المجتمع الأخلاقي السياسي هو المعيار الأساسي للحقيقة.

22 مه 2019 چهارشن

يُمكِن للمجتمعِ أنْ يتواجَدَ دون وجودِ الدولةِ، والطبقةِ والاستغلال والمدينة والسلطة والقومية. ولكن، لا يُمكِن التفكير في مجتمعٍ خالٍ من الأخلاقِ والسياسة.


عبد الله أوجلان

معلومٌ أنه ثمة نماذجٌ مختلفةٌ مطروحةٌ بشأنِ الميدانِ الاجتماعيّ. المواقفُ المعروفةُ والمُتَّبَعةُ بالأكثر، والتي تَتَّخِذُ مِن الدولةِ عموماً والدولةِ القوميةِ على وجه الخصوص عنصراً أو مُكَوِّناً أساسياً لها، تعتمد بالأغلب على منظورِ طبقةِ البورجوازيةِ الوسطى. حيث تَبحَثُ في التاريخِ والمجتمعِ وِفقَ مِحوَرِ مشاكلِ الدولِ مِن إنشاءٍ وانهيارٍ وانقسام. هذا التيار، الذي يُعتَبَرُ أَحَدَ نماذجِ السلوكياتِ الأكثر سقماً وسطحيةً في واقعِ المجتمعِ التاريخيّ، لا يَذهَبُ في دورِه أبعدَ مِن كَونِه مفهومَ التعليمِ الرسميِّ للدول. فهدفُه الأوليُّ هو تأديةُ دورِ أيديولوجيةِ شرعنةِ الدولة. وهو يخدمُ تعتيمَ وإخفاءَ قضايا التاريخِ والمجتمعِ المعقَّدة، أكثرَ مِن كَونِه تنويرياً. إنه مِن أكثرِ المواقفِ السوسيولوجيةِ التي لا شأنَ لها.

أما المواقفُ الماركسية، التي اختارت الطبقةَ والاقتصادَ مُكَوِّناً أو وحدةً أساسيةً لها، فسَعَت لصياغةِ نفسِها كنموذجٍ بديلٍ تجاه عنصرِ الدولة. إنّ اختيارَ الطبقةِ العاملةِ والاقتصادِ الرأسماليِّ نموذجاً اجتماعياً أولياً للبحث، قد تَضَمَّنَ عيوباً جِدَّ هامة، رغمَ مساهمتِه في إيضاحِ التاريخِ والمجتمعِ من حيث بُناهما الاقتصاديةِ والطبقيةِ وأهميتِها. إنّ نظرةَ هذا الموقفِ للدولةِ والمؤسساتِ الأخرى من البنيةِ الفوقيةِ على أنها ثمرةُ البنيةِ التحتية، وتقييمَها كانعكاساتٍ بسيطةٍ عنها، قد مَهَّدَ الطريقَ للانزلاقِ نحو الاختزاليةِ المسماةِ بالاقتصادوية. والاختزاليةُ الاقتصاديةُ أيضاً عَجِزَت عن النجاةِ من عَيبِ تعتيمِ وحجبِ واقعِ المجتمعِ التاريخيِّ ذي العلاقاتِ المتكاملةِ والمعقَّدةِ للغاية، تماماً مثلما هي حالُ اختزاليةِ الدولة. كما أنّ نقصانَ تحليلِها بشأنِ السلطةِ والدولةِ بشكلٍ خاصٍّ فَتَحَ الطريقَ أمام عدمِ بلوغِ الطبقاتِ والشعوبِ الكادحةِ المسحوقةِ التي زَعَمَت الحِراكَ باسمِها إلى التعبئةِ والتسلحِ الكافي أيديولوجياً وسياسياً. فمفهومُها في هدمِ السلطةِ والدولةِ المنفعيةِ والتآمرية، وفي إعادةِ إنشائها بالكفاحِ الاقتصاديِّ الضيق، قَدَّمَ الخدماتِ للرأسماليةِ بقدرِ أيديولوجيتِها الليبراليةِ الخاصةِ بها على الأقل. والواقعُ الصينيُّ والروسيُّ يُنِيرُ هذا الموضوعَ بأفضلِ الأشكال.

