دفاعاً عن النفس وصوناً لكرامة شعب يدافع هويته وعرضه وترابه وكرامة الإنسانية وقيمها ترسيخاً للعدالة، رافضاً الركوع والخنوع لأحد. أجل كانت صرخة حق تصفع الظالمين والمستبدين والغزاة، ودرساً في علوم التطاول على الغير، خاصة للذين يتوهمون أن يعينوا أنفسهم سلاطين وحكاماً مستبدين على الشعوب.

 

        كيف لا يخشى عبابيد الحاكم الواهم ويتطاولون اقتلاع وقطع أشجار الزيتون رمز السلام التي لها قدسيتها ومكانتها الخاصة، والمذكور في جميع الديانات السماوية من القرآن والانجيل والتوراة وغيرها! شجرة الزيتون التي هي مصدر رزق للفقراء والمساكين منذ ما يقارب الستة ألاف سنة. بدون شك المعدومين من  الرحمة، الذين لا يؤمنون بما تضمنته الكتب السماوية، المقنعين بقناع الدين، أولئك الذين عماهم السلطة، الحكام والملوك العراة المزيفين الذين لا يؤمنون بالله, فقط هم يستطيعون فعل عمل شنيع كهذه. ليعلم الحاكم الذي يتوهم بأن يصبح سلطاناً أنه مهما بنى الأسوار العالية ووضع الأسلاك الشائكة وقتل الأبرياء، فلا يستطيع أن يشق الكرة إلى نصفين إلى كوكبين ولا يستطيع إعاقة مسيرة الحكيم الذي يضحي بحياته في سبيل أن يلتحم الجسد الذي كانوا قطعوه إلى جزئيين ومن ثم إلى أربعة أجزاء. ليرقد أحمدى خاني في مثواه مستريح البال لأن أحلامه يتحقق. ها هو الحكيم أوصل أجزاء الجسد إلى بعضها وألصقه بالشيراز الطبيعي الذي جمعه من جذوع الأشجار الطبيعية, ثم أوصل منظومة الأعصاب التي كانت مقطعة ببعضها وجعل القلب يضخ الدم بشكل انتظامي عبر الأوردة إلى الدماغ الذي كان مشلولاً منذ فترة طويلة. استعاد الجسم عافيته بعدما كان على شفير الموت تنفس أنفاسه الأخيرة. ها هو ينساب ويتدفق كجريان التاريخ. ليعلم ذو الجبهة العريضة الواهم أنه نهض مارد الكرد الذي كان راكداً منذ قرون في فانوسه، استيقظ على نغمات الناي، وألحان الحرية العذبة التي يعزفه الحكيم القابع في الظلمات معزولاً عن العالم وسط البحر منذ ما يقارب العقدين. لقد كسر الحكيم فانوس المارد وتحرر المارد من أسياده وأصبح حراً طليقاً وأنه سوف يأخذ بالثأر من الأسياد والسلاطين والحكام، الذين يظلمون شعوبهم. . لقد كسر المارد قيود الأغلال، سيحارب لنفسه لشعبه لا لأسياده, سيُفزع الحكام ويطاردهم في قصورهم وهم نائمين كل ليلة وكل ساعة. وسيأخذ الثأر من ذو الجبهة العريضة المتوهم على فعله الدميم الذي هدم الأحياء فوق رؤوس ساكنيها العزل وسواها مع الأرض.

 

 

 

منذر شيار