بحث عن وضع المرأة ضمن المجتمع الرأسمالي [2]

18 ژوئی 2019 پنج ش

لقد تحررت تماماً، فهو سوق الدعارة بلا ريب.، المنزل الخاص

أما المرأة التي صارت مُلْك الأسرة حتى الدرجة الأخيرة، فصارت مُلْك رأس المال أيضاً، مع ظهور الرأسمالية الليبرالية. لذا لا تقتصر مسألة محاسبة سحق المرأة على المرأة فقط، بل إنها تعني محاسبة كافة علاقات الملكية أيضاً. فحتى بعض الحقوق المكتسبة عن طريق التشبه بالرجل قد كرّست ملكية المرأة أكثر فأكثر لتصبح تابعة لنفوذ الرجل وسيطرته دون حساب أو عتاب لما هو قائم وموجود. وإذا كانت قد مُنِحت حق بلوغ مكانة أرفع وأرقى، فذلك لكي تلعب دور الرجل بشكل أفضل.

هنا، ثمة دفع للمرأة في خداع مع نفسها لتقول "لقد تحررت تماماً، بل وحتى أن هذا كثير عليّ"، مع أنها لم تنعم بأية فرصة معقولة للتحرر. وبِذَرِّ الغبار في عيونها يُحط من شأنها لتصل إلى وضعية تكون فيها أكبر رأس مال وأثمن مادة في قبضة الرجل والمجتمع. أي أنها استُغِلّت على الدوام كأداة تضمن تجذير النظام القائم وتأمين صيرورته ليغدو ذلك قاعدة لا غنى عنها، سواء من خلال مؤسسة الأسرة المشيدة أو عن طريق التجارة بجنس المرأة. وفي حين تصبح المرأة –التي هي مُلْك رأس المال ورصيده- وسيلة للبيع من جهة، نراها تعمل كخادمة دون سأم في هيئات ومؤسسات رأس المال ذاك من الجهة الثانية. وحتى في أتفه عمليات البيع نرى المرأة كوسيلة للمتاجرة بين صاحب السلعة والحشد الغفير من الناس.

لا يمكن الحديث عن وجود ممارسة سليمة للجنس، فأي بيت، تسوده العلاقات الفاحشة الموجودة في بيت الدعارة. ذلك أن "الجنس" يعد العنصر الأساسي في تدني الشعوب، ويحتوي في مضمونه على إنكار العشق. بهذا المعنى يعتبر القرن العشرون قرن إنكار العشق من خلال مفهومه في ممارسة الجنس بشكل فج.

تعد النساء الوسيلة الأكثر فاعلية التي استخدمتها الرأسمالية الليبرالية –الحديثة للوصول إلى سيادة عالمية مكورة. ولكونها تتخذ من التوسع في المعمورة استراتيجية لها، فقد وضعت المرأة في مركز سياسات تخدير الشعوب وزجها في الليبرالية. أما سوق الدعارة المطور في مجتمعنا الحالي في سبيل تدعيم مؤسسة الأسرة النواة لتحافظ على ذاتها؛ فما هو سوى سوق استهلاكي لهدر الطاقة الجنسية. إلى جانب ذلك فنظام الأسرة الأحادية، والمطبق على مدى تاريخ المجتمعات الطبقية، لم يعنِ سوى الزواج الأحادي بالنسبة للمرأة فقط. ومن خلال الغرائز والنزوات الشهوانية للرجل، والمحرَّضة بالإثارات الجنسية، لتؤمِّن طبقة رأس المال أضخم رصيد لها وأكبر مورد لربحها. أما العنوان الوحيد الذي سيتم اللجوء إليه لإشباع النزوات الشهوانية المثارة في الرجل، فهو سوق الدعارة بلا ريب.

وتُباع النساء في سوق الفحوش والدعارة الدولية كأي سلعة أخرى بسعر تافه وزهيد. ويحاذي الفحوش –من حيث المنشأ- فترة ظهور نمط مؤسسة الأسرة الأحادية. ومن ثم استمرت في المرحلة العبودية والإقطاعية، وكذلك حتى آخر فترات المرحلة الرأسمالية، لتصل إلى يومنا هذا وتتحول إلى سوق يَدُرُّ بالربح الأوفر والموارد الأكثر. وبالتالي غدا سوق الدعارة بين صفوف النساء في الماضي القريب، حيث تركزت فيه اللامساواة وتكثف التمايز في الواردات أكثر من أي وقت مضى، مصدراً لتلك الواردات تارةً، ومهنة منتحاة تارةً أخرى؛ عن طريق حض الرأسمالية له والتشجيع عليه. كما غدا مؤسسة نقيضة لمقدسات المجتمع ومجردة عنه، وبالمقابل صار –على العكس تماماً- مؤسسة يتشبث بها الجنس الذكوري ويستغلها أيضاً.

كما برز إلى الساحة ظاهرتا "السُّحاق" و"اللواط" بِتحفيز أرباب السوق الدولية لهما والحث عليهما لجشعهم في الحصول على ربح أكثر، ولعدم اكتفائهم بالنساء اللاتي يرجحن مهنة الدعارة. وبتسخير الرأسمالية  الليبرالية –الحديثة للعلوم الطبية في خدمتها، عملت على إطراء تحولات بيولوجية على الرجل لتنشر بذلك موضة "تأنيث الرجل" (التخنيث) ولتجعل الجنس الرجولي أيضاً سلعة يُتاجَر بها في سوق الدعارة.

