بحث عن وضع المرأة ضمن المجتمع الرأسمالي [1]

18 ژوئی 2019 پنج ش

الهوية الأيديولوجية الرأسمالية،. الفردية هي زئير وزعيق الفرد، وحوش رأس المال

في غضون تشكل الهوية الأيديولوجية الرأسمالية وبنيتها المعنوية، وإلى جانب استثمارها  للجانب العلمي الغالب في عصرها، وامتلاكها أرضية تتخذ الفرد أساساً لها وترتقي بالإنسانية بشكل ظاهر للعيان؛ إلا أن خاصية احتوائها على شتى أنواع المخاطر بين طياتها أيضاً تظهر منذ نشأتها الأولى وبكل جلاء. إن ما ميز الرأسمالية عن الإقطاعية هي التطورات العلمية-التقنية الحاصلة. ومن المعروف أيضاً أن التمأسسات السياسية والاجتماعية العديدة وفي مقدمتها "الدولة القومية"، "الجمهورية"، "العلمانية" كانت نتيجة منبثقة منها. هذا إلى جانب تمهيدها السبيل للأنشطة الطبقية والقومية.

يعد الفرد الرأسمالي حركة انتقام من ظاهرة "المجتمع"، فالهوس الفردي في مرحلة الولادة بالأخص لا يعترف بأية حدود، بل يؤمن بأن انقطاعه عن كل ما يوثق رباطه بالماضي يعني تحرره، ويقرن قوة المال بقوة الرب على السواء. بمعنى آخر، فإن معادلة "الرب=المال" تليق بالمجتمع الرأسمالي أكثر من غيره، فالمال هو التعبير الملموس لروح النظام، والقوة السحرية التي تصوغ كافة القيم بالتأكيد. وبينما تجسدت رموز المجتمع في الكيانات السابقة في الطوطم، الإله، الملك-الإله، فإن المال في الكيان الرأسمالي هو القوة الأكثر تأثيراً، والتي تعكس المجتمع وتعبر عن مضمونه بأقوى الأشكال، وتجذب الروح الفردية إليها، وتُفدى في سبيلها كل الأمور والقيم، وإن دعت الحاجة فيمكن شن حروب ضارية تراق فيها دماء البشرية ويُباد فيها كل البشر في سبيلها. والهوية الروحية المتكونة حول المال تكون سارية المفعول هنا. فالفردية هي الخاصية الروحية الأساسية للنظام المولّد للمجتمع الرأسمالي. ومثلما يعبر العلم عن الذهنية الأساسية لهذا المجتمع، فإن الفردية أيضاً تشكل خاصيته الروحية الأساسية. الفردية هي زئير وزعيق الفرد الذي لا توثقه أية روابط أو مقدسات، ووصل لدرجة الطيش والجنون، والذي لا يقدس سوى منفعته هو منذ ولادة الرأسمالية؛ وهي صراخ الفرد الذي يستمد قوته من "أنا"ه (أنانيته) قبل كل شيء آخر.

تحولت الظروف الرأسمالية المتمحورة حول الربح إلى حروب استفزازية بين الدول مع مضي الزمن. وكلما حظي مفهوم "المزيد من الأرض" بمعنى "المزيد من الربح"، تحولت مشاعر "حب الوطن"، التي كانت تحظى بمعاني مقدسة وتقدمية بادئ ذي بدء، إلى مشاعر شوفينية اعتدائية وانتحت مساراً رجعياً، فمهدت السبيل لاندلاع حروب غير عادلة ومجحفة. بالتالي، وبتشبث الرأسمالية بمصطلح "الوطن" بشكل متطرف إلى جانب المشاعر "القومية" المتطرفة، فتح المجال لاندلاع أكثر الحروب دموية وضراوة في التاريخ الحضاري. وفي يومنا الراهن تُبْذَل جهود حثيثة لتلافي الأنانية المنفعية للرأسمالية بحدث مناقض لها، أي بظاهرة "العولمة". وإلى جانب ذلك لم تجد المجتمعات، التي عاشت مجتمعةً حول ثقافة مشتركة طيلة التاريخ البشري، الفرصة المواتية للبلوغ التام لمصطلح "الوطن الحر"، وذلك بسبب دوغمائية العصور الوسطى وشوفينية الرأسمالية وسماتها الاحتلالية سواءً المباشرة أو غير المباشرة.

