دور الأغنية الشعبية في التراث الكردي

23 مه 2019 پنج ش

الأغاني الشعبية الكردية هي نتاج التاريخ التراجيدي، لهذا الشعب حيث كل أغنية تحكي قصة حقيقية ،تتحدث عن حدث واقعي عاشه هذا الشعب. دليل ميرساز


يعتبر الشعب الكردي أحد أقدم شعوب المنطقة ، ولكونه عاش خلال كل مراحل التاريخ المديدة مضطهداً تحت حكم وسلطة الآخرين ولكون تاريخه دوِّن بأيد أجنبية " من قبل الغير " لذا يتطلب إعادة النظر فيه من جديد لدى قراءة تاريخ هذا الشعب ، والموضوع الذي أريد أن أجعله موضع اهتمام القراء ودراسته هو الفن والموسيقا الكردية ، ومن المعلوم أن حضارة ميزوبوتاميا " مابين النهرين " هي من أقدم الحضارات بحيث يمكننا أن نقول بأن جذور الفن وبداياتها بدأت في هذه المنطقة وتطورت مع تطورها.

لقد أستخدم شعوب وإنسان تلك الأزمنة أصواتهم في البداية وتتطور فنون استخدام الأصوات مع مرور الزمن إلى جانب استخدامهم لقرون الثيران كآلات موسيقية بدائية إلى أن تتطور هذه الآلات لتصل إلى الناي الحالي وتتفرع منها العديد من الآلات الموسيقية الأخرى. وهناك العديد من مناطق الشرق مازالوا يستخدمون تلك الأصوات التي كانوا يستعملونها إنسان المراحل البدائية من التطور الإنساني، إلى درجة يمكننا القول بأنه الشيء الذي تطور ضمن الأصوات هي الكلمة. حيث كان يوصف الطبيعة سابقاً من خلال الأصوات فقط إلى أن تطورت الكلمة فيما بعد إلا أنه لم يتطور شكل الكلمة كثيراً، هذه الأمثلة سارية المفعول على كل من كردستان والعراق ومصر والعديد من المناطق الأخرى.

دون شك فإن الفن تطور بشكل مختلف ضمن شعوب المنطقة، فالشعوب التي حكمت ووصلت إلى السلطة والذين شكلوا دولهم وأقاموا الإمبراطوريات وغيرها. استطاعوا تطوير لغتهم بشكل أكاديمي وأصبحوا أصحاب ميراث حضاري ملحوظ من عرب وفرس ومن بعضهم الأتراك. وواقع الأكراد في هذه الناحية خاصة يمكن دراسته والوقوف بصدده بشكل خاص . وكما ذكرنا سابقاً فإن الشعب الكردي هو أحد أقدم شعوب المنطقة وهذا يعني أنهم أصحاب حضارة وتاريخ عريقين، ويمكننا أن نجيب باختصار على السؤال أين هو فن الشعب الكردي؟ فالشعب الكردي هو الذي بدأ بتكوين حياة الاستقرار على هذه الأراضي من خلال الإنتاج والبدء بالزراعة في هذه الأراضي الخصبة ، ولذا يمكننا أن نقول بأن الفن في حضارة ميزوبوتاميا بدأت مع الشعب الكردي. رغم أن الشعب الكردي عاش خلال معظم فترات حياته مضطهداً ومستعمراً تحت حاكمية الآخرين إلا أنه ومع ذلك يعتبر صاحب فن عظيم وغني. وإن لم يوجد نتاجه بشكل ملحوظ فهذا لا يلغي غنى فنه وثقافته ونتاجه الفني . فجميع الأنظمة التي حكمت كردستان عملت عن وعي وإدراك على إزالة وإعاقة الثقافة والفن الكردي ، وحتى تشويهها وسرقتها وإظهارها كأنها عائدة إليهم . هذه التشويهات والتخريبات التي مارسوها لو كانت بحراً لجفت . ورغم ذلك فإنه هناك بعض النتاجات التي قلما يوجد مثيلاً لها في ثقافات وفنون الشعوب الأخرى . رغم أن ثقافة وفنون الأكراد وصلت الى اليوم عبر الأغنية الكردية سواءً على شكل ملاحم محكية "مسرودة " وغيرها وهذا النمط يوحد بين الأكراد فقط والتاريخ الكردي الذي لم يكتب أو لم يتاح له الشروط والظروف للكتابة وصلتنا اليوم عبر الأغاني الملحمية الطويلة " لاوك " التي تحكي تاريخ هذا الشعب . ولكن ومع الأسف ولان هذه الأغاني جميعهاً لم يتم تسجيلها فإنه بوفاة كل مطرب " فنان " كردي فقدت معه العشرات من هذه الملاحم ، التي تحكي قسماً من تاريخ هذا الشعب .

من دون شك فإن هذا النمط من الأغاني هو نتاج التاريخ التراجيدي لهذا الشعب حيث كل أغنية تحكي قصة حقيقية تتحدث عن حدث واقعي عاشه هذا الشعب . والشيء الآخر الذي يشد الانتباه ضمن هذه الأغاني هي أنه هناك غنى لغوي كبير في اللهجة الكرمانجية حيث أن هذه الأغنيات سردت بشكل أدبي رائع ، بحيث يمكننا توجيه الأدباء الذين يعملون على اللغة بالعودة إلى الأغنية الكردية القديمة . فعندما يستمع الإنسان إلى ملحمة درويشي عبدي . يستطيع فيه ملاحظة عظمة الأدب الكردي وتطوره فيها.ولدى الاستماع إلى يوسف شر يمكننا ملاحظة حقيقة واقع الأكراد فيه وكذلك فإن جبلي كورى ميرى حكاري وصالحى نازو – كولك – اومك – عربا صالح بك – غزالا رشيد بكى – سيامند وخجى – ممى آلان – عيشا إيبى – عزيزى تك مصطفى – هناك المئات والآلاف من هذه الأغاني مازالت باقية لتحكي كل واحدة منها قصة تاريخ كردي مختلف. بلا شك فإن الأغنية الكردية أثرت وتأثرت بشعوب المنطقة الآخرين ، لدى النظر إلى التراث الفارسي الذي عاش إلى جانب الكرد لفترة طويلة يمكن ملاحظة هذا التأثير المتبادل بشكل واضح وملحوظ ويمكن قول نفس الشيء بالنسبة إلى الشعب العربي أيضاً.مثلاً عندما يستمع الإنسان إلى (علي مردان) في جنوب كردستان يمكن ملاحظة تأثيره الكبير بالموسيقى العربية ، وفي نفس الوقت فإن موسيقى كل من( ياس خضر) وسعد البياتي يوضحان مدى تأثرهما بالموسيقى الكردية ، ولكون الشعب التركي جاء متأخراً إلى هذه المنطقة ولم يكن صاحب تراثٍ قوي وعريق حيث جاؤوا على ظهر الحصان لذا لا نرى تأثيرهم الواضح على ثقافة شعوب المنطقة . في الوقت الذي نرى فيه تأثرهم العميق بثقافة شعوب المنطقة . حيث يواجه الاتراك منذ بداية مجيئهم ثقافة " يصطدمون " المنطقة الغنية والعريقة ، لذا يتعاملون مع هذه الثقافات بشكل سياسي كبير ويصلون إلى السلطة في وقت قصير نسبياً ويأخذون من فنون وثقافات المنطقة كميراث لهم . ولدى التعمق في فن وثقافة هذا الشعب نراه منسوجاً من ثقافات شعوب المنطقة وبشكل رفيع وحساس . واللغة التركية الآن متطورة من الناحية الأدبية . فالمناطق التي استقرت فيها الأتراك ، الثقافة الكردية فيها متطورة أكثر من أية ثقافات أخرى . لذا فإن الأتراك سلبوا هذه الثقافات وغيروها واعتبروها ملكاً لهم بدءاً من اللباس والعادات والتقاليد وصولاً إلى الأغنية والموسيقى الكردية بعد أن غيروا لغتها إلى التركية وفي السنين الأخيرة وخاصة بعد ظهور وتطور الحركة التحررية الكردية بقيادة حزب العمال الكردستاني PKK وبدأ الأكراد معه رويداً رويداً يصبحون أهلاً لثقافتهم وفنونهم ، بدأ الأتراك وبشكل رفيع يقدمون شخصيات أمثال إبراهيم تاتليسس ليطور شكل ونموذج الموسيقى الشعبية وحولوها إلى " آرابيسك" لمواجهة الفن الثوري كإحدى ممارسات الحرب الخاصة. ومن ناحية أخرى أطلقوا " أسسوا " أسماء خاصة بهم على نماذج الموسيقى العربية والشرق أوسطية واستخدموها كما لو أنها خاصة بهم وعائدة لهم . إلى حدٍ يمكننا القول أن الفن والثقافة التركية تطورت اعتماداً على إنهاء وإنكار ثقافة وفنون شعوب المنطقة ولهذا نلاحظ أنهم مازالوا مصرين على سياسة إمحاء وإنكار الشعب الكردي . ظناً منهم أن وجود وتطور الثقافة الكردية تعني تراجع وزوال ثقافاتهم . إذا ألقينا نظرة عامة على ثقافة وفن الشرق الأوسط لوجدنا " نرى " أنه هناك العديد من الأمور التي أًفرِغت من محتواها وأًبعدِت عن حقيقتها، حيث هناك العديد من المشاكل العالقة التي تنتظر الحلول العاجلة . إلا أنه هناك العديد من فناني الشرق الأوسط الذين يدافعون عن مفهوم " الفن من أجل الفن" ويقولون بأن الفن ليس له علاقة بالسياسة . ولكونهم فصلوا وقطعوا علاقة الفن مع المجتمع ، فإن فنهم لا يستطيع أن يكون جواباً وحلاً لمشاكل المجتمع ودواءً له . وفي هذه الحالة فإن دور الأدب والفن في أن يكون دواءً لداء المجتمع وفك عقدها وحلها ، فإنه بالعكس يعمق ويُّعقد من مشاكل المجتمع ويزيده آلاماً وخير مثال على ذلك وضع المرأة . فالمرأة في هذه الساحة وبدل أن تكون هدفاً أصبحت وسيلة للمتاجرة الفنية بحيث يمكننا القول بأنه حتى الآن تم إبراز الدور السلبي للمرأة في الشرق الأوسط . ومن الضروري رؤية وملاحظة الخطوات والمواقع المكتسبة في صفوف حركة التحرر الوطني الكردستاني والتوقف عليها رغم أن المرأة التي دخلت ساحة الفن وشاركت فيها في ظل هذه الحركة ، مازالت سطحية وعامة ، ولكي تكون المرأة أكثر فاعلية في تطوير ذاتها وتطوير حرية المرأة التي تمر من خلالها حرية المجتمع وتحرره لابد أن تكون المرأة وبالأخص المرأة الفنانة أكثر فاعلية في تحمل مسؤولياتها الاجتماعية والفنية .