إذن، فالنظام ذي الهيمنة الذكورية قد عمل على "تأنيث" الجنس الذكوري واستغلاله في سبيل تضخمه الاقتصادي الذي يعتبر هدفه الوحيد. أي أن سياسات السوق العالمية للنظام العالمي الجديد تقوم اليوم على تعقيد الظاهرة الجنسية لإضفاء الشرعية عليها، بعد العمل على الحط من شأن القيم المقدسة المخلوقة على مدى التاريخ البشري، وإسقاطها إلى الحضيض. أما بالنسبة لوضع المرأة المفضَّلة داخل الأسرة النواة حسب معايير أخلاق المجتمع، فهو لوحة متأزمة بكل معنى الكلمة، ذلك أنها خادمة بلا أجرة ووسيلة جنسية لا غير في مؤسسة التزاوج التي تسمى في المجتمع بـ"المنزل الخاص". أما النساء العاملات فيستغلهن أرباب العمل في أماكن عملهن، وأزواجهن في المنزل؛ ذلك أنهن يقضين نصف يومهن في العمل مقابل أجر معين للمساهمة في الاقتصاد المنزلي، والنصف الثاني في العمل بلا أجر بتحملهن أعباء الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال. وبهذا الشكل فإن الوضع الذي زُجت فيه المرأة في الأسرة النواة، قد جعلها تتخلف عن الانضمام إلى النشاطات السياسية والعلمية والاجتماعية –الثقافية، بالإضافة إلى أنه حَدَّ من فرص وإمكانيات إيجاد الحلول اللازمة لهذه المشاكل التي تعانيها.

من الميادين الأخرى التي تجتر فيها المرأة الآلام الموخزة اليوم هي، الميدان الإعلامي. حيث يُشاهَد كيف تتحول المرأة المنفتحة إلى الخارج إلى سلعة تستخدم حسب مآرب العقلية الإمبريالية، عوضاً عن أن تعمل لأجل الخدمات الإنسانية. وعبر الوسائط الإعلامية يتم نقش نمط حياة الحكام وحياتهم العائلية الداخلية وكل ما يبتغونه في عقول وأفئدة الملايين، مما يؤول ذلك مع مرور الأيام إلى تشابه الجماهير وتماثل رغباتها وأفكارها وطلباتها وأهدافها وطموحاتها وخيالاتها أيضاً مع بعضها البعض. كما تم تهميش علاقات الإنسان وإضفاء السذاجة عليها عبر العواطف الرخيصة والبطولات البسيطة والانحطاط حيال الشهوات والنزوات؛ ومن ثم تعبئتها بالممارسات الجنسية لتغوض فيها. وبينما يُعمَل على تحويل البشر إلى أدوات استهلاكية عن طريق المجال الإعلامي، فإنهم، وعندما لا يبقى لديهم ما يستهلكونه ويهدرونه، ينزعون إلى هدر وهضم بعضهم البعض بكل سهولة. وبهذا المعنى يمكننا في هذه النقطة رؤية مصدر النزعات السادية الجنسية والتنازلات وعدم الإشباع بهذا الصدد.

باشرت المرأة في العصر الحديث، والتي اقتصرت على الأنشطة التعليمية والعملية والحياة الاجتماعية وما شابهها من الأجواء والظروف التي يبدو أن الليبرالية –الحديثة قد أمّنتها؛ باستيعاب أن كل ذلك لا يعبر عن خلاصها الحقيقي البتة، بل إنه مجرد حلول مزيفة. وهذا ما جعلها تعاني من نفسية عقيمة وَلَّدت معها الأمراض النفسية والروحية الجديدة لعصرنا. فالصُراع والاضطرابات والصدمات النفسية والشذوذ الجنسي، كلها أسفرت عن ظهور مرض الأيدز وما شابهه من أمراض تفشت بسرعة البرق بين صفوف المرأة والرجل على السواء، لتنتشر في كافة أرجاء الكون وتصل إلى مستوى تهدد فيه الإنسانية بأسرها مع تطور الرأسمالية المكورة. وكحصيلة وانعكاس ملموس للأزمة الاجتماعية المتفاقمة عن ذلك، فإن عمليات الطلاق وانعدام التفاهم بشكل حاد، والتمردات على الزواج الأحادي؛ كلها تفيد بأن نموذج الأسرة النواة يتجه نحو الإفلاس لا محال. إن ولوج النموذج الأسروي، الذي اشتهر بنواحيه الرفيعة والحميدة الحسنة، في أزمة خانقة كهذه؛ يفرض حتمية إعادة ترتيب العلاقات بن الأجناس مع مرور الأيام.

دفع هذا العقم الاجتماعي المعاش المرأةَ إلى البحث مجدداً عن سبل الخلاص الحاسم منذ أعوام الثمانينيات. من هنا فالحركات النسائية البارزة بعد الثمانينيات قد أسفرت عن تطور الوعي لدرجة ملحوظة نسبةً للماضي، ونمّت عن ظهور مرحلة استنارة تُعرِّف المرأة بتاريخها. هذه الحركات النسائية الحديثة التي تستمد جذورها من النتائج التي أثمرتها الحركات النسائية السابقة التي ظهرت على مسرح التاريخ في القرن التاسع عشر بعد كفاح مرير ونضال ملحوظ لها؛ قد رجحت لديها كفة التنظير للأمور، بينما بقيت مجردة من الحياة العملية والسياسية في مواقفها.

وفي بحوث المرأة الجديدