المرأة في انتفاضة الشرق الاوسط

18 ژوئی 2019 پنج ش

ربيع الإسلام يعتبر هجمة خطيرة على المرأة ايضا، كونه ربيعٌ لإسلام سياسي معتدل بمكياج غربي، التاريخ الغير مكتوب


تبسمت الشفاه وف الوجوه لدى بدء الانتفاضة الشعبية في كل من تونس ومصر، تعلقت آمال الشعوب بهذه الانتفاضة سرعان ما بدأ الشباب بإضرام النار بجسدهم كي تكون نقطة بداية لانتفاضة عارمة في بلادهم، يقفون ضد الظلم والاعتداء المستمر منذ أكثر من خمسين عاما. بإمكاننا القول أن الجيش التونسي والمصري اتخذ موقفا مساندا لشعبه بكل وضوح، أدى ذلك إلى تغيير النظام الحاكم وسادته بقيادة الشبيبة الفتية دون هدر للدماء كما يحدث الآن في اغلب مناطق سوريا. كانت هي الانتفاضة الحقيقية التي عبرت عن مطالب ومشاعر الجماهير في بداياتها، حيث أطاحت برؤساء الأنظمة الديكتاتورية، أما في ليبيا فقد ولدت الانتفاضة بمغصات أليمة وعمليات قيصرية أدت إلى ولادة طفل مشوه ناكر لكدح المرأة الأم. لأن عملية الحمل كانت نتيجة احتقان من أدوية النظام الرأسمالي المتعطش لحليب أمهات منطقة الشرق الأوسط بكاملها. هذا وكما تستمر الانتفاضة بأوج حرارتها في كل من سوريا واليمن وبعض البلدان التي تتعرض لرجات شعبية بين الحين والآخر، لكن هذه الانتفاضات التي بدأت كردة فعل قوية في مواجهة الانظمة الديكتاتورية الشوفينية الحاكمة والتي ضحى فيها الآلاف بأرواحهم فداء في سبيل التحرر من نساء وأطفال وشباب وشيوخ.

لكن ماذا حل بالانتفاضات الشعبية هذه؟ هل فعلا حققت الأهداف التي كانت تصبوا إليها منذ البداية؟ أم أنها انحرفت عن نهجها وانقلبت لضدها؟ فنتيجة التدخلات الخارجية لهذه الانتفاضة ومحاولة إفراغها من جوهرها، نرى أن الانتفاضة تحولت إلى وسيلة لتحطيم آمال الشعوب في تحقيق الحرية. هذا وعندما نحلل النتائج الناجمة والأنظمة البديلة التي ظهرت على الساحة، نرى بأن القوى الإسلامية المتشددة هي التي تسلمت السلطة، وأما في مصر لا تزال الحكومة بيد السلطة العسكرية، فبدأت الصراعات والاشتباكات بين الفئات المتصارعة على السلطة من جديد. أتى الإسلام السياسي كي يكتم أنفاس الجماهير وبالأخص المرأة والشبيبة. تحاول الأنظمة الرأسمالية ترسيخ نظامها الجديد عن طريق تعزيز الصراعات والنعرات الطائفية بين شعوب المنطقة ونشر موديل الإسلام السياسي. بمعنى من المعاني يمكننا القول أن النظام العالمي الرأسمالي يقوم بتنظيم المنطقة من جديد، بهذا يقوم باستقصاء الحركة الكردية من الفرز الجديد من ناحية ويقوم باستقصاء المرأة والشبيبة من هذه النجاحات من ناحية أخرى، بالرغم من أن الانضمام الكثيف أتى من قبل كل من فئة الشبيبة والمرأة إلى هذه الانتفاضة لدرجة يمكننا إرجاء الدور الأعظمي لانتصار الثورة إلى هاتين الفئتين. لكن ما ظهر فيما بعد الثورة هو تقليد الأنظمة الجديدة للأنظمة القديمة وتقمصها لنفس الدور الذي كان يلعبه نظام الدولة القوموية في اسلوب إدارة المجتمعات وسلب حرياته، هذا وكما يمكننا نعتها بالأنظمة الأكثر تعصبية من سابقاتها، حيث تقمصت الأولى دور القوموية أما الثانية تتقمص دور الدينوية المنبعثة من نفس المبدأ ونفس الذهنية التي تسعى لتسلم زمام السلطة. وكلا موديلي النظام يكون تقربه من قضية المرأة متشابه ومتوحد في مبدأ حريتها. حيث يبني شكلا رجعيا معتمدا على عبودية المرأة في بناء الحياة المجتمعية وطراز العيش. الانظمة الجديدة تستقصي المرأة من نتائج الانتفاضة وتحرمها من حقوقها المشروعة في الانضمام لكافة ميادين الحياة وخاصة ميدان العمل السياسي. بعد انهيار نظام القذافي أعلنت الحكومة الانتقالية مباشرة بالتزامها بالقوانين الشرعية التي تم تسييسها من قبل الأحزاب الإسلامية الطائفية كحزب العدالة والتنمية في تركيا، وحركة الإخوان المسلمين في مصر وسوريا، ففي ليبيا تم إطلاق كامل الحرية للرجل كي يتزوج بعدد من النساء بحجة نقص عدد الرجال وازدياد عدد النساء وأصبحت قوانين الشرع هي السائدة في البلاد. وفي مصر أقصيت المرأة من حق الانتخاب في العديد من المراكز الانتخابية البرلمانية وعكفت في المنزل مرة أخرى. كما اصدر وفي الفترة الأخيرة من قبل جامعة الأزهر البعض من الفتاوة التي تحد من انضمام نسائي حر الى كافة المجالات الحياتية، وهذا بدوره ما يساهم في تفشي ثقافة الذهنية الذكورية وفتح الطريق امام إبادة المرأة. وهذا ما حدث في تونس أيضا حيث انتصر حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التونسية المقتصية على انضمام المرأة الى هذه العملية بشكل يليق مع حريتها ومع مجتمع جنسوي حر ومع جوهر انتفاضة الياسمين. أما في سوريا نرى بأن الحركة النسوية تتحرك بتريس شديد، وحزب الإخوان المسلمين يقوم باستثمار طاقات المرأة في خدمة مصالحه الهادفة إلى استلام دفة السلطة. بالرغم من أن هذا الحزب لا يعطي أي اعتبار للمرأة لا في الحياة الاجتماعية ولا السياسية، وهو الذي يقوم بدفع المرأة الى الهاوية كي يبسط زمام سلطته على المجتمع بأكمله، هذا ما يجعلهم أن يطلقوا على انتفاضة الشعوب اسم انتفاضة الإسلام أو ربيع الإسلام. في الحقيقة ان ما يكمن وراء هذه التسمية هو حقيقة نظام إسلامي معتدل ومتعاون مع الخارج في سبيل إفشال الخطوات المتقدمة للشعوب صوب ربيع ديمقراطي شعبي أوسطي حر. لذا فان ربيع الشعوب المسمى اليوم بربيع الإسلام يعتبر هجمة خطيرة على المرأة ايضا، كونه ربيع لإسلام سياسي معتدل بمكياج غربي. من المعلوم أن الدين يعتبر مسألة عقيدة وعبادة للرب وليس له علاقة بالسلطة لإدارة الدول، لكن الإسلام السياسي المعتدل ظهر على شكل أحزاب سياسية تستهدف النظام الحاكم كي تبني سلطتها لتكون حليفة مباشرة للأنظمة الرأسمالية العالمية. فبعد تجربة العراق ظهر بأن أمريكا غير قادرة على تلبيس المجتمع الأوسطي ما فصلته في مخططاتها التآمرية ومشاريعها الفاشلة. الطابع الديني التاريخي لشعوب المنطقة يشكل عائق جدي أمام تحقيق مطالب النظام الرأسمالي، لذلك سعى فيما بعد إلى تأسيس أحزاب إسلامية أو دعمها في المنطقة كي تلعب دور حصان طروادة. وهذا هو الوجه الجديد للغزوات الغربية على منطقتنا، ليبيا هي المثال الواضح على ذلك.

أما الوضع السوري فهو لا يشبه ليبيا ولا تونس ولا مصر ولا حتى اليمن، نسبة للموزاييك السوري، نرى بأن القوى الخارجية تضطر لتفصيل جديد ومغاير لما كان في الدول الأخرى من الشرق الاوسط، فكثرة القوميات وتعدد الأديان والمذاهب، يؤدي إلى عدم نجاح المشاريع المخططة من قبل هذه الأنظمة. فالشعب الكردي مسالم بطبيعته وغير متزمت، وينادي بوحدة الوطن والديمقراطية لكافة شعوب سوريا ويبدي الاحترام لكافة انواع الأقليات والأديان والمذاهب في المجتمع نظرا لعيش مشترك يمتد الى تاريخ طويل. كما يوجد الأرمن والشركس والسريان والعرب الذين لم يعيشوا أي تناقض فيما بينهم سوى النزاعات التي خلقها النظام بعمد مقصود. لذلك لا تتوحد قوى المعارضة في سورية حول شكل نجاح الانتفاضة وتكوين النظام البديل. من المؤكد أن للشعب الكردي الدور الأساسي في إنجاح عملية الدمقرطة في سوريا، خاصة وأنه يمثل أقدم معارضة في مواجهة النظام البعثي الحاكم. إنه يطالب بحقوقه الوطنية المشروعة، لكن القوى الخارجية أيضا تسعى لإقصاء الشعب الكردي من نتائج الانتفاضة هذه، فالشعب الكردي ووضع المرأة مشابه لبعضه البعض في هذا النقطة تحديدا. تتركز كافة السياسات حول إنكار وتصفية الحركة التحررية الكردستانية وترك المرأة أسيرة المنزل. لذلك تقوم حكومة أردوغان بتشكيل مؤسسات إسلامية سياسية في المناطق الكردية، إنه يعتمد على تنظيم المرأة أولا ومن ثم على الشبيبة. وفي الآونة الأخيرة نرى بأن تدخلات حركة الإخوان المسلمين للمناطق الكردية كمشروع متمم للسياسة الخارجية تسعى الى تعليم النساء والفتيات على الخصوص بالدروس الدينية وضمهن للمظاهرات بهدف استخدام هذه الديناميكية الحياتية للمجتمع في خدمة مآربها والوصول الى السلطة بدل النظام الحاكم، وهذه هي الذهنية الذكورية الماكرة. في هذه النقطة بالذات أريد أن أنوه إلى أنه ليس من الخطأ أن تنضم المرأة للانتفاضة الشعبية، إنما الخطاء في إبعادها وإقصائها عن نتائج الانتفاضة هذه واستخدامها كوسيلة في عملية هدم الأنظمة الموجودة فقط دون تفعيلها في عملية البناء من جديد. بهذه الحالة يمكننا القول أن الأنظمة المتشكلة كبديل جديد تقوم باستثمار طاقات المرأة وهي تخدع الجماهير في ضم المرأة للحراك الشعبي. بالمقابل تنكر المرأة وترفض وجودها لأبعد الحدود، هذا ما يمكننا تسميته بمجزرة النساء، حيث تقتل فيها المرأة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا وإراديا، من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى اندلاع ثورات جديدة في مواجهة الأنظمة الإسلامية السياسية في المراحل المقبلة.

هنا أريد القول أن المرأة الغير منظمة المتروكة لرحمة الرجل لا بد وأنها منتهية ومقضي عليها، فالمرأة التي تنضم للمسيرات الشعبية بشكل عاطفي وعشوائي، تساهم مباشرة في هدم النظام، لكنها لا تضع الأسس التي سيتم بناء النظام الجديد عليها، من الضروري جدا أن تقوم المرأة بوضع شروط انضمامها للثورة كي تنال حقوقها، فلا يمكن للمرأة أن تصوت للرجل الذي يقوم بتجليدها بشكل يومي، مع الأسف الشديد، هذا ما يحدث وما نراه بأم أعيننا بسبب ضعف الوعي التنظيمي بين صفوف النسوة. لهذا أود القول أن على كافة النساء أن يقمن بمناقشة الدستور الجديد للبلاد التي تحمل الانتفاضة بداخلها، بحيث يمكنها تأمين حقوقها وحرياتها عن طريق الدستور الجديد، وعليها أن تفرض شروطها في الساحة العملية عن طريق تنظيم المسيرات النسائية المنادية بحرية المرأة، من غير الممكن أن يكون هدف المرأة هدم النظام الحاكم فقط، إنما الأهم من ذلك هو بناء النظام الجديد البديل. لهذا على المرأة السورية أن تتخذ الدروس والعبر من انتفاضة الشعوب الأخرى، كي تكون هي متمسكة بحقوقها ومنظمة من أجل تحقيق ذلك على أرض الواقع، أن لا تترك الفراغات بهذا الخصوص، وإلا سيكون نتيجة الثورات هذه وخيمة جدا بالنسبة لها. لذلك على كافة النساء في سوريا، أن يكن أكثر وعيا لحقوقهن المشروعة وأن ينتظمن تحت سقف تنظيمي واحد ومبادرة نسائية واسعة النطاق بحيث تشمل كافة القوميات والطوائف والتنظيمات والمؤسسات والشخصيات المثقفة. وتحت "شعار إذا لم تتحرر المرأة لن يتحرر المجتمع" يجب أن يناضلن في مواجهة النظام الذكوري المتسلط القديم منها والجديد. وعلى المرأة الكردية أن تكون أكثر تيقظا لألاعيب الإسلام السياسي وأن لا يهدرن طاقاتهن في سبيل تحكيم النظام الذكوري في المجتمع الكردي. عليها أن تطرح البديل بنفسها وحسبما يخدم حرية المجتمع بأكمله. فكما للشعوب حق تقرير المصير للمرأة أيضا حق تقرير مصيرها، هي التي ستبدي رأيها وتفرض قرارها على أرض الواقع في تشكيل الدستور الجديد عن طريق أخذ مكانها في مراكز القرار في أعلى المستويات.

لقد أثبتت المرأة الكردية وجودها ضمن الانتفاضة السورية، هي التي قادت الانتفاضة الكردية في غربي كردستان، انضمت لكافة العمليات التظاهرية التي خرجت في كافة المدن والنواحي في المنطقة، لهذا كانت هي الأكثر تنظيما بين الجماهير الكردية، فوقفة المرأة الكردية ستكون هي الأكثر تأثيرا في عملية البناء الديمقراطي للمجتمع  وسيكون لها التأثير الواضح في عملية بناء سورية ديمقراطية أيضا. بالرغم من السياسات الاستقصائية والإنكارية التي سيرها النظام السوري في مواجهة المرأة في الأعوام السابقة، إلا أنها لم تتراجع قيد أنملة عن مهامها الوطنية، لذلك كانت السباقة إلى الانضمام للانتفاضة.

فكما قلت أن هذه تعتبر فرصة تاريخية بالنسبة للمرأة كي تطيح بأنظمة يمتد عمرها الى خمسة آلاف عام، عليها أن لا تأخذ قضية حرية المرأة على أنها قضية عائلية مؤقتة ومتغيرة من شخص لآخر، إنما هي قضية استعباد ذهنية تاريخية، بحاجة لمعالجة تاريخية يقاس بعمر النظام الذكوري، وهذا ما يتطلب كفاح ونضال مستمر ومنظم وواعي، يعتمد على دفع قوة المرأة وديناميكيتها الثورية إلى الانضمام الكثيف والفعال للانتفاضة الشعبية، كي تلعب دور الطليعة في المرحلة التاريخية هذه. وكي لا تخرج من المولد بلا حمص عليها أن تكون أكثر تعقلا وسياسة من أن تهدر طاقاتها لخدمة واستحكام نظام ذكوري بنظام ذكوري من نوع آخر.

على المرأة أن تتعرف على تاريخها أولا، التاريخ الغير مكتوب، كي تقود المرحلة بشكل سليم على فئة الطليعة أولا أن تكون أكثر قدرة على معرفة ذلك، عليها أن تعتمد على ذاتها في كل شيء، هي التي ستقوم بتوعية المرأة، وهي التي ستؤهلها للثورة وليس الرجل، عليها أن تتعرف على قوتها وإمكاناتها التنظيمية والإدارية، من خلال تجربة المرأة الكردية لذلك، رأينا بأنها قادرة على فعل كي شيء إن كانت مقتنعة بالفكرة، وتتقرب بدون حسابات سياسية، إنما إحساس الحرية هو الذي يدفعها لتخطي قيود الموت كي تنطلق نحو التحرر، ولا تستطيع أية قوة في العالم إيقافها أو إبعادها عن الطريق، لذلك تكون هي المنتصر إن عملت بفهم واعي لقضية التحرر الجنسوي، هذا ما يتطلب من المرأة السورية أن تقوم به، دون أن تضع لنفسها القيود ضمن الحدود التي تم رسمها لها من قبل النظام الحاكم والنظام الاسري.

 

 

 

 روناهي شيلان

تبسمت الشفاه وف الوجوه لدى بدء الانتفاضة الشعبية في كل من تونس ومصر، تعلقت آمال الشعوب بهذه الانتفاضة سرعان ما بدأ الشباب بإضرام النار بجسدهم كي تكون نقطة بداية لانتفاضة عارمة في بلادهم، يقفون ضد الظلم والاعتداء المستمر منذ أكثر من خمسين عاما. بإمكاننا القول أن الجيش التونسي والمصري اتخذ موقفا مساندا لشعبه بكل وضوح، أدى ذلك إلى تغيير النظام الحاكم وسادته بقيادة الشبيبة الفتية دون هدر للدماء كما يحدث الآن في اغلب مناطق سوريا. كانت هي الانتفاضة الحقيقية التي عبرت عن مطالب ومشاعر الجماهير في بداياتها، حيث أطاحت برؤساء الأنظمة الديكتاتورية، أما في ليبيا فقد ولدت الانتفاضة بمغصات أليمة وعمليات قيصرية أدت إلى ولادة طفل مشوه ناكر لكدح المرأة الأم. لأن عملية الحمل كانت نتيجة احتقان من أدوية النظام الرأسمالي المتعطش لحليب أمهات منطقة الشرق الأوسط بكاملها. هذا وكما تستمر الانتفاضة بأوج حرارتها في كل من سوريا واليمن وبعض البلدان التي تتعرض لرجات شعبية بين الحين والآخر، لكن هذه الانتفاضات التي بدأت كردة فعل قوية في مواجهة الانظمة الديكتاتورية الشوفينية الحاكمة والتي ضحى فيها الآلاف بأرواحهم فداء في سبيل التحرر من نساء وأطفال وشباب وشيوخ.

لكن ماذا حل بالانتفاضات الشعبية هذه؟ هل فعلا حققت الأهداف التي كانت تصبوا إليها منذ البداية؟ أم أنها انحرفت عن نهجها وانقلبت لضدها؟ فنتيجة التدخلات الخارجية لهذه الانتفاضة ومحاولة إفراغها من جوهرها، نرى أن الانتفاضة تحولت إلى وسيلة لتحطيم آمال الشعوب في تحقيق الحرية. هذا وعندما نحلل النتائج الناجمة والأنظمة البديلة التي ظهرت على الساحة، نرى بأن القوى الإسلامية المتشددة هي التي تسلمت السلطة، وأما في مصر لا تزال الحكومة بيد السلطة العسكرية، فبدأت الصراعات والاشتباكات بين الفئات المتصارعة على السلطة من جديد. أتى الإسلام السياسي كي يكتم أنفاس الجماهير وبالأخص المرأة والشبيبة. تحاول الأنظمة الرأسمالية ترسيخ نظامها الجديد عن طريق تعزيز الصراعات والنعرات الطائفية بين شعوب المنطقة ونشر موديل الإسلام السياسي. بمعنى من المعاني يمكننا القول أن النظام العالمي الرأسمالي يقوم بتنظيم المنطقة من جديد، بهذا يقوم باستقصاء الحركة الكردية من الفرز الجديد من ناحية ويقوم باستقصاء المرأة والشبيبة من هذه النجاحات من ناحية أخرى، بالرغم من أن الانضمام الكثيف أتى من قبل كل من فئة الشبيبة والمرأة إلى هذه الانتفاضة لدرجة يمكننا إرجاء الدور الأعظمي لانتصار الثورة إلى هاتين الفئتين. لكن ما ظهر فيما بعد الثورة هو تقليد الأنظمة الجديدة للأنظمة القديمة وتقمصها لنفس الدور الذي كان يلعبه نظام الدولة القوموية في اسلوب إدارة المجتمعات وسلب حرياته، هذا وكما يمكننا نعتها بالأنظمة الأكثر تعصبية من سابقاتها، حيث تقمصت الأولى دور القوموية أما الثانية تتقمص دور الدينوية المنبعثة من نفس المبدأ ونفس الذهنية التي تسعى لتسلم زمام السلطة. وكلا موديلي النظام يكون تقربه من قضية المرأة متشابه ومتوحد في مبدأ حريتها. حيث يبني شكلا رجعيا معتمدا على عبودية المرأة في بناء الحياة المجتمعية وطراز العيش. الانظمة الجديدة تستقصي المرأة من نتائج الانتفاضة وتحرمها من حقوقها المشروعة في الانضمام لكافة ميادين الحياة وخاصة ميدان العمل السياسي. بعد انهيار نظام القذافي أعلنت الحكومة الانتقالية مباشرة بالتزامها بالقوانين الشرعية التي تم تسييسها من قبل الأحزاب الإسلامية الطائفية كحزب العدالة والتنمية في تركيا، وحركة الإخوان المسلمين في مصر وسوريا، ففي ليبيا تم إطلاق كامل الحرية للرجل كي يتزوج بعدد من النساء بحجة نقص عدد الرجال وازدياد عدد النساء وأصبحت قوانين الشرع هي السائدة في البلاد. وفي مصر أقصيت المرأة من حق الانتخاب في العديد من المراكز الانتخابية البرلمانية وعكفت في المنزل مرة أخرى. كما اصدر وفي الفترة الأخيرة من قبل جامعة الأزهر البعض من الفتاوة التي تحد من انضمام نسائي حر الى كافة المجالات الحياتية، وهذا بدوره ما يساهم في تفشي ثقافة الذهنية الذكورية وفتح الطريق امام إبادة المرأة. وهذا ما حدث في تونس أيضا حيث انتصر حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التونسية المقتصية على انضمام المرأة الى هذه العملية بشكل يليق مع حريتها ومع مجتمع جنسوي حر ومع جوهر انتفاضة الياسمين. أما في سوريا نرى بأن الحركة النسوية تتحرك بتريس شديد، وحزب الإخوان المسلمين يقوم باستثمار طاقات المرأة في خدمة مصالحه الهادفة إلى استلام دفة السلطة. بالرغم من أن هذا الحزب لا يعطي أي اعتبار للمرأة لا في الحياة الاجتماعية ولا السياسية، وهو الذي يقوم بدفع المرأة الى الهاوية كي يبسط زمام سلطته على المجتمع بأكمله، هذا ما يجعلهم أن يطلقوا على انتفاضة الشعوب اسم انتفاضة الإسلام أو ربيع الإسلام. في الحقيقة ان ما يكمن وراء هذه التسمية هو حقيقة نظام إسلامي معتدل ومتعاون مع الخارج في سبيل إفشال الخطوات المتقدمة للشعوب صوب ربيع ديمقراطي شعبي أوسطي حر. لذا فان ربيع الشعوب المسمى اليوم بربيع الإسلام يعتبر هجمة خطيرة على المرأة ايضا، كونه ربيع لإسلام سياسي معتدل بمكياج غربي. من المعلوم أن الدين يعتبر مسألة عقيدة وعبادة للرب وليس له علاقة بالسلطة لإدارة الدول، لكن الإسلام السياسي المعتدل ظهر على شكل أحزاب سياسية تستهدف النظام الحاكم كي تبني سلطتها لتكون حليفة مباشرة للأنظمة الرأسمالية العالمية. فبعد تجربة العراق ظهر بأن أمريكا غير قادرة على تلبيس المجتمع الأوسطي ما فصلته في مخططاتها التآمرية ومشاريعها الفاشلة. الطابع الديني التاريخي لشعوب المنطقة يشكل عائق جدي أمام تحقيق مطالب النظام الرأسمالي، لذلك سعى فيما بعد إلى تأسيس أحزاب إسلامية أو دعمها في المنطقة كي تلعب دور حصان طروادة. وهذا هو الوجه الجديد للغزوات الغربية على منطقتنا، ليبيا هي المثال الواضح على ذلك.

أما الوضع السوري فهو لا يشبه ليبيا ولا تونس ولا مصر ولا حتى اليمن، نسبة للموزاييك السوري، نرى بأن القوى الخارجية تضطر لتفصيل جديد ومغاير لما كان في الدول الأخرى من الشرق الاوسط، فكثرة القوميات وتعدد الأديان والمذاهب، يؤدي إلى عدم نجاح المشاريع المخططة من قبل هذه الأنظمة. فالشعب الكردي مسالم بطبيعته وغير متزمت، وينادي بوحدة الوطن والديمقراطية لكافة شعوب سوريا ويبدي الاحترام لكافة انواع الأقليات والأديان والمذاهب في المجتمع نظرا لعيش مشترك يمتد الى تاريخ طويل. كما يوجد الأرمن والشركس والسريان والعرب الذين لم يعيشوا أي تناقض فيما بينهم سوى النزاعات التي خلقها النظام بعمد مقصود. لذلك لا تتوحد قوى المعارضة في سورية حول شكل نجاح الانتفاضة وتكوين النظام البديل. من المؤكد أن للشعب الكردي الدور الأساسي في إنجاح عملية الدمقرطة في سوريا، خاصة وأنه يمثل أقدم معارضة في مواجهة النظام البعثي الحاكم. إنه يطالب بحقوقه الوطنية المشروعة، لكن القوى الخارجية أيضا تسعى لإقصاء الشعب الكردي من نتائج الانتفاضة هذه، فالشعب الكردي ووضع المرأة مشابه لبعضه البعض في هذا النقطة تحديدا. تتركز كافة السياسات حول إنكار وتصفية الحركة التحررية الكردستانية وترك المرأة أسيرة المنزل. لذلك تقوم حكومة أردوغان بتشكيل مؤسسات إسلامية سياسية في المناطق الكردية، إنه يعتمد على تنظيم المرأة أولا ومن ثم على الشبيبة. وفي الآونة الأخيرة نرى بأن تدخلات حركة الإخوان المسلمين للمناطق الكردية كمشروع متمم للسياسة الخارجية تسعى الى تعليم النساء والفتيات على الخصوص بالدروس الدينية وضمهن للمظاهرات بهدف استخدام هذه الديناميكية الحياتية للمجتمع في خدمة مآربها والوصول الى السلطة بدل النظام الحاكم، وهذه هي الذهنية الذكورية الماكرة. في هذه النقطة بالذات أريد أن أنوه إلى أنه ليس من الخطأ أن تنضم المرأة للانتفاضة الشعبية، إنما الخطاء في إبعادها وإقصائها عن نتائج الانتفاضة هذه واستخدامها كوسيلة في عملية هدم الأنظمة الموجودة فقط دون تفعيلها في عملية البناء من جديد. بهذه الحالة يمكننا القول أن الأنظمة المتشكلة كبديل جديد تقوم باستثمار طاقات المرأة وهي تخدع الجماهير في ضم المرأة للحراك الشعبي. بالمقابل تنكر المرأة وترفض وجودها لأبعد الحدود، هذا ما يمكننا تسميته بمجزرة النساء، حيث تقتل فيها المرأة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا وإراديا، من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى اندلاع ثورات جديدة في مواجهة الأنظمة الإسلامية السياسية في المراحل المقبلة.

هنا أريد القول أن المرأة الغير منظمة المتروكة لرحمة الرجل لا بد وأنها منتهية ومقضي عليها، فالمرأة التي تنضم للمسيرات الشعبية بشكل عاطفي وعشوائي، تساهم مباشرة في هدم النظام، لكنها لا تضع الأسس التي سيتم بناء النظام الجديد عليها، من الضروري جدا أن تقوم المرأة بوضع شروط انضمامها للثورة كي تنال حقوقها، فلا يمكن للمرأة أن تصوت للرجل الذي يقوم بتجليدها بشكل يومي، مع الأسف الشديد، هذا ما يحدث وما نراه بأم أعيننا بسبب ضعف الوعي التنظيمي بين صفوف النسوة. لهذا أود القول أن على كافة النساء أن يقمن بمناقشة الدستور الجديد للبلاد التي تحمل الانتفاضة بداخلها، بحيث يمكنها تأمين حقوقها وحرياتها عن طريق الدستور الجديد، وعليها أن تفرض شروطها في الساحة العملية عن طريق تنظيم المسيرات النسائية المنادية بحرية المرأة، من غير الممكن أن يكون هدف المرأة هدم النظام الحاكم فقط، إنما الأهم من ذلك هو بناء النظام الجديد البديل. لهذا على المرأة السورية أن تتخذ الدروس والعبر من انتفاضة الشعوب الأخرى، كي تكون هي متمسكة بحقوقها ومنظمة من أجل تحقيق ذلك على أرض الواقع، أن لا تترك الفراغات بهذا الخصوص، وإلا سيكون نتيجة الثورات هذه وخيمة جدا بالنسبة لها. لذلك على كافة النساء في سوريا، أن يكن أكثر وعيا لحقوقهن المشروعة وأن ينتظمن تحت سقف تنظيمي واحد ومبادرة نسائية واسعة النطاق بحيث تشمل كافة القوميات والطوائف والتنظيمات والمؤسسات والشخصيات المثقفة. وتحت "شعار إذا لم تتحرر المرأة لن يتحرر المجتمع" يجب أن يناضلن في مواجهة النظام الذكوري المتسلط القديم منها والجديد. وعلى المرأة الكردية أن تكون أكثر تيقظا لألاعيب الإسلام السياسي وأن لا يهدرن طاقاتهن في سبيل تحكيم النظام الذكوري في المجتمع الكردي. عليها أن تطرح البديل بنفسها وحسبما يخدم حرية المجتمع بأكمله. فكما للشعوب حق تقرير المصير للمرأة أيضا حق تقرير مصيرها، هي التي ستبدي رأيها وتفرض قرارها على أرض الواقع في تشكيل الدستور الجديد عن طريق أخذ مكانها في مراكز القرار في أعلى المستويات.

لقد أثبتت المرأة الكردية وجودها ضمن الانتفاضة السورية، هي التي قادت الانتفاضة الكردية في غربي كردستان، انضمت لكافة العمليات التظاهرية التي خرجت في كافة المدن والنواحي في المنطقة، لهذا كانت هي الأكثر تنظيما بين الجماهير الكردية، فوقفة المرأة الكردية ستكون هي الأكثر تأثيرا في عملية البناء الديمقراطي للمجتمع  وسيكون لها التأثير الواضح في عملية بناء سورية ديمقراطية أيضا. بالرغم من السياسات الاستقصائية والإنكارية التي سيرها النظام السوري في مواجهة المرأة في الأعوام السابقة، إلا أنها لم تتراجع قيد أنملة عن مهامها الوطنية، لذلك كانت السباقة إلى الانضمام للانتفاضة.

فكما قلت أن هذه تعتبر فرصة تاريخية بالنسبة للمرأة كي تطيح بأنظمة يمتد عمرها الى خمسة آلاف عام، عليها أن لا تأخذ قضية حرية المرأة على أنها قضية عائلية مؤقتة ومتغيرة من شخص لآخر، إنما هي قضية استعباد ذهنية تاريخية، بحاجة لمعالجة تاريخية يقاس بعمر النظام الذكوري، وهذا ما يتطلب كفاح ونضال مستمر ومنظم وواعي، يعتمد على دفع قوة المرأة وديناميكيتها الثورية إلى الانضمام الكثيف والفعال للانتفاضة الشعبية، كي تلعب دور الطليعة في المرحلة التاريخية هذه. وكي لا تخرج من المولد بلا حمص عليها أن تكون أكثر تعقلا وسياسة من أن تهدر طاقاتها لخدمة واستحكام نظام ذكوري بنظام ذكوري من نوع آخر.

على المرأة أن تتعرف على تاريخها أولا، التاريخ الغير مكتوب، كي تقود المرحلة بشكل سليم على فئة الطليعة أولا أن تكون أكثر قدرة على معرفة ذلك، عليها أن تعتمد على ذاتها في كل شيء، هي التي ستقوم بتوعية المرأة، وهي التي ستؤهلها للثورة وليس الرجل، عليها أن تتعرف على قوتها وإمكاناتها التنظيمية والإدارية، من خلال تجربة المرأة الكردية لذلك، رأينا بأنها قادرة على فعل كي شيء إن كانت مقتنعة بالفكرة، وتتقرب بدون حسابات سياسية، إنما إحساس الحرية هو الذي يدفعها لتخطي قيود الموت كي تنطلق نحو التحرر، ولا تستطيع أية قوة في العالم إيقافها أو إبعادها عن الطريق، لذلك تكون هي المنتصر إن عملت بفهم واعي لقضية التحرر الجنسوي، هذا ما يتطلب من المرأة السورية أن تقوم به، دون أن تضع لنفسها القيود ضمن الحدود التي تم رسمها لها من قبل النظام الحاكم والنظام الاسري.

 

 

 روناهي شيلان

تبسمت الشفاه وف الوجوه لدى بدء الانتفاضة الشعبية في كل من تونس ومصر، تعلقت آمال الشعوب بهذه الانتفاضة سرعان ما بدأ الشباب بإضرام النار بجسدهم كي تكون نقطة بداية لانتفاضة عارمة في بلادهم، يقفون ضد الظلم والاعتداء المستمر منذ أكثر من خمسين عاما. بإمكاننا القول أن الجيش التونسي والمصري اتخذ موقفا مساندا لشعبه بكل وضوح، أدى ذلك إلى تغيير النظام الحاكم وسادته بقيادة الشبيبة الفتية دون هدر للدماء كما يحدث الآن في اغلب مناطق سوريا. كانت هي الانتفاضة الحقيقية التي عبرت عن مطالب ومشاعر الجماهير في بداياتها، حيث أطاحت برؤساء الأنظمة الديكتاتورية، أما في ليبيا فقد ولدت الانتفاضة بمغصات أليمة وعمليات قيصرية أدت إلى ولادة طفل مشوه ناكر لكدح المرأة الأم. لأن عملية الحمل كانت نتيجة احتقان من أدوية النظام الرأسمالي المتعطش لحليب أمهات منطقة الشرق الأوسط بكاملها. هذا وكما تستمر الانتفاضة بأوج حرارتها في كل من سوريا واليمن وبعض البلدان التي تتعرض لرجات شعبية بين الحين والآخر، لكن هذه الانتفاضات التي بدأت كردة فعل قوية في مواجهة الانظمة الديكتاتورية الشوفينية الحاكمة والتي ضحى فيها الآلاف بأرواحهم فداء في سبيل التحرر من نساء وأطفال وشباب وشيوخ.

لكن ماذا حل بالانتفاضات الشعبية هذه؟ هل فعلا حققت الأهداف التي كانت تصبوا إليها منذ البداية؟ أم أنها انحرفت عن نهجها وانقلبت لضدها؟ فنتيجة التدخلات الخارجية لهذه الانتفاضة ومحاولة إفراغها من جوهرها، نرى أن الانتفاضة تحولت إلى وسيلة لتحطيم آمال الشعوب في تحقيق الحرية. هذا وعندما نحلل النتائج الناجمة والأنظمة البديلة التي ظهرت على الساحة، نرى بأن القوى الإسلامية المتشددة هي التي تسلمت السلطة، وأما في مصر لا تزال الحكومة بيد السلطة العسكرية، فبدأت الصراعات والاشتباكات بين الفئات المتصارعة على السلطة من جديد. أتى الإسلام السياسي كي يكتم أنفاس الجماهير وبالأخص المرأة والشبيبة. تحاول الأنظمة الرأسمالية ترسيخ نظامها الجديد عن طريق تعزيز الصراعات والنعرات الطائفية بين شعوب المنطقة ونشر موديل الإسلام السياسي. بمعنى من المعاني يمكننا القول أن النظام العالمي الرأسمالي يقوم بتنظيم المنطقة من جديد، بهذا يقوم باستقصاء الحركة الكردية من الفرز الجديد من ناحية ويقوم باستقصاء المرأة والشبيبة من هذه النجاحات من ناحية أخرى، بالرغم من أن الانضمام الكثيف أتى من قبل كل من فئة الشبيبة والمرأة إلى هذه الانتفاضة لدرجة يمكننا إرجاء الدور الأعظمي لانتصار الثورة إلى هاتين الفئتين. لكن ما ظهر فيما بعد الثورة هو تقليد الأنظمة الجديدة للأنظمة القديمة وتقمصها لنفس الدور الذي كان يلعبه نظام الدولة القوموية في اسلوب إدارة المجتمعات وسلب حرياته، هذا وكما يمكننا نعتها بالأنظمة الأكثر تعصبية من سابقاتها، حيث تقمصت الأولى دور القوموية أما الثانية تتقمص دور الدينوية المنبعثة من نفس المبدأ ونفس الذهنية التي تسعى لتسلم زمام السلطة. وكلا موديلي النظام يكون تقربه من قضية المرأة متشابه ومتوحد في مبدأ حريتها. حيث يبني شكلا رجعيا معتمدا على عبودية المرأة في بناء الحياة المجتمعية وطراز العيش. الانظمة الجديدة تستقصي المرأة من نتائج الانتفاضة وتحرمها من حقوقها المشروعة في الانضمام لكافة ميادين الحياة وخاصة ميدان العمل السياسي. بعد انهيار نظام القذافي أعلنت الحكومة الانتقالية مباشرة بالتزامها بالقوانين الشرعية التي تم تسييسها من قبل الأحزاب الإسلامية الطائفية كحزب العدالة والتنمية في تركيا، وحركة الإخوان المسلمين في مصر وسوريا، ففي ليبيا تم إطلاق كامل الحرية للرجل كي يتزوج بعدد من النساء بحجة نقص عدد الرجال وازدياد عدد النساء وأصبحت قوانين الشرع هي السائدة في البلاد. وفي مصر أقصيت المرأة من حق الانتخاب في العديد من المراكز الانتخابية البرلمانية وعكفت في المنزل مرة أخرى. كما اصدر وفي الفترة الأخيرة من قبل جامعة الأزهر البعض من الفتاوة التي تحد من انضمام نسائي حر الى كافة المجالات الحياتية، وهذا بدوره ما يساهم في تفشي ثقافة الذهنية الذكورية وفتح الطريق امام إبادة المرأة. وهذا ما حدث في تونس أيضا حيث انتصر حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التونسية المقتصية على انضمام المرأة الى هذه العملية بشكل يليق مع حريتها ومع مجتمع جنسوي حر ومع جوهر انتفاضة الياسمين. أما في سوريا نرى بأن الحركة النسوية تتحرك بتريس شديد، وحزب الإخوان المسلمين يقوم باستثمار طاقات المرأة في خدمة مصالحه الهادفة إلى استلام دفة السلطة. بالرغم من أن هذا الحزب لا يعطي أي اعتبار للمرأة لا في الحياة الاجتماعية ولا السياسية، وهو الذي يقوم بدفع المرأة الى الهاوية كي يبسط زمام سلطته على المجتمع بأكمله، هذا ما يجعلهم أن يطلقوا على انتفاضة الشعوب اسم انتفاضة الإسلام أو ربيع الإسلام. في الحقيقة ان ما يكمن وراء هذه التسمية هو حقيقة نظام إسلامي معتدل ومتعاون مع الخارج في سبيل إفشال الخطوات المتقدمة للشعوب صوب ربيع ديمقراطي شعبي أوسطي حر. لذا فان ربيع الشعوب المسمى اليوم بربيع الإسلام يعتبر هجمة خطيرة على المرأة ايضا، كونه ربيع لإسلام سياسي معتدل بمكياج غربي. من المعلوم أن الدين يعتبر مسألة عقيدة وعبادة للرب وليس له علاقة بالسلطة لإدارة الدول، لكن الإسلام السياسي المعتدل ظهر على شكل أحزاب سياسية تستهدف النظام الحاكم كي تبني سلطتها لتكون حليفة مباشرة للأنظمة الرأسمالية العالمية. فبعد تجربة العراق ظهر بأن أمريكا غير قادرة على تلبيس المجتمع الأوسطي ما فصلته في مخططاتها التآمرية ومشاريعها الفاشلة. الطابع الديني التاريخي لشعوب المنطقة يشكل عائق جدي أمام تحقيق مطالب النظام الرأسمالي، لذلك سعى فيما بعد إلى تأسيس أحزاب إسلامية أو دعمها في المنطقة كي تلعب دور حصان طروادة. وهذا هو الوجه الجديد للغزوات الغربية على منطقتنا، ليبيا هي المثال الواضح على ذلك.

أما الوضع السوري فهو لا يشبه ليبيا ولا تونس ولا مصر ولا حتى اليمن، نسبة للموزاييك السوري، نرى بأن القوى الخارجية تضطر لتفصيل جديد ومغاير لما كان في الدول الأخرى من الشرق الاوسط، فكثرة القوميات وتعدد الأديان والمذاهب، يؤدي إلى عدم نجاح المشاريع المخططة من قبل هذه الأنظمة. فالشعب الكردي مسالم بطبيعته وغير متزمت، وينادي بوحدة الوطن والديمقراطية لكافة شعوب سوريا ويبدي الاحترام لكافة انواع الأقليات والأديان والمذاهب في المجتمع نظرا لعيش مشترك يمتد الى تاريخ طويل. كما يوجد الأرمن والشركس والسريان والعرب الذين لم يعيشوا أي تناقض فيما بينهم سوى النزاعات التي خلقها النظام بعمد مقصود. لذلك لا تتوحد قوى المعارضة في سورية حول شكل نجاح الانتفاضة وتكوين النظام البديل. من المؤكد أن للشعب الكردي الدور الأساسي في إنجاح عملية الدمقرطة في سوريا، خاصة وأنه يمثل أقدم معارضة في مواجهة النظام البعثي الحاكم. إنه يطالب بحقوقه الوطنية المشروعة، لكن القوى الخارجية أيضا تسعى لإقصاء الشعب الكردي من نتائج الانتفاضة هذه، فالشعب الكردي ووضع المرأة مشابه لبعضه البعض في هذا النقطة تحديدا. تتركز كافة السياسات حول إنكار وتصفية الحركة التحررية الكردستانية وترك المرأة أسيرة المنزل. لذلك تقوم حكومة أردوغان بتشكيل مؤسسات إسلامية سياسية في المناطق الكردية، إنه يعتمد على تنظيم المرأة أولا ومن ثم على الشبيبة. وفي الآونة الأخيرة نرى بأن تدخلات حركة الإخوان المسلمين للمناطق الكردية كمشروع متمم للسياسة الخارجية تسعى الى تعليم النساء والفتيات على الخصوص بالدروس الدينية وضمهن للمظاهرات بهدف استخدام هذه الديناميكية الحياتية للمجتمع في خدمة مآربها والوصول الى السلطة بدل النظام الحاكم، وهذه هي الذهنية الذكورية الماكرة. في هذه النقطة بالذات أريد أن أنوه إلى أنه ليس من الخطأ أن تنضم المرأة للانتفاضة الشعبية، إنما الخطاء في إبعادها وإقصائها عن نتائج الانتفاضة هذه واستخدامها كوسيلة في عملية هدم الأنظمة الموجودة فقط دون تفعيلها في عملية البناء من جديد. بهذه الحالة يمكننا القول أن الأنظمة المتشكلة كبديل جديد تقوم باستثمار طاقات المرأة وهي تخدع الجماهير في ضم المرأة للحراك الشعبي. بالمقابل تنكر المرأة وترفض وجودها لأبعد الحدود، هذا ما يمكننا تسميته بمجزرة النساء، حيث تقتل فيها المرأة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا وإراديا، من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى اندلاع ثورات جديدة في مواجهة الأنظمة الإسلامية السياسية في المراحل المقبلة.

هنا أريد القول أن المرأة الغير منظمة المتروكة لرحمة الرجل لا بد وأنها منتهية ومقضي عليها، فالمرأة التي تنضم للمسيرات الشعبية بشكل عاطفي وعشوائي، تساهم مباشرة في هدم النظام، لكنها لا تضع الأسس التي سيتم بناء النظام الجديد عليها، من الضروري جدا أن تقوم المرأة بوضع شروط انضمامها للثورة كي تنال حقوقها، فلا يمكن للمرأة أن تصوت للرجل الذي يقوم بتجليدها بشكل يومي، مع الأسف الشديد، هذا ما يحدث وما نراه بأم أعيننا بسبب ضعف الوعي التنظيمي بين صفوف النسوة. لهذا أود القول أن على كافة النساء أن يقمن بمناقشة الدستور الجديد للبلاد التي تحمل الانتفاضة بداخلها، بحيث يمكنها تأمين حقوقها وحرياتها عن طريق الدستور الجديد، وعليها أن تفرض شروطها في الساحة العملية عن طريق تنظيم المسيرات النسائية المنادية بحرية المرأة، من غير الممكن أن يكون هدف المرأة هدم النظام الحاكم فقط، إنما الأهم من ذلك هو بناء النظام الجديد البديل. لهذا على المرأة السورية أن تتخذ الدروس والعبر من انتفاضة الشعوب الأخرى، كي تكون هي متمسكة بحقوقها ومنظمة من أجل تحقيق ذلك على أرض الواقع، أن لا تترك الفراغات بهذا الخصوص، وإلا سيكون نتيجة الثورات هذه وخيمة جدا بالنسبة لها. لذلك على كافة النساء في سوريا، أن يكن أكثر وعيا لحقوقهن المشروعة وأن ينتظمن تحت سقف تنظيمي واحد ومبادرة نسائية واسعة النطاق بحيث تشمل كافة القوميات والطوائف والتنظيمات والمؤسسات والشخصيات المثقفة. وتحت "شعار إذا لم تتحرر المرأة لن يتحرر المجتمع" يجب أن يناضلن في مواجهة النظام الذكوري المتسلط القديم منها والجديد. وعلى المرأة الكردية أن تكون أكثر تيقظا لألاعيب الإسلام السياسي وأن لا يهدرن طاقاتهن في سبيل تحكيم النظام الذكوري في المجتمع الكردي. عليها أن تطرح البديل بنفسها وحسبما يخدم حرية المجتمع بأكمله. فكما للشعوب حق تقرير المصير للمرأة أيضا حق تقرير مصيرها، هي التي ستبدي رأيها وتفرض قرارها على أرض الواقع في تشكيل الدستور الجديد عن طريق أخذ مكانها في مراكز القرار في أعلى المستويات.

لقد أثبتت المرأة الكردية وجودها ضمن الانتفاضة السورية، هي التي قادت الانتفاضة الكردية في غربي كردستان، انضمت لكافة العمليات التظاهرية التي خرجت في كافة المدن والنواحي في المنطقة، لهذا كانت هي الأكثر تنظيما بين الجماهير الكردية، فوقفة المرأة الكردية ستكون هي الأكثر تأثيرا في عملية البناء الديمقراطي للمجتمع  وسيكون لها التأثير الواضح في عملية بناء سورية ديمقراطية أيضا. بالرغم من السياسات الاستقصائية والإنكارية التي سيرها النظام السوري في مواجهة المرأة في الأعوام السابقة، إلا أنها لم تتراجع قيد أنملة عن مهامها الوطنية، لذلك كانت السباقة إلى الانضمام للانتفاضة.

فكما قلت أن هذه تعتبر فرصة تاريخية بالنسبة للمرأة كي تطيح بأنظمة يمتد عمرها الى خمسة آلاف عام، عليها أن لا تأخذ قضية حرية المرأة على أنها قضية عائلية مؤقتة ومتغيرة من شخص لآخر، إنما هي قضية استعباد ذهنية تاريخية، بحاجة لمعالجة تاريخية يقاس بعمر النظام الذكوري، وهذا ما يتطلب كفاح ونضال مستمر ومنظم وواعي، يعتمد على دفع قوة المرأة وديناميكيتها الثورية إلى الانضمام الكثيف والفعال للانتفاضة الشعبية، كي تلعب دور الطليعة في المرحلة التاريخية هذه. وكي لا تخرج من المولد بلا حمص عليها أن تكون أكثر تعقلا وسياسة من أن تهدر طاقاتها لخدمة واستحكام نظام ذكوري بنظام ذكوري من نوع آخر.

على المرأة أن تتعرف على تاريخها أولا، التاريخ الغير مكتوب، كي تقود المرحلة بشكل سليم على فئة الطليعة أولا أن تكون أكثر قدرة على معرفة ذلك، عليها أن تعتمد على ذاتها في كل شيء، هي التي ستقوم بتوعية المرأة، وهي التي ستؤهلها للثورة وليس الرجل، عليها أن تتعرف على قوتها وإمكاناتها التنظيمية والإدارية، من خلال تجربة المرأة الكردية لذلك، رأينا بأنها قادرة على فعل كي شيء إن كانت مقتنعة بالفكرة، وتتقرب بدون حسابات سياسية، إنما إحساس الحرية هو الذي يدفعها لتخطي قيود الموت كي تنطلق نحو التحرر، ولا تستطيع أية قوة في العالم إيقافها أو إبعادها عن الطريق، لذلك تكون هي المنتصر إن عملت بفهم واعي لقضية التحرر الجنسوي، هذا ما يتطلب من المرأة السورية أن تقوم به، دون أن تضع لنفسها القيود ضمن الحدود التي تم رسمها لها من قبل النظام الحاكم والنظام الاسري.