لَطالما تُصادَفُ المواقفُ الساعيةُ لتفسيرِ التاريخِ والمجتمعِ على أنهما عبارة عن قوةِ السلطةِ وزُمَرِها فحسب. إلا أنها مواقفٌ معلولةٌ أيضاً بقدرِ تلك التي تختارُ نموذجَ الدولةِ أساساً. فرغمَ كَونِ السلطةِ عنصرَ بحثٍ أكثرَ شمولية، إلا أنها تفتقرُ لكفاءةِ إيضاحِ الطبيعةِ الاجتماعيةِ بمفردها. السلطةُ الاجتماعيةُ تَتَّسِمُ بجوانب توضيحيةٍ عندما تَكُونُ موضوعَ بحثٍ هامٍّ جداً، لكنّ اختزاليةَ السلطةِ مشحونةٌ بالعيوبِ والنواقصِ المشاهَدةِ في كلِّ أنواعِ المفاهيمِ الاختزالية.

النوعُ الآخر من المواقفِ التي نُواجِهُها مِراراً هو البحثُ في المجتمعِ وكأنه حالةٌ مِن التطوراتِ العلائقيةِ الانفراديةِ اللانهائيةِ التي تَغِيبُ فيها القواعد. هذه المواقفُ النسبيةُ المفرطة، التي نكاد لا نتمالكُ أنفسَنا من توصيفها بنموذجِ السلوكِ الأدبيِّ التصويريّ، لا تؤدي إلا إلى التِّيهِ داخلَ الغاباتِ الاجتماعية. أما نماذجُ الموقفِ الشموليِّ المفرط، والتي تَبدو معاكسةً للسابقةِ ظاهرياً، ولكنها تؤدي نفسَ الدورِ جوهرياً؛ فتسعى لتعريفِ المجتمعِ ببضعةِ قوانينِ التجريدِ الفيزيائيِّ السطحية. يَبدو أنّ هذا الموقفَ أكثرُ من يَخدمُ التعميةَ مقابلَ التنوعِ الغنيِّ للمجتمع. في حين أنّ مفهومَ المجتمعِ الوضعيِّ جديرٌ باستذكاره كأكثرِ النماذجِ فظاظةً، لِمَا يحتويه في أحشائه من نسبيةٍ مفرطةٍ وشموليةٍ مفرطةٍ في آنٍ معاً.

بالمستطاع تعريفَ مدرسةِ علمِ الاجتماع الذي يَفتَرِضُ البحثَ والتَّحَرّيَ في حالةِ نشوءِ الطبيعةِ الاجتماعية وتَطَوُّرِها تأسيساً على المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، بأنها نظامُ الحضارةِ الديمقراطية. لمدارسِ علمِ الاجتماعِ المختلفةِ مُكَوِّناتُها وعناصرُها المتباينةُ في حقلِ البحث. فالثيولوجيا والدين يَتَّخِذان من المجتمع أساساً. بينما تتأسسُ الاشتراكيةُ العلميةُ على الطبقة. والفردُ هو المُكَوِّنُ الأساسيُّ في الليبرالية. ومثلما هناك المواقفُ المعتمِدةُ أساساً على الدولةِ والسلطة، فالمواقفُ التي تَتَّخِذُ المدنياتِ أساساً ليست بالقليلة. وكما نَوَّهتُ مِراراً، فكلُّ هذه المواقفِ المستندةِ إلى عنصرٍ ما، تَعَرَّضَت للانتقاداتِ كثيراً، بسببِ عدمِ كونها مواقفَ تاريخيةً أو كُلِّيَّاتِيّة. فأيُّ بحثٍ ذي معنى أو قيمة، عليه التركيز على النقاطِ الحياتيةِ بالنسبة للمجتمع. وعلى التاريخِ والحاضرِ أنْ يَجِدا معانيهما في تلك النقاطِ أساساً. وفي حالِ العكس، فالبحوثُ لن تذهبَ أبعدَ مِن كونها قصصاً، لا غير.

إنّ تحديدَنا لعنصرِنا الأساسيِّ بأنه المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسي، إنما يتسمُ بالأهمية، مِن حيث اشتمالِه على الأبعادِ التاريخيةِ والكُلِّيِّاتِيّة. فالمجتمع الأخلاقيُّ والسياسيُّ هو سردُ المجتمعِ الأكثر تاريخيةً وتكامُلاً. بل وبالمقدورِ قراءةَ الأخلاقِ والسياسةِ بِحَدِّ ذاتَيهما كتاريخ. المجتمعُ المتحلي بالبُعدِ الأخلاقيِّ والسياسي، هو الأقرب إلى إجماليِّ نشوئِه وتَطَوُّرِه المتكامل. حيث يُمكِن للمجتمعِ أنْ يتواجَدَ دون وجودِ الدولةِ والطبقةِ والاستغلال والمدينة والسلطة والقومية. ولكن، لا يُمكِن التفكير في مجتمعٍ خالٍ من الأخلاقِ والسياسة. قد يتواجدُ حينها كمستعمَرة أو كمنبعٍ للموادِّ الخامِ بالنسبة لقوى أخرى، وبالأخص لاحتكاراتِ رأسِ المال والدولة. وفي هذه الحالة، فموضوعُ الحديث هو إرثُ أو بقايا مجتمعٍ خارِجٍ من كينونته.

لا معنى لإلصاقِ ألقابِ أو صفاتِ العبودية أو الإقطاعية أو الرأسماليةِ أو الاشتراكية بالمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، الذي يُعَدُّ حالةً طبيعيةً للمجتمع. أو بالأحرى، فتعريفُ المجتمعاتِ بتلك الأوصاف، سيؤولُ في معناه إلى إسدالِ الستار على واقعِ المجتمع، واختزالِه إلى مجردِ عناصر (الطبقة، الاقتصاد، والاحتكار). وما الانسدادُ الذي نَتَلَمَّسُه في سرودِ الحلِّ المتأسسةِ على هذه المصطلحاتِ ضمن إطارِ نظريةِ التطورِ الاجتماعي وممارستِه، سوى بسببِ النواقصِ والأخطاءِ التي تحتويها في مضامينها. وبَعدَما آلَت كلُّ تحليلاتِ المجتمعِ المذكورةِ بهذه الصفات، والقريبةِ من الماديةِ التاريخية، إلى هذا الوضع؛ فمن الواضحِ أنّ السرودَ ذاتَ القيمةِ العلميةِ الأكثر هشاشةً ستغدو أكثر انسداداً وعُقماً. بينما السرودُ ذات الأبعادِ الدينية، ورغمَ شرحِها المستفيضِ والمكثفِ لأهميةِ الأخلاق؛ إلا أنها أحالَت البُعدَ السياسيَّ إلى الدولةِ منذ زمنٍ بعيد. أما المواقفُ البورجوازيةُ الليبرالية، فلا تقتصرُ على حجبِ المجتمعِ ذي الأبعادِ الأخلاقيةِ والسياسية، بل ولا تتوانى في الوقتِ نفسه عن شنِّ الحربِ ضده في كلِّ نقطةٍ منه كلما سَنَحَت لها الفرصة. فالفرديةُ حالةُ حربٍ معلَنةٍ تجاه المجتمع بما يُماثِل حالةَ الدولةِ والسلطةِ تجاهه بأقلِّ تقدير. والليبراليةُ في معناها أساساً إضعافٌ لقوةِ المجتمع (تصييره مجتمعاً لاأخلاقياً ولاسياسياً)، كي يَكُونَ عُرضَةً لشتى هجماتِ الفردية. أي أنّ الليبراليةَ أيديولوجيةٌ وممارسةٌ هي الأكثر عِداءً للمجتمعية.

أما نظامُ الحضارةِ الديمقراطية، الذي يُمكِننا رسمَ إطارِه ضمن هكذا فرضياتٍ على الصعيدَين البراديغمائي والأمبريقي (النظري والعملي)، فإذا ما عَرَضنا مرةً أخرى الخصائصََ المعنيةَ بِمُكَوِّنِه Birim الأساسيّ على شكلِ بنودٍ أولية:

١- المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسي هو الخاصيةُ الرئيسيةُ الواجب البحثَ عنها باستمرار منذ بدء نشوءِ المجتمعِ البشريِّ إلى حين زواله. فالمجتمعُ أساساً أخلاقيٌّ وسياسيّ.

٢- المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسي يَتَّخِذُ مكانَه في القطبِ المقابل لِنُظُمِ المدنيةِ المتصاعدةِ على ركيزةِ ثالوثِ المدينة – الطبقة – الدولة (والبنية الهرمية ما قبلها).

٣- المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسي يتنامى ضمن تناغُمٍ وتواؤمٍ مع نظامِ الحضارةِ الديمقراطية، باعتباره تاريخَ الطبيعةِ الاجتماعية.

٤- المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسيّ هو المجتمعُ الأكثر حرية.

٥- لا يُمكن الحديثَ عن أيةِ ديناميكيةٍ مُحَدِّدةٍ أخرى تُحَرِّرُ المجتمعَ وتُحافظُ عليه حراً، بقدرِ ما يَقُومُ به عَمَلُ النُّسُجِ والأجهزةِ الأخلاقيةِ والسياسية. كما ليس بمستطاعِ أيٍّ مِن الثوراتِ والبطولاتِ أنْ تتحلى بالقدرةِ على تحريرِ المجتمعِ بقدرِ البُعدِ الأخلاقيِّ والسياسي. علماً أنّ الثوراتِ وأبطالَها لا يمكنهم أداءَ دورٍ مُعَيِّنٍ إلا بنسبةِ مساهمتهم في المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي.

٦- المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسي مجتمعٌ ديمقراطي. ولا يُمكِن للديمقراطيةِ أنْ تكتَسِبَ معناها إلا بالتأسيسِ على وجودِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، الذي هو مجتمعٌ منفتحٌ وحر. فالمجتمعُ الديمقراطيُّ الذي يُصبح فيه الأفرادُ والجماعاتُ ذواتاً فاعلة، هو بالمقابل شكلُ الإدارةِ المُطَوِّرَةِ للمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ بالأكثر. أو بالأصح، نحنُ نُسَمّي وظيفيةَ المجتمعِ السياسيِّ أصلاً بالديمقراطية. أي أنّ السياسةَ والديمقراطيةَ مصطلحان متكافئان بالمعنى الحقيقي. فإذ ما كانت الحريةُ البيئةَ التي تُعَبِّرُ فيها السياسةُ عن ذاتها، فالديمقراطيةُ نمطُ تنفيذِ السياسةِ في هذه البيئة. بالتالي، يستحيلُ أنْ يَكُونَ ثالوثُ الحريةِ والسياسةِ والديمقراطيةِ خالياً من الدعامةِ الأخلاقية. بل وبمقدورنا تسميةَ الأخلاقِ بالحالةِ التقليديةِ المتمأسسةِ للحرية والسياسةِ والديمقراطية.

٧- المجتمعاتُ الأخلاقيةُ والسياسيةُ على تنافُرٍ وتناقضٍ جدليٍّ متبادلٍ مع الدولةِ كتعبيرٍ رسميٍّ عن شتى أشكالِ رأسِ المالِ والمُلكيةِ والسلطة. فالدولةُ تسعى دائماً إلى إحلالِ القانونِ مَحَلَّ الأخلاقِ والحكمِ البيروقراطيِّ مَحَلَّ السياسة. وعلى كِلا طرفَي هذا التناقضِ المستمرِّ طيلةَ التاريخ، تتطورُ المنهجيةُ الرسميةُ للمدنيةِ الدولتية وغيرُ الرسمية لنظامِ الحضارةِ الديمقراطية. هكذا يَظهرُ اتجاهان مختلفان لمعنى دراسةِ الرموز Typology. أما التناقضاتُ القائمة، فإما أنْ تَحتَدِمَ بِشِدّة مؤديةً إلى الحرب، أو أنْ تتجهَ نحو الوفاقِ مؤديةً إلى السلام.

٨- السلامُ فيما بين قوى المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ وقوى الاحتكارِ الدولتيّ ممكنٌ بإراداتِها في الحياةِ المشتَرَكةِ ضمن أجواءٍ تَغِيبُ فيها الأسلحةُ والتقتيل. ذلك أنّ أوضاعَ السِّلْمِ المشروط، والمُسَمّاةَ بالوفاقِ الديمقراطيّ، هي التي تَسُودُ في التاريخ، أكثرَ مِن سيادةِ إفناءِ المجتمعِ للدولةِ أو الدولةِ للمجتمع. فالتاريخُ لا يُعاشُ كحضارةٍ ديمقراطيةٍ بوصفها تعبيراً كلياً عن المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، ولا كنُظُمٍ مدنيةٍ بوصفها تعبيراً كلياً عن المجتمعِ الطبقيِّ والدولتي. بل يُعاشُ كحالاتٍ تتعاقبُ فيها أوضاعُ الحربِ والسِّلمِ ضمن علاقاتٍ وتناقضاتٍ متداخلةٍ كثيفة. وإلى جانبِ كونِ التدخُّلِ الفوريِّ بالثوراتِ العاجلةِ بهدفِ إزالةِ هذا الوضعِ المستمرِّ منذ خمسةِ آلافِ عام على الأقل يُعَدُّ يوتوبيا خيالية، فإنّ قَبولَ الجريانِ المتدفقِ منذ الماضي السحيقِ كما هو وكأنه قدرٌ محتوم، وعدم التدخلِ في مجراه، لا يُمكِن أنْ يَكُونَ وضعاً أخلاقياً أو سياسياً سليماً. بينما المواقفُ الإستراتيجية والتكتيكية الأكثر معنىً ونَيلاً للنتيجة، تتجسدُ في تلك التي تُوَسِّعُ مجالَ الحرية والديمقراطيةِ في المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، إدراكاً منها بأنّ نضالاتِ الأنظمةِ ستَكُونُ طويلةَ المدى.

٩- يؤدي تعريفُ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ بِصِفاتٍ متعاقبةٍ كالمشاعيِّ والعبوديّ والإقطاعي والرأسمالي والاشتراكيِّ دوراً حاجِباً بدلاً من الكشفِ والتوضيح. لا ريب أنه، ومثلما لا مكانَ لصفاتِ العبوديةِ والإقطاعية والرأسماليةِ ضمن المجتمع الأخلاقيِّ والسياسي، فبالإمكانِ العيشَ معها ضمن وفاقٍ مبدئيٍ وعلى مسافةٍ ملحوظةٍ منها، وبمنوالٍ محدودٍ وحَذِر. المهمّ هو عدم إفنائها، وعدم التعرضِ للابتلاع على يدها؛ بل تحديد حيزِ مجالاتها وقواها دائماً عبر تَفَوُّقِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. أما النظمُ المشاعيةُ والاشتراكية، فيُمكِن مساواتَها مع المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ بقدرِ ما تَكُونُ ديمقراطية. في حين لا يُمكِن مطابقتَها كحالةٍ من الدولة.

١٠- لا يُمكِن أنْ يَكُونَ للمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ أهدافٌ عاجلةٌ مِن قَبيلِ التحولِ إلى دولةٍ قومية، أو اختيارِ دِينٍ ما، أو الاندفاعِ وراءَ نظامٍ خارجَ نطاقِ الديمقراطية. أما حقُّ تحديدِ أهدافِ ونوعيةِ المجتمع، فلا يُحَدِّدُه إلا الإرادةُ الحرةُ للمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. أي أنّ الإرادةَ والتعبيرَ الأخلاقيّان والسياسيّان للمجتمع هما اللذان يُحَدِّدان النقاشاتِ والقراراتِ المرحليةَ بقدرِ صياغتِهما للقراراتِ الإستراتيجية أيضاً. الأساسُ هنا هو النقاشُ والتحلي بصلاحيةِ صناعةِ القرار. والمجتمعُ الذي يُمسِكُ بزمامِ هذه القوة، بمستطاعه تحديدَ خياراته بأكثرِ الأشكال سلامةً. ولا يَحُقُّ لأيِّ فردٍ أو قوة التحلي بالقدرةِ على اتخاذِ القراراتِ باسمِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. هذا ولا تَسري هندسةُ المجتمع على المجتمعاتِ الأخلاقيةِ والسياسية.

على ضوءِ هذه التعاريف التي سردتُها بإسهاب ومِن نواحي عدة، سيُلاحَظُ أنّ الطبيعةَ الاجتماعيةَ قد تَواجَدَت واستَمَرَّت على الدوام في جوهرِ نظامِ الحضارةِ الديمقراطية بهيئةِ تكاملٍ أخلاقيٍّ وسياسيٍّ كلي، بوصفها الوجهَ الآخرَ لتاريخِ المدنيةِ الرسميّ. فرغمَ كلِّ أشكالِ القمعِ والاستغلالِ للنظامِ العالميِّ الرسمي، إلا أنه سادَ العجزُ عن إفناءِ الوجهِ الآخر من المجتمع. إذ يستحيلُ إفناءَه أصلاً. فمثلما لا يُمكِن للرأسماليةِ الاستمرارَ بوجودها دون وجودِ المجتمعِ اللارأسمالي، فالمدنيةُ أيضاً كنظامٍ عالميِّ رسميِّ لا يُمكِنها الاستمرارَ بوجودها دون وجودِ نظامِ الحضارةِ الديمقراطية. وبشكلٍ ملموسٍ أكثر، لا يُمكِن للمدنيةِ الاحتكاريةِ الاستمرارَ بوجودها دون وجودِ الحضارةِ اللااحتكارية. والعكسُ غير صحيح. أي أنّ الحضارةَ الديمقراطيةَ كنظامِ تدفقٍ تاريخيٍّ للمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، يُمكِنها الاستمرارَ بوجودها بمنوالٍ أكثر يُسراً وخُلُوّاً من العوائق دون وجودِ المدنية الرسمية.