النمرودية والذهنية الأحادية المتسلطة

23 مه 2019 پنج ش

لون هذه الأراضي هو لون قوس قزح، سيتحول هذا الوطن المشترك عناداً ورغماً عن النماردة الذين يرغبون في تلوين كل شيء بلون واحد، إلى حديقة زهور ملونة بيد أولاده وبناته الهاويين والمحبين للحرية

 

علي حيدر قيتان

نعيش ضمن عالم قد تصحر من الناحية الثقافية، والأمر المؤلم بأن تركيا تمثل الزاوية الأكثر قحلاً من هذه الصحراء الواسعة التي هي أثرٌ ونتاجٌ من نتاجات النظام الرأسمالي البعيدة كل البعد عن الأخلاق الإنسانية. ومما لا شك فيه بأن الصحراء هي أفقر جغرافية من ناحية الحياة. أي أن الحياة هي من أكثر الأشياء التي يشعر الإنسان بفقرها وعدم وجودها في الصحراء. اللون الرصاصي أو الرمادي هو لون الصحراء الحارة البائد، وهو في  نفس الوقت يمثل لون الموت أيضاَ. بالمقابل  فإن اللون الأخضر الذي لم تتعرف وتتعود عليه الصحراء البتة يشير إلى لون الحياة الأساسي. وعلى ما أعتقد فإن اللون الرمادي هو لون جهنم أيضاً لأنه يتم تعريف جهنم بنفس الصفات والمميزات التي يتم بها تعريف الصحراء على الأغلب. أما اللون الذي يميز الجنة في كافة الأوقات هو اللون الأخضر الذي لا يأذن لأي لون لأن يحل محله إطلاقاً. أما الميزة الأخرى والأساسية التي تميز الصحراء عن غيرها من الأماكن هي ميزة الثبات والجمود. وغالباً ما يتم تعريف سلوك أو موقف الشيء المحكوم بالموت بالثابت أو الجامد لأنه عديم الحركة. إلا أننا نستطيع القول بأن التفتت والتشتت هما الحركة الوحيدة التي تتم في الجسد الجامد الغير متحرك أو ( الميت) بعبارة أصح.

أول شيء يخطر على البال لدى التحدث عن الأخضر هو فصل الربيع. أليس الربيع هو نهر الحياة الصاعد من أعماق طبقات التراب المتفتتة والمتعفنة إلى سطح الأرض ليسيل ويديم بحثه وجريانه في مسيرة الحياة؟ أليس هو تزين عالمنا بالاخضرار والألوان الزاهية بعد شتاء قارس عقيم وجامد؟. من هذا المنظار فإن الربيع بمعنى من المعاني هو تمرد الحي ( الحيوية) ضد الموت. الأخضر هو بالفعل نوع من الألبسة التي تلبسها الطبيعة، بحيث تلبس كل نبتة موجودة من عالم النباتات لباس من هذا اللون. أما الرصاصي أو الرمادي فهو لون التشابه والتماثل والعينيَّة، وما العينيَّة والموت هما واحد من حيث الجوهر. يديم نهر الحياة الذي يسيل جريانه بمضاعفته للتنوع والفوارق. التنوع في جوهره لغةٌ، هو لغة الحرية، هو شكل من أشكال التعريف بالذات، وإن صح التعبير هو الحالة التي يعلم ويميز فيها الشخص ذاته. يمكننا تعريف وذكر الحركة مع البركة. لأنه وجود التنوع مرتبط بالحركة، أي أن الحركة تؤدي إلى التنوع. أما الموت الذي يعبر عن الجمود والتفتت والانحلال فلا لغة له، لذا لا يتم تعريف الموت بكل سهولة.

