المجتمع و الثقافة

23 مه 2019 پنج ش

هي الطبيعة المتغيِّرة بالذكاء، قوة التقاليد الثقافية ورصانتها تنتظر الفرصة السانحة لتكتسب الحيوية، والقضاء على الهيمنة الذكورية المتسلطة


الإنسان كائن  يتطور بالترابط مع الثقافة التي هي نتاج ذكائه هو. والثقافة بأوسع معانيها، هي الطبيعة المتغيِّرة بالذكاء. ويتحقق ذلك بالارتباط بتطور اللغة التي هي حصيلة لا بد منها للمجتمعية وطراز الحياة ومفهومها وعلاقاتها من ناحية، وبديالكتيك اليد ـ اللغة ـ الفكر من ناحية ثانية. وقد تواجدت القيم الثقافية ضمنياً كتراكم مشترك وادخار مشترك للإنسانية مع اتسامها بأبعاد وأشكال وشموليات متغايرة لدى تنقلها وتجوالها من جماعة إلى جماعة،  ومن شعب إلى آخر.

رغم أن الثقافة النيوليتية المنتشرة من ميزوبوتاميا، والميثيولوجيا المنتشرة من بلاد سومر قد تطورتا منذ بدء تمأسسهما مع الطبيعة عبر ذكاء الإنسان؛ فإن التقنية التي طرأت عليها تطورات مذهلة مع ارتقاء الفكر العلمي في أوربا العصر الحديث، وكذلك الاختراعات والايجادات التي لا حصر لها، كلها أضحت ملكاً للبشرية. من جانب آخر ثمة قيم ثقافية تعود لكل جماعة بشرية أو كيان أثني بحيث تستوعب في نطاقها مختلف الأجناس وتُكسِبهم خاصياتهم وهوياتهم التي تعرِّفهم. وما هذه سوى تجسيد لخاصيات الفروقات وغنى البشرية في آن معاً.

وسواءً بالنسبة للتحلي بالوعي السليم بشأن القيم الثقافية التي باتت ملكاً للبشرية منذ فجر التاريخ وحتى حاضرنا، وتبنيها وحمايتها، أو بالنسبة لكشف النقاب عن الثقافات المختلفة لكافة الفروقات الأثنية والدينية والجنسية، وعيشها وممارستها بحرية وتطويرها؛ كلها تعتبر مواضيع أساسية هامة بالنسبة للعقد الاجتماعي. لا يمكن قبول الانحراف، ولا الإنكار أو الصهر أو الدوغمائية أو الطوباوية لدى التقرب من الثقافات الكونية أو الخاصة ومعالجتها. فالقيم البارزة في عصر الحضارة الديمقراطية تحتم تجاوز هذه المستويات المتخلفة التي هي حصيلة منبثقة عن المجتمعات الطبقية. إلا انه من المستحيل إبداء المواقف السليمة أو صياغة المعايير الصحيحة ما لم يتم الكشف بكل سطوع عن هجمات الحاكميات الطبقية والجنسية والقومية والشوفينية السائدة تجاه كافة القيم الثقافية المادية والمعنوية التي خلقتها الشعوب والطبقات والأجناس المسحوقة، من خلال الاستيلاء عليها أو استنكارها أو القضاء عليها وتحريفها أو صهرها، سواء بأساليب مباشرة أو ملتوية.

يفوق إنكار واقع المجتمع التسلطي الذكوري لكافة القيم الثقافية المتعلقة ببناء المرأة للحياة مادياً وفكرياً وعاطفياً ومن جوانب عديدة أخرى في العهد النيوليتي، واختلاسه إياها واستيلاؤه عليها؛ يفوق ما فعله بحق الطبقات والشعوب المسحوقة أضعافاً مضاعفة. ذلك إن احتكار الرجل كافة القيم التي أوجدتها المرأة أو المجتمع المتطور ضمن محورها، وتملكه لها، آل بالمرأة إلى اغترابها عن هويتها وميراثها الاجتماعي وتاريخها.

تمكنت الطبقات والشعوب المظلومة من الإفصاح عن قيمها الثقافية وإيضاحها وتوفير فرص تطويرها وحمايتها من خلال النضالات الاجتماعية وضمن سياق التطور الموضوعي للبشرية. رغم ذلك لا تزال مسائل كشف المرأة النقاب عن ميراثها الثقافي وتبينها إياه، وعصرنة القيم التي عاشتها البشرية بجوهرها ولو بشكل بدائي في تلك المرحلة الوحيدة التي سادتها الأوساط الحرة والمتساوية، وذلك وفق المعايير العصرية ضمن (التركيبة الجديدة) الحضارية الحديثة؛ لا تزال تفرض حياتيتها وعاجليتها بكل عمق. يمكن الحديث عن التطور الحر للمرأة (أو الشعوب أو الفرد) إذا ما استطاعت بلوغ قوة التعبير عن حقيقتها الثقافية وتمتعت بحرية التعبير عنها، وإذا ما أمكن تعريفها ضمن إطار جوهرها ولغتها هي. ولا تزال ثمة شعوب مرغمة على خوض نضالها في سبيل ذلك الآن أيضاً. ويعتبر الشعب الكردي مثالاً حياً على ذلك باعتباره من أقدم الشعوب التاريخية التي عانت كافة أنواع الآلام وتكبدت خسائر مفجعة واحتضنت كل المصاعب في سبيل خوض حرب الوجود، ولم يزل حتى الآن معرضاً للخطر المفروض على لغته الغنية جداً على أراضيه هو، والتي لم ينفصل عنها منذ آلاف السنين، وخاضعاً للتجريد عن ثقافته والتنكر لها حتى الآن؛ رغم أن البشرية اليوم ستغتني وترقى بقبولها الفروقات الثقافية كمصدر قيِّم وثمين، لا كسبب للتفرقة والتشتت والتمييز، وبهضمها إياها ودمجها واكتسابها معانيها السامية بتعاضدها وتكاتفها جنباً إلى جنب، لا بإنكارها أو دحضها.