أرست الشوفينية القومية قاعدة العداوات الجديدة حيال الحقائق والشعوب الأخرى، وذلك من خلال مفهوم "التفوق" والتعجرف البعيد عن الواقعية. كما حلت الحروب القومية محل المعارك الدينية والمذهبية القديمة، ولجأت الطبقة الرأسمالية إلى لعبة تحريف الهوية الأيديولوجية مثلما فعلت كافة الطبقات المستغِلة المهيمنة في سبيل التستر على مصالحها وإخفائها وتوجيه الأنظار إلى نواحي أخرى مختلفة. أي أن اللعبة ما برحت مستمرة بإزالة القناع الديني والإلهي وإسدال الستار القومي وبطولاته عوضاً عنه. أما الشعوب التي لم تحظَ بهويتها القومية بعد، فستسير قُدُماً وبشكل أفضل نحو الحرية من خلال الوعي القومي والتعاضد فيما بينها. وعلى العموم فالتطرف القومي يقوم بملء الثغرات التي يتركها الدين في حياة الفرد ليثير بذلك المشاعر الشوفينية ويلعب دوراً سلبياً للغاية. هذا الواقع المحتدم في القرن العشرين على وجه الخصوص، سينفث سمومه في المجتمع الدولي عن طريق الحروب الدموية الضارية التي تعد القوت الأيديولوجي الأساسي له، لينشر التجزؤ في العالم الإنساني ويبث روح التمييز العرقي والحقد والنقمة، ويطور بالتالي مواقف مناهضة تماماً للتوجهات الإنسانية ومبادئها.

لقد تعقدت السياسات المتبعة من قبل الدولة إزاء الفرد بشكل أكبر في أجواء المجتمع الرأسمالي، حيث استُهدِف خلق الفرد-الإنسان  المزيف والمصطنع الذي حُدِّدت تكوينته الذهنية والروحية مسبقاً من خلال الإمكانيات التقنية، ليتطور ما يطلق عليه اسم "العبودية المعاصرة" عن التمأسسات. وفي الحقيقة يتم قلب الدوغمائيات والطموحات الفردية غير التابعة لأحد، والمتخذة أساساً في ولادة الرأسمالية رأساً على عقب بأسلوب أمكر وبدهاء أخبث، حيث، وبفضل التطورات المذهلة في تقنيات الاتصال خاصة، خُلق مجتمع وفرد تابعين تماماً بشكل لا نظير له في أي حقبة تاريخية. وهنا يكمن مربض أكبر المخاطر حيث يراد خلق توازن بين الفردية الطائشة والجنونية والتبعية الاجتماعية الطائشة الجنونية.

مر القرن العشرون مثقلاً بالأساليب الإمبريالية وحركات التحرر الوطني، الاشتراكية والديمقراطية، الثورة والثورة المضادة، الترميم والإصلاح، الانقلابات والانقلابات المضادة بشكل لا قرين له في أي فترة تاريخية أخرى، وسُجِّل في ذاكرة التاريخ كأكثر القرون دموية. ويقال فيه بأنه العصر الذي انتاب الطيشُ الإنسانيةَ بأسرها فيه، إذ استخدمت أفظع الأسلحة أثناءه، ووُطِئت فيه كل العقائد والقيم المعنوية وسويت بالأرض، وواجه المجتمع مرحلة فناء كاملة ليس على الصعيد الداخلي فحسب، بل وعلى صعيد البيئة الطبيعية التي يشغلها أيضاً.

ويلعب الجشع في ربح رأس المال دور الإرادة الإلهية الجديدة الكامنة وراء كل هذه التغيرات الجارية. لقد تمخض "الملك-الرب" عن القيمة الفائضة المذهلة في بدايات نشوء النظام العبودي. أما القيمة الفائضة الناجمة عن رأس المال فقد صعّدت من هذا التطور إلى الذروة وأبلت الإنسانية بوباء "الملك-انعدام الرب" بشكل أكبر خطورة وبسرعة البرق.

يعد القرنان التاسع عشر والعشرون الفترة التي بدأ فيها تصدير رأس المال إلى جانب التجارة. ويعتبر تصدير رأس المال (مضموناً) تصديراً للنظام، وانفراج العالم بأسره للحضارة الرأسمالية. لقد خطا عالمنا أكبر خطواته في العولمة التي يقوم بها مع كل نظام توسعي كبير، في الربع الأخير من القرن العشرين، وكأن الكون غدا ساحة توسع وانتشار لا حدود فيها.