الإلهي هو الذي يعرب عن عظمته في الغنى الللامحدود الذي يخلقه. الخلق والإبداع الإلهي لا يشبه عمل الصانع الذي يصنع الفؤوس التي لا يمكن تمييز أحدها عن الأخرى. الألوهية هي غنى المعنى الللامحدود، بحيث أن الحرية المطلقة تتساوى مع قوة المعنى اللانهائية هذه. مبدأ الخلق والإبداع هو المبدأ الذي يضيف على كل تكوين من أثاره معنىً خاص بذلك التكوين. أي أن كل  تكوين يضع اختلافه عن غيره من التكوينات الأخرى من خلال قوة المعنى الخاصة به. وهنا يمكن التبيان بأن قوة المعنى المتوحدة مع التنوع هي الحرية بأم عينها. من الخاطئ رؤية الحرية كميل وهدف خاص بالإنسان فقط. إذ أن كل ما في الكون من مكونات يطمح للحرية. لذا يمكن القول بأن الحرية هي هدف الكون. الوجود هو إعطاء المعنى، وإدراك المعنى هو الحرية. كان البوليس الذي يبحث عن الفتاة الشابة يقول في فيلم كان يتناول النضال ضد الدكتاتورية  بأن "الإله موجود ضمن المطر".  فإن ما قاله هذا البوليس صحيح، إلا أنه يجب الإضافة بأن الإله موجود ضمن كافة مكونات الكون وليس فقط المطر. أي إن الإلهي موجود في كل مكان وضمن كل الأشياء. فالتكوين يعني السير نحو التأله. بحيث يمكننا رؤية هذه المسيرة على أنها مسيرة الاجتهاد والسعي من أجل اجتياز النقص والضعف الموجود في الذات وهو ما يعني (تجاوز الذات). شعور الإنسان ضمن هذه المسيرة المحال تعريفها وتعبيرها بلغة الرياضيات بأنه في كل خطوة يخطوها ضمن هذه المسيرة يقترب من المطلق ما هو إلا العشق بذاته. ومثلما بين القائد عبد الله أوجلان بأن العشق هو الهيجان الكبير المدرك من لغة تكوين الكون.

يتميز المجتمع والإنسان أيضاً بالتنوع والتعدد بقدر ما يتمتع به عالم الحيوان والنبات. وهذا التنوع يبين ذاته للعيان في حقيقة اللغة، الهوية والثقافة. علينا تناول وتقييم التنوع الثقافي والهوياتي هو الوضع الأكثر تناسباً وتلاءماً لطبيعة الإنسان الذي يعيش الحرية بأكثر أشكالها تعمقاً. بالطبع هناك مميزات كونية مشتركة في الإنسان بحيث تجعله إنساناً وتميزه عن تكوينات الكون الأخرى. فمثلاً هناك مميزات مشتركة في الإنسان سواء أكان ذاك الإنسان كردياً أو روسياً أو هندياً أو أي إنسان آخر يعيش في أي مكان من هذا العالم. مع العلم بأن الإنسان صاحب علاقة وصلة قرابة مع كافة المكونات الموجودة في الكون. ولكن هذا الوضع لا يرفع من الوسط وجود التنوع و الحريات الثقافية والهوياتية. فإن لم تكن الحرية هي تطوير وحماية كل تنوع موجود في عالم الوجود لحرياتها الذاتية، والانضمام إلى السيلان الكوني فما هي الحرية إذا؟ يمثل كل إنسان لم يغترب عن جوهره وحقيقته غنىً و عالماً بحد ذاته. لأجل ذلك يقال بأن كل من يقتل إنساناً يقتل عالماً بأكمله في حقيقة الأمر.

مما لا شك فيه بأن الإنسان هو كيان الطبيعة الخارق والأجمل إطلاقاً. إلا أن مبالغة الإنسان لذاته بشكل زائد عن الحد سيحوله إلى وحش وبلاء ليس فقط على الطبيعة بل سيتحول إلى بلاء على أبناء جنسه أولاً. والتاريخ شاهد عيان على الكثير من هذه الأمثلة. بحيث وجد الكثير من الفراعنة والنماردة الذين أعلنوا ذاتهم كآلهة في التاريخ. وما النبوة هي أهم عرف للمقاومة في التاريخ ناضل بلا هوادة ولأطول فترة ضد هؤلاء الفراعنة والنماردة. فقد كانت كل كلمة تخرج من أفواه هؤلاء النماردة والفراعنة بمثابة قانون يحكم ويفرض أبشع أساليب الظلم بحق الإنسانية. فقد كانوا ينظرون ويرون كل من يحيا تحت حكمهم كمجرد أشياء يستخدمونها كيفما يشاءون ويرغبون، لدرجة أنهم كانوا يستخدمون العبيد كأي آلة من الآلات. أي كان العبيد بالنسبة لهم آلة منتجة ليس إلا. وما مصطلح جهنم في حقيقته إلا تعبير عن حقيقة الحياة الذليلة والبائسة التي كان يعيشها المجتمع التحتي. فما كان يرغبه كل فرعونٍ ونمرودٍ هو ترسيخ الجمود والتجانس والعينية والتماثل ضمن المجتمع. إذ ليس هناك أي صلة للتعدد والتنوع الذين هما لغة الحرية مع عالم النماردة والفراعنة إطلاقاً.

لا تنظروا إلى إعلان حزب العدالة والتنمية (AKP) ذاته كحزب إسلامي، لأن الإله الحقيقي بالنسبة لهذا الحزب هو الدولة-القومية التي تعمل على إبادة وصهر كافة الهويات الثقافية والأثنية التي يجب رؤيتها على أنها أعظم غنىٍ ضمن بوتقتها. قوموا بتحليل وتعليل معنى هذه الكلمات الفائحة بالموت التي ينطق بها أردوغان في الميادين مراراً وتكراراً " ماذا قلنا؟ لغة واحدة. ماذا قلنا؟ دولة واحدة. ماذا قلنا؟ قوم واحد. ماذا قلنا؟ وطن واحد!". هذه هي الكلمات التي يعيد حزب العدالة والتنمية تكرارها في كل مرة مقابل طلب الشعب الكردي لحقه في الحياة و حرية الهوية والثقافة. معاذ الله، فهو يضع ذاته المحترمة في محل الله. إن ما يريده هذا الرجل بكل إصرار هو إبقاء هذه البلاد التي تستعد لدخول الربيع بطليعة فتيانها وفتياتها الأشاوس، إما ضمن صيف الصحراء الجاف والقح أو ضمن ظروف شتاء القطب القارس. فالفرعون يستمر في تسيير وتطبيق ما يشير إليه حتى ولو علم بأن الإصرار في الخطأ سيؤدي بالبلاد نحو المهالك العصيبة. يعاش اليوم صراع أعنف وأصعب من الصراع فيما بين الفرعون والنبي موسى هو الصراع القائم فيما بين الأكراد وحزب العدالة والتنمية ( AKP) وقيادته نمرود.  وهو ما يعني بأن الصراع فيما بين القداسة واللعنة مازال مستمراً يديم وجوده إلى يومنا الراهن. بحيث أن اللعنة تمثل ذهنية الدولة- القومية الأحادية والقداسة تمثل إصرار الشعب الكردي في الحياة الحرة.

لقد حول نمرود هذه الدولة- القومية الذي يجعلنا نقرأ الرحمات لأسلافه المستبدين الذين بعثوا اليهود الموجودين في بلادهم إلى غرف الغاز، عموم البلاد وعلى رأسها الجغرافية التي يعيش فيها الشعب الكردي إلى غرف غاز كبيرة. يبين بوليس AKP الذي لم يعد يوجد أي فرق بينه وبين كاستابو (Gestapo)، من خلال ممارساته التعسفية " إنني سأفعل بكم، كما فعل هتلر باليهود، أي سأجعلكم تعيشون وتجترون ما عاشه اليهود واجتره على يد هتلر". هل سينجح في ذلك؟ إطلاقاً لا! مهما يكن ومهما سيحدث، سيخسر الفراعنة والنماردة في هذا الصراع.

لون هذه الأراضي هو لون قوس قزح. سيتحول هذا الوطن المشترك عناداً ورغماً عن النماردة الذين يرغبون في تلوين كل شيء بلون واحد، إلى حديقة زهور ملونة بيد أولاده وبناته الهاويين والمحبين للحرية. أي أن المقدس، يسير نحو النصر المؤزر.