يتسم الادخار الثقافي وتطوره بمزية لعبه دوراً حيوياً ومحدِّداً حيال تطور العلم والتقنية المذهل ـ الذي لا يقدر على إن يكون مؤثراً لوحده ـ وفقدان الجغرافيا أهميتها المؤثرة وتقهقر دورها الأساسي المحدِّد في التطور الحضاري. لا يمكن تطور الأطروحة المضادة للحضارة الأوربية التي تركت بصماتها على العصر القريب، إلا في أراضي منبعها الأصلي، أي في منطقة الشرق الأوسط. انه لَتناقضٌ عميق للغاية، فالشرق الأوسط عاجز عن تحليل عاداته وتقاليده الثقافية وعصرنتها، وهنا تلعب التأثيرات الداخلية والخارجية دورها في عرقلة كشف هذا الكم المتراكم. لكن أصوله العريقة والمتينة بالمقابل، تعيق سربلة وترسيخ الحقائق التي لا تنتمي إليه، وتُفرض عليه من الخارج. وفي المحصلة يتجذر الصراع والانسداد والاشتباك، إلا أن قوة التقاليد الثقافية ورصانتها تنتظر الفرصة السانحة لتكتسب الحيوية وتتميز بوضعية قوية قصوى تمكنها من خلق الجديد.

لقد بقيت الأحزاب والقوى المنادية باسم الإسلام أو الشيوعية اليوم قاصرة عن إظهار القدرة على إيجاد الحلول اللازمة في منطقة الشرق الأوسط، وذلك لان المستوى الأدنى من مراحل النهضة والإصلاح الديني والثورة التنويرية اللازمة حتماً لأجل تحقيق تطور حضاري ديمقراطي؛ تعتبر مراحل لم تشهدها الثقافة بعد في الشرق الأوسط. لذا فالمنطقة بحاجة ماسة للتعرف على واقعها  التاريخي ـ الثقافي، لما تعانيه من جهل واغتراب جديين في هذا المضمار. وهنا يتحتم تحطيم القوالب والدوغمائيات والطوباوية الرجعية المترسخة بقوة في ثقافة الشرق الأوسط، كشرط أساسي للتمكن من تطوير نهضة تحقق بلوغ المنطقة مستوى رفيعاً من الوعي وإدراك ميراثها الثقافي ـ التاريخي العريق من جهة والتقاءها بالقيم الحضارية الديمقراطية والتحامها من جهة ثانية. وسيكون التغلب على هذه الآفات التي تضع الحياة على شفا الموت من جوانب عديدة، باعثاً على بث الوعي والروح والضمير ثانية.

حينما تفلح منطقة الشرق الأوسط في تنشئة الأشخاص القادرين على ذلك، سيكون باستطاعتها بث إرثها الثقافي الغني والعريق، والمحكوم عليه بالسبات، وبسط قوته في الحياة والإنسانية جمعاء. وسيلعب الالتحام الصحيح بالعلم والقيم الديمقراطية المعاصرة دوره المصيري المحدِّد في إكساب الإنسانية القدرة الكبرى على إيجاد الحلول الجذرية لقضاياها الأساسية.

وهنا يمكن النظر للمرأة على إنها قوة أساسية في لعب دور كهذا ضمن نضالها، ذلك أن دورها مصيري في الريادة لمكانتها المرموقة كأطروحة مضادة باعتبار أن الثقافة الشرق أوسطية التي تشكل مهد الإنسانية تستند في أساسها على ثقافة الإلهة الأم، وان المرأة هي أقوى مجسدي الثقافة والمحافظين عليها، ولكنها أكثر المتضررين بالطوباويات والدوغمائيات الرجعية المتخلفة المنبثقة عن عقلية النظام التسلطي الذكوري مع نشوء المجتمع الطبقي في الشرق الأوسط من جهة، ولكنها لم تمثل هذا النظام في أي وقت من الأوقات من جهة أخرى. بل وبالأحرى فإن دور المرأة في تخطي الفوارق الطبقية والقضاء على الهيمنة الذكورية المتسلطة، إنما يُقَدَّر بكونه (تركيبة جديدة) أكثر من كونه أطروحة مضادة. وهذه الحقيقة تستوجب إبداء موقف شامل وقوي للغاية حيال الدور المصيري للمرأة والثقافة على السواء في التطور الحضاري المعاصر، كضرورة لا مفر منها.