أما أوروبا فأصيبت بالإرهاق الشديد نتيجة الحربين العالميتين اللتين خاضتهما، والحروب الاستعمارية الكلاسيكية التي شنتها بأعداد لا حصر لها على الصعيدين الداخلي والخارجي. وبينما جهدت في غمرة ذلك إلى نقل ذاتها إلى العالم، عانت الإرهاق والتعب الشديدين الناجمين عن فوزها المتحقق. وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة الحضارة الرأسمالية مثلما كانت عليه أوروبا الغِرَّة  المتهورة سالفاً. أي أن تكريس وتجذير التوسع من جهة وإدارته من جهة أخرى غدا الوظيفة التاريخية لأمريكا بعد الآن، حيث استحوذت على وضعية تُمكِّنُها من تجاوز أوروبا بعد توغلها أكثر فأكثر في الثورة العلمية والتقنية، وبلغت الأعالي عن طريق تقنيات الذَرَّة والفضاء والإنترنت. أما الطريق التي سلكتها في سياستها التوسعية فكانت "الاستعمار الحديث" الذي يحتوي في مضمونه على تضخيم أسهم رأس مال الأنظمة الرأسمالية المحلية، ويعتمد من أجل ذلك على أساليب أهمها فتح الباب على مصراعيه للتجوال الحر لرأس المال، ونشر الثقافة الرأسمالية إلى أقصى الأصقاع، والإفادة من وسائل الإعلام والاتصال بأفضل الأشكال. وبهذا المعنى ربما كانت أمريكا هي القوة الإمبريالية الأخيرة في التاريخ الحضاري، والتي فتحت العالم تماماً على الرأسمالية الناضجة.

إن العولمة التي بسطت اسمها في كافة أرجاء المعمورة، تعني بسط نفوذ رأس المال في العالم في نفس الوقت. أما بسط النفوذ بدوره فيتطلب ترسيخ نظام معين في العالم، والقضاء على كافة التناقضات الداخلية الناجمة عنه. ولأجل احتواء الطبقة الرأسمالية كل الكون، استلزم الأمر مع الزمن التسريع من بناء شبكة الاتصالات والمعلوماتية. وحينما حثَّت طبقة الرأسماليين العمالقة المتحدة حول الاقتصاد الليبرالي-الحديث خطاها لتأمين هذه السرعة اللازمة، حدث الانفجار في الميدان التكنولوجي. هكذا، وفي  سبيل إنتاج الأفضل والأجود والأحدث والغوص في السوق العالمية والاستحواذ على واردات هائلة، بنيت الشركات الضخمة على أساس عقد الصفقات الاتفاقية من جهة، وبدأ التنافس الذي لا يمكن ضبطه من جهة أخرى. وهذا ما أقحم العالم الإنساني في مخاطر عالمية وجهاً لوجه. أما المسؤول الوحيد عن هذه المشاكل، فليس إلا الغول الرأسمالي الذي يمتص العالم مادياً ومعنوياً بوحشية مريعة ويُهرِّشه.

لا يمكن عولمة الاقتصاد الليبرالي سوى عن طريق لغة وثقافة ومعلومات وحِرَف وتبادل وتكنولوجيات تسود العالم كله وتحكمه. وهذا بدوره لا يكون سوى بتوجيهٍ من قوة حاكمة منتشرة في كافة الأصقاع وبتنسيقها هي. أما التنسيق الذي سيتمخض عن ذلك فسيكون مصبوغاً باللون الغالب على الموجِّه الحاكم. ولا يمكن تطبيق هذا إلا بتحقيق قبول الشعوب والطبقات اليت تُطبَّق عليها هذه المخططات لها. وعلى هذا الأساس أنشأت الإمبريالية العالمية الحديثة كيانات جديدة بهدف تأمين الليبرالية والاعتدال بين البلدان. وقد تناقضت هذه  الكيانات الجديدة المنظمة، بمقتضى مصالح الطبقة الرأسمالية الدولية الضيقة، مع الآليات الداخلية لتلك الأوطان، وواجهت تصدي الشعوب والأقليات التي تسكن فيها.