 

 

 

 تبسمت الشفاه وف الوجوه لدى بدء الانتفاضة الشعبية في كل من تونس ومصر، تعلقت آمال الشعوب بهذه الانتفاضة سرعان ما بدأ الشباب بإضرام النار بجسدهم كي تكون نقطة بداية لانتفاضة عارمة في بلادهم، يقفون ضد الظلم والاعتداء المستمر منذ أكثر من خمسين عاما. بإمكاننا القول أن الجيش التونسي والمصري اتخذ موقفا مساندا لشعبه بكل وضوح، أدى ذلك إلى تغيير النظام الحاكم وسادته بقيادة الشبيبة الفتية دون هدر للدماء كما يحدث الآن في اغلب مناطق سوريا. كانت هي الانتفاضة الحقيقية التي عبرت عن مطالب ومشاعر الجماهير في بداياتها، حيث أطاحت برؤساء الأنظمة الديكتاتورية، أما في ليبيا فقد ولدت الانتفاضة بمغصات أليمة وعمليات قيصرية أدت إلى ولادة طفل مشوه ناكر لكدح المرأة الأم. لأن عملية الحمل كانت نتيجة احتقان من أدوية النظام الرأسمالي المتعطش لحليب أمهات منطقة الشرق الأوسط بكاملها. هذا وكما تستمر الانتفاضة بأوج حرارتها في كل من سوريا واليمن وبعض البلدان التي تتعرض لرجات شعبية بين الحين والآخر، لكن هذه الانتفاضات التي بدأت كردة فعل قوية في مواجهة الانظمة الديكتاتورية الشوفينية الحاكمة والتي ضحى فيها الآلاف بأرواحهم فداء في سبيل التحرر من نساء وأطفال وشباب وشيوخ.

لكن ماذا حل بالانتفاضات الشعبية هذه؟ هل فعلا حققت الأهداف التي كانت تصبوا إليها منذ البداية؟ أم أنها انحرفت عن نهجها وانقلبت لضدها؟ فنتيجة التدخلات الخارجية لهذه الانتفاضة ومحاولة إفراغها من جوهرها، نرى أن الانتفاضة تحولت إلى وسيلة لتحطيم آمال الشعوب في تحقيق الحرية. هذا وعندما نحلل النتائج الناجمة والأنظمة البديلة التي ظهرت على الساحة، نرى بأن القوى الإسلامية المتشددة هي التي تسلمت السلطة، وأما في مصر لا تزال الحكومة بيد السلطة العسكرية، فبدأت الصراعات والاشتباكات بين الفئات المتصارعة على السلطة من جديد. أتى الإسلام السياسي كي يكتم أنفاس الجماهير وبالأخص المرأة والشبيبة. تحاول الأنظمة الرأسمالية ترسيخ نظامها الجديد عن طريق تعزيز الصراعات والنعرات الطائفية بين شعوب المنطقة ونشر موديل الإسلام السياسي. بمعنى من المعاني يمكننا القول أن النظام العالمي الرأسمالي يقوم بتنظيم المنطقة من جديد، بهذا يقوم باستقصاء الحركة الكردية من الفرز الجديد من ناحية ويقوم باستقصاء المرأة والشبيبة من هذه النجاحات من ناحية أخرى، بالرغم من أن الانضمام الكثيف أتى من قبل كل من فئة الشبيبة والمرأة إلى هذه الانتفاضة لدرجة يمكننا إرجاء الدور الأعظمي لانتصار الثورة إلى هاتين الفئتين. لكن ما ظهر فيما بعد الثورة هو تقليد الأنظمة الجديدة للأنظمة القديمة وتقمصها لنفس الدور الذي كان يلعبه نظام الدولة القوموية في اسلوب إدارة المجتمعات وسلب حرياته، هذا وكما يمكننا نعتها بالأنظمة الأكثر تعصبية من سابقاتها، حيث تقمصت الأولى دور القوموية أما الثانية تتقمص دور الدينوية المنبعثة من نفس المبدأ ونفس الذهنية التي تسعى لتسلم زمام السلطة. وكلا موديلي النظام يكون تقربه من قضية المرأة متشابه ومتوحد في مبدأ حريتها. حيث يبني شكلا رجعيا معتمدا على عبودية المرأة في بناء الحياة المجتمعية وطراز العيش. الانظمة الجديدة تستقصي المرأة من نتائج الانتفاضة وتحرمها من حقوقها المشروعة في الانضمام لكافة ميادين الحياة وخاصة ميدان العمل السياسي. بعد انهيار نظام القذافي أعلنت الحكومة الانتقالية مباشرة بالتزامها بالقوانين الشرعية التي تم تسييسها من قبل الأحزاب الإسلامية الطائفية كحزب العدالة والتنمية في تركيا، وحركة الإخوان المسلمين في مصر وسوريا، ففي ليبيا تم إطلاق كامل الحرية للرجل كي يتزوج بعدد من النساء بحجة نقص عدد الرجال وازدياد عدد النساء وأصبحت قوانين الشرع هي السائدة في البلاد. وفي مصر أقصيت المرأة من حق الانتخاب في العديد من المراكز الانتخابية البرلمانية وعكفت في المنزل مرة أخرى. كما اصدر وفي الفترة الأخيرة من قبل جامعة الأزهر البعض من الفتاوة التي تحد من انضمام نسائي حر الى كافة المجالات الحياتية، وهذا بدوره ما يساهم في تفشي ثقافة الذهنية الذكورية وفتح الطريق امام إبادة المرأة. وهذا ما حدث في تونس أيضا حيث انتصر حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التونسية المقتصية على انضمام المرأة الى هذه العملية بشكل يليق مع حريتها ومع مجتمع جنسوي حر ومع جوهر انتفاضة الياسمين. أما في سوريا نرى بأن الحركة النسوية تتحرك بتريس شديد، وحزب الإخوان المسلمين يقوم باستثمار طاقات المرأة في خدمة مصالحه الهادفة إلى استلام دفة السلطة. بالرغم من أن هذا الحزب لا يعطي أي اعتبار للمرأة لا في الحياة الاجتماعية ولا السياسية، وهو الذي يقوم بدفع المرأة الى الهاوية كي يبسط زمام سلطته على المجتمع بأكمله، هذا ما يجعلهم أن يطلقوا على انتفاضة الشعوب اسم انتفاضة الإسلام أو ربيع الإسلام. في الحقيقة ان ما يكمن وراء هذه التسمية هو حقيقة نظام إسلامي معتدل ومتعاون مع الخارج في سبيل إفشال الخطوات المتقدمة للشعوب صوب ربيع ديمقراطي شعبي أوسطي حر. لذا فان ربيع الشعوب المسمى اليوم بربيع الإسلام يعتبر هجمة خطيرة على المرأة ايضا، كونه ربيع لإسلام سياسي معتدل بمكياج غربي. من المعلوم أن الدين يعتبر مسألة عقيدة وعبادة للرب وليس له علاقة بالسلطة لإدارة الدول، لكن الإسلام السياسي المعتدل ظهر على شكل أحزاب سياسية تستهدف النظام الحاكم كي تبني سلطتها لتكون حليفة مباشرة للأنظمة الرأسمالية العالمية. فبعد تجربة العراق ظهر بأن أمريكا غير قادرة على تلبيس المجتمع الأوسطي ما فصلته في مخططاتها التآمرية ومشاريعها الفاشلة. الطابع الديني التاريخي لشعوب المنطقة يشكل عائق جدي أمام تحقيق مطالب النظام الرأسمالي، لذلك سعى فيما بعد إلى تأسيس أحزاب إسلامية أو دعمها في المنطقة كي تلعب دور حصان طروادة. وهذا هو الوجه الجديد للغزوات الغربية على منطقتنا، ليبيا هي المثال الواضح على ذلك.

أما الوضع السوري فهو لا يشبه ليبيا ولا تونس ولا مصر ولا حتى اليمن، نسبة للموزاييك السوري، نرى بأن القوى الخارجية تضطر لتفصيل جديد ومغاير لما كان في الدول الأخرى من الشرق الاوسط، فكثرة القوميات وتعدد الأديان والمذاهب، يؤدي إلى عدم نجاح المشاريع المخططة من قبل هذه الأنظمة. فالشعب الكردي مسالم بطبيعته وغير متزمت، وينادي بوحدة الوطن والديمقراطية لكافة شعوب سوريا ويبدي الاحترام لكافة انواع الأقليات والأديان والمذاهب في المجتمع نظرا لعيش مشترك يمتد الى تاريخ طويل. كما يوجد الأرمن والشركس والسريان والعرب الذين لم يعيشوا أي تناقض فيما بينهم سوى النزاعات التي خلقها النظام بعمد مقصود. لذلك لا تتوحد قوى المعارضة في سورية حول شكل نجاح الانتفاضة وتكوين النظام البديل. من المؤكد أن للشعب الكردي الدور الأساسي في إنجاح عملية الدمقرطة في سوريا، خاصة وأنه يمثل أقدم معارضة في مواجهة النظام البعثي الحاكم. إنه يطالب بحقوقه الوطنية المشروعة، لكن القوى الخارجية أيضا تسعى لإقصاء الشعب الكردي من نتائج الانتفاضة هذه، فالشعب الكردي ووضع المرأة مشابه لبعضه البعض في هذا النقطة تحديدا. تتركز كافة السياسات حول إنكار وتصفية الحركة التحررية الكردستانية وترك المرأة أسيرة المنزل. لذلك تقوم حكومة أردوغان بتشكيل مؤسسات إسلامية سياسية في المناطق الكردية، إنه يعتمد على تنظيم المرأة أولا ومن ثم على الشبيبة. وفي الآونة الأخيرة نرى بأن تدخلات حركة الإخوان المسلمين للمناطق الكردية كمشروع متمم للسياسة الخارجية تسعى الى تعليم النساء والفتيات على الخصوص بالدروس الدينية وضمهن للمظاهرات بهدف استخدام هذه الديناميكية الحياتية للمجتمع في خدمة مآربها والوصول الى السلطة بدل النظام الحاكم، وهذه هي الذهنية الذكورية الماكرة. في هذه النقطة بالذات أريد أن أنوه إلى أنه ليس من الخطأ أن تنضم المرأة للانتفاضة الشعبية، إنما الخطاء في إبعادها وإقصائها عن نتائج الانتفاضة هذه واستخدامها كوسيلة في عملية هدم الأنظمة الموجودة فقط دون تفعيلها في عملية البناء من جديد. بهذه الحالة يمكننا القول أن الأنظمة المتشكلة كبديل جديد تقوم باستثمار طاقات المرأة وهي تخدع الجماهير في ضم المرأة للحراك الشعبي. بالمقابل تنكر المرأة وترفض وجودها لأبعد الحدود، هذا ما يمكننا تسميته بمجزرة النساء، حيث تقتل فيها المرأة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا وإراديا، من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى اندلاع ثورات جديدة في مواجهة الأنظمة الإسلامية السياسية في المراحل المقبلة.

هنا أريد القول أن المرأة الغير منظمة المتروكة لرحمة الرجل لا بد وأنها منتهية ومقضي عليها، فالمرأة التي تنضم للمسيرات الشعبية بشكل عاطفي وعشوائي، تساهم مباشرة في هدم النظام، لكنها لا تضع الأسس التي سيتم بناء النظام الجديد عليها، من الضروري جدا أن تقوم المرأة بوضع شروط انضمامها للثورة كي تنال حقوقها، فلا يمكن للمرأة أن تصوت للرجل الذي يقوم بتجليدها بشكل يومي، مع الأسف الشديد، هذا ما يحدث وما نراه بأم أعيننا بسبب ضعف الوعي التنظيمي بين صفوف النسوة. لهذا أود القول أن على كافة النساء أن يقمن بمناقشة الدستور الجديد للبلاد التي تحمل الانتفاضة بداخلها، بحيث يمكنها تأمين حقوقها وحرياتها عن طريق الدستور الجديد، وعليها أن تفرض شروطها في الساحة العملية عن طريق تنظيم المسيرات النسائية المنادية بحرية المرأة، من غير الممكن أن يكون هدف المرأة هدم النظام الحاكم فقط، إنما الأهم من ذلك هو بناء النظام الجديد البديل. لهذا على المرأة السورية أن تتخذ الدروس والعبر من انتفاضة الشعوب الأخرى، كي تكون هي متمسكة بحقوقها ومنظمة من أجل تحقيق ذلك على أرض الواقع، أن لا تترك الفراغات بهذا الخصوص، وإلا سيكون نتيجة الثورات هذه وخيمة جدا بالنسبة لها. لذلك على كافة النساء في سوريا، أن يكن أكثر وعيا لحقوقهن المشروعة وأن ينتظمن تحت سقف تنظيمي واحد ومبادرة نسائية واسعة النطاق بحيث تشمل كافة القوميات والطوائف والتنظيمات والمؤسسات والشخصيات المثقفة. وتحت "شعار إذا لم تتحرر المرأة لن يتحرر المجتمع" يجب أن يناضلن في مواجهة النظام الذكوري المتسلط القديم منها والجديد. وعلى المرأة الكردية أن تكون أكثر تيقظا لألاعيب الإسلام السياسي وأن لا يهدرن طاقاتهن في سبيل تحكيم النظام الذكوري في المجتمع الكردي. عليها أن تطرح البديل بنفسها وحسبما يخدم حرية المجتمع بأكمله. فكما للشعوب حق تقرير المصير للمرأة أيضا حق تقرير مصيرها، هي التي ستبدي رأيها وتفرض قرارها على أرض الواقع في تشكيل الدستور الجديد عن طريق أخذ مكانها في مراكز القرار في أعلى المستويات.

لقد أثبتت المرأة الكردية وجودها ضمن الانتفاضة السورية، هي التي قادت الانتفاضة الكردية في غربي كردستان، انضمت لكافة العمليات التظاهرية التي خرجت في كافة المدن والنواحي في المنطقة، لهذا كانت هي الأكثر تنظيما بين الجماهير الكردية، فوقفة المرأة الكردية ستكون هي الأكثر تأثيرا في عملية البناء الديمقراطي للمجتمع  وسيكون لها التأثير الواضح في عملية بناء سورية ديمقراطية أيضا. بالرغم من السياسات الاستقصائية والإنكارية التي سيرها النظام السوري في مواجهة المرأة في الأعوام السابقة، إلا أنها لم تتراجع قيد أنملة عن مهامها الوطنية، لذلك كانت السباقة إلى الانضمام للانتفاضة.

فكما قلت أن هذه تعتبر فرصة تاريخية بالنسبة للمرأة كي تطيح بأنظمة يمتد عمرها الى خمسة آلاف عام، عليها أن لا تأخذ قضية حرية المرأة على أنها قضية عائلية مؤقتة ومتغيرة من شخص لآخر، إنما هي قضية استعباد ذهنية تاريخية، بحاجة لمعالجة تاريخية يقاس بعمر النظام الذكوري، وهذا ما يتطلب كفاح ونضال مستمر ومنظم وواعي، يعتمد على دفع قوة المرأة وديناميكيتها الثورية إلى الانضمام الكثيف والفعال للانتفاضة الشعبية، كي تلعب دور الطليعة في المرحلة التاريخية هذه. وكي لا تخرج من المولد بلا حمص عليها أن تكون أكثر تعقلا وسياسة من أن تهدر طاقاتها لخدمة واستحكام نظام ذكوري بنظام ذكوري من نوع آخر.

على المرأة أن تتعرف على تاريخها أولا، التاريخ الغير مكتوب، كي تقود المرحلة بشكل سليم على فئة الطليعة أولا أن تكون أكثر قدرة على معرفة ذلك، عليها أن تعتمد على ذاتها في كل شيء، هي التي ستقوم بتوعية المرأة، وهي التي ستؤهلها للثورة وليس الرجل، عليها أن تتعرف على قوتها وإمكاناتها التنظيمية والإدارية، من خلال تجربة المرأة الكردية لذلك، رأينا بأنها قادرة على فعل كي شيء إن كانت مقتنعة بالفكرة، وتتقرب بدون حسابات سياسية، إنما إحساس الحرية هو الذي يدفعها لتخطي قيود الموت كي تنطلق نحو التحرر، ولا تستطيع أية قوة في العالم إيقافها أو إبعادها عن الطريق، لذلك تكون هي المنتصر إن عملت بفهم واعي لقضية التحرر الجنسوي، هذا ما يتطلب من المرأة السورية أن تقوم به، دون أن تضع لنفسها القيود ضمن الحدود التي تم رسمها لها من قبل النظام الحاكم والنظام الاسري.