سعت الإمبريالية المكورة لتخطي هذه التصديات المعرقلة لها عن طريق التلفظ بكلمات الديمقراطية والسلام والتآخي، مع أنها في الأصل تجهد، بالتستر تحتها، إلى إخماد تحديات الشعوب والأقليات بسياساتها الليبرالية-الحديثة الخبيثة للغاية وربطها بذاتها. إن الإمبريالية التي هدرت طاقاتها تجاه ازدياد الالتفاف حول الاشتراكية وأصيبت بالعقم إزاءها في السبعينيات والثمانينيات؛ باشرت في تطوير مصطلح الديمقراطية الليبرالية كبديل للاشتراكية، وإتباع سلوك "الليبرالية-الحديثة" الذي يعني إعادة تأسيس الذات مع حلول التسعينيات. أما مفهوم "الديمقراطية الليبرالية" ذاك، والذي يُعمَل على تطويره فيما بعد أعوام التسعينيات، فيُقام بنشره في الأرجاء وبسطه احتذاءً بالنتائج المستنبطة من انهيار الاشتراكية المشيدة. أي أن الإمبريالية اليوم تقوم بتطوير الحاجة للدمقرطة، التي لم تستطع الاشتراكية المشيدة تأمينها، ولو ظاهرياً لتجعل من ذاتها ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها بين بلدان العالم. وبتقمصها مهمة ترسيخ السلام العالمي، تبدي عزمها الكبير على إدامة نظامها الحاكم.

بينما تضفي الرأسمالية المكوَّرة بوعودها هذه على شعوب العالم من جهة، فإنها تشن حروباً ضارية ضد مكامن التحديات والمقاومات التي تراها عراقيل أمامها، وتستمر في التسلح اللامحدود للاستيلاء دون أي ريب على مستقبل الإنسانية والتحكم فيها من جهة أخرى. وفي حين تربط الشعوب الفقيرة المتخبطة في الجوع والحرمان بذاتها تحت اسم المعونات الدولية من جانب، فإنها تترك الشعوب المتصدية لها والمتمردة عليها تغوص في الجوع والذل ضمن نطاق سياسات العقوبات الدولية من جانب آخر.

أما في الأماكن التي صعب بلوغ النتائج المتوخاة فيها، فقد حاولت إدامة نفوذها عن طريق أساليب ما بعد الحداثة، التي تستهدف بدورها بناء مجتمع عديم الأيديولوجية، عديم السياسة، عديم اليوبوبيا والخيال، عديم الهوية، ومتفسخ رث. واليوم فإن الشعوب التي أصبحت عرضة لممارسات ما بعد الحداثة، بقيت أمام افتقار أصلها وجهاً لوجه، وانعدمت الروح والحيوية فيها. وبذلك تُبذل الجهود على قدم وساق لسدل الضباب على عالم الفئات الأكثر حيوية في المجتمع لتخديرها وتجميدها، وامتصاص ردود فعلها تماماً بهدف تهميشها.

إن الإمبريالية المكورة التي لا يشغلها شاغل سوى إدامة هيمنتها على العالم ضمن واقع مجتمع بالٍ مهترئ ومجمَّد، مُستَأصَل عن قيمه الإنسانية، والذي زُجَّ به في متاهات الجنسية واللا مبالاة؛ قامت في الوقت نفسه بإخلال التوازن البيئي الطبيعي في الكون حصيلة قيامها بالإنتاج الهائل.

أما وحوش رأس المال الذين يسعون لإشباع نزواتهم ونزوعهم للسطوة والسيطرة عن طريق الكم الهائل من الربح، فلا يترددون بتاتاً في دفع العالم نحو الهاوية بوتيرة أسرع في سبيل تضخم أكبر لهم. وبذلك تُبذل الجهود لخلق نمط من الإنسان غائر بين سراديب الإنتاج الهائل المقدم للاستهلاك، لا يدري ما يريد ولماذا يعيش، عديم الهدف، متذبذب، يعمل على إشباع ذاته من خلال فانتازيا الموضة، معقد، متأزم، مريض ومهتز. وكل ذلك يتم تحت ستار "حقوق الفرد الديمقراطي".

وبذلك تمكن الرجل، الذي استولى على خاصية الإبداع والإنتاج من المرأة في الماضي البعيد، من خلق فرص تطوير تلك الخاصية أكثر فأكثر مع حلول العصر الرأسمالي، الذي يمثل ذروة نظام المجتمعات الطبقية ذات السمة الذكورية بأفضل الأشكال. أما الطبقة البورجوازية التي لعبت دوراً ريادياً في تطوير وسائل الإنتاج، العلم والتقنية، الفلسفة والثقافة في النظام الرأسمالي؛ سعت لبلوغ السلطة بما تقتضيه مصالحها بتضامنها مع الطبقات العاملة والقروية والكادحة، ومع القوة النسائية من هذه الطبقات المسحوقة، واستندت إليها لتدخل في صراع مرير واشتباكات مكثفة مع البنى الإقطاعية والمونارشية المَلَكية القديمة. وفي خضم هذه النزاعات شرعت بعقد اتفاقيات معينة مع الإدارات المونارشية الملكية بين الفينة والأخرى لتقوم بتفسير الأيديولوجية الدينية وفق مآربها هي.

باعتبار أن كل ثورة اجتماعية تدفع الجيل البشري خطوة أخرى نحو الأمام على العموم، فإن الرأسمالية نسبةً للإقطاعية، والعائلة البورجوازية نسبةً للعائلة الإقطاعية، هي الأرقى. وبالتالي فالمرأة البورجوازية تعتبر أرقى نسبةً للمرأة في المجتمع الإقطاعي. وبمقتضى هذا المبدأ العام تعتبر المرأة الموضوع الأساسي المعالَج منذ بزوغ فجر الرأسمالية. فالبورجوازية تسعى لتشكيل نمط المرأة البورجوازية التي تبتغيها نظرياً وعملياً، وتجعلها موضوعاً أساسياً في اللوحات والآثار الفنية، وفي الحياة اليومية أيضاً. أما حدث المساواة الذي تنادي به البورجوازية، فما هو سوى مساواة العائلة البورجوازية حيال العائلة الإقطاعية. فما تبتغيه ليس مساواة المرأة بشكل عام، إنما الحرية –التي لا تُمنَح لها الفرصة لترى النور وتحيا- للعائلة البورجوازية. لذا من الصعب العثور على نشاطات منظمة واسعة النطاق للمرأة في الثورات البورجوازية. ورغم بروز بعض الشخصيات النسائية، إلا أنها لم تتعدى كونها مجرد نماذج رمزية لا غير. ذلك أن مساهمتها في الثورات وانضمامها إليها حصل ضمن نطاق الإطار الذي رسمه لها الرجل في المجتمع الجديد.

ثمة رجال رفعوا راية النضال باسم المرأة في المجتمع البورجوازي. أما المرأة فهي كائن موجود عبر "رجُلها" فقط، وليس لوحدها البتة. أما مدى تمتع المرأة الموجودة عن طريق "رجُلها" بإرادتها المستقلة فهو بحد ذاته موضوع نقاش. وحتى أكثر المجتمعات تقدماً أيضاً، لا تزال المرأة فيها تستند إلى حماية الرجل وحاكميته، أي تسير تحت ولايته وفي كنفه مطلقاً لأنه في اكتسابها قوة الحياة(!).

وبدأت الطبقة البورجوازية بالنفاذ إلى مؤسسة الأسرة، التي غدت أصغر خلية في المجتمع، من خلال الكنائس، وأَتْبَعَت المرأة بذاتها عن طريق عقد الزواج المقحم في هيمنة الرجل رسمياً. هكذا اندرجت علاقات المرأة والرجل تحت قبضة الدولة المونارشية التي استحوذت عليها بعد أن كانت –أي العلاقات- تتبع سياقاً تقدمياً طبيعياً داخل المجتمع سابقاً. وبذريعة الإخلاص والوفاء أُتبِعت المرأة بالرجل ضمن نطاق القوانين الموجودة، فمؤسسة الأسرة هي القاعدة التي حققت عليها كل الأنظمة الإمبريالية-الاستعمارية، وكل أنظمة الحرب الخاصة أيضاً، ذاتها وترسخت.

يمكن مشاهدة فوارق هامة في التكوينة العائلية في يومنا الراهن حسب واقع الطبقة (أو الوطن) الساحقة أو المسحوقة، أو بين البلدان المتخلفة التي تسودها القواعد والضوابط المتحجرة، وبين البلدان التي تنعم بكل ثمار المرحلة الإمبريالية. لكن ثمة نقطة مشتركة بينها جميعها وهي، استمرار الأسرة في حياتها ووجودها ضمن إطار واقع تمأسس الملكية الخاصة فيها. ففي حين يقوم أحدها بتهديد الإنسانية من خلال كافة أنواع فرض الذات، بنظرته إلى المرأة على أنها هي الشرف فلا تكاد تُعرَف وراء الأبواب الموصدة المُحكَمة؛ يجلب الثاني معه تدني القيم الإنسانية بأسرها وترديها بفتح المجال الخارجي للمرأة تحت اسم الحقوق المعطاة لها.

مع تطور الرأسمالية يتحول نمط العائلة الإقطاعية الواسع النطاق إلى نمط العائلة النواة. ويساهم ماركس في توضيح هذا الوضع بقوله "تنحل وثائق الروابط المقامة على أساس الدم أو الأرض مع بروز نمط الإنتاج الرأسمالي". وبذلك تكون المرأة قد تخلصت نوعاً ما من ضغوطات حماتها وحماها (أم وأبو زوجها)، إلا أنه يمكن مشاهدة هذا النمط العائلي ذي الكم الكبير في بلدان الشرق مستمراً حتى اليوم. أما في البلدان الغربية فحتى العائلة النواة نراها تواجه التحطم والتفسخ رويداً رويداً. وما الظواهر التي نلحظها من قبيل ازدياد حالات الطلاق، تفشي عمليات الإجهاض (الكورتاج)، عيش المرأة والرجل تحت سقف واحد رغم عدم وجود سند الزواج، انفصال الأولاد الراشدين عن البيت؛ سوى إطراء المرونة والتعديل على حياة العائلة القالبية.

 إن كنا نود الحديث عن تحرر المرأة، فعلينا قبل كل شيء توجيه الانتقادات اللاذعة والصارمة إلى مؤسسة الأسرة التي تخنق المرأة من جميع النواحي، وبالتالي القيام بتحليل سليم لها. ذلك أنه ثمة ديكتاتورية ومُلْكية سائدة داخل الأسرة، وهناك حرمان مريع للمرأة من كافة حقوقها. هذا إلى جانب تخبطها في الآلام، ويُنظَر إليها باستحقار واستصغار لا متناهيين، والعمل على الإطاحة بها واستغلالها جسدياً لتتحول بذلك إلى كائن تابع لا غير، ولا يعيش سوى بعواطفه. وما هذا سوى أكبر اعتداء واستهتار بحقوق الإنسان.

غدت المرأة على مر التاريخ موضوعاً للبيع والشراء قبل ظهور النقود بأمد طويل، وصارت وسيلة لتغيير الأوضاع والثراء المادي. أما في النظام الرأسمالي –الإمبريالي فتحولت علاقة الثالوث "النقد –الكدح –المرأة" إلى "السلعة" التي تعتبر الشكل الأخير لها. ذلك أن كل العلاقات تتشكل بموجب ميدان التسويق والمتاجرة في الرأسمالية، بدءاً من علاقات الإنسان والزواج ومروراً بالثقافة والحياة السياسية بحد ذاتها، ووصولاً إلى الحقوق. أي، وباقتضاب، كل شيء يدخل ضمن نطاق هذا التسويق. من هنا يمكن رؤية أن الإنسان ضمن النظام الرأسمالي –الإمبريالي متعلق بالمادة وأن علاقات الإنسان تتطور ضمن إطار السلعة أكثر من أن يرتبط الإنسان بالإنسان ويهتم به. وهنا لا يمكن مشاهدة المقدسات السامية بصدد المرأة والحرية والضمير والمعنويات، بل يتعامل الناس مع بعضهم على أساس المصالح والأهواء المادية البحتة فحسب. وكلما توثقت أواصر الارتباط بالمادة، كلما ازداد الإنسان اغتراباً عن ذاته ليغدو عبداً أسيراً لما شيّده هو وأبدعه، وتحتل المادية الصدارة في علاقاته لتهوي المعنويات في الهاوية، ولا يتعامل الإنسان مع أخيه الإنسان سوى في النقاط التي تلتقي فيها مصالحهم فقط. وكحصيلة طبيعية لهذا الوضع، يغدو النقد ظاهرة محدِّدة ومؤثرة حاسمة في توجيه تصرفات الإنسان وسلوكه، وإكساب القيم الموجودة شكلاً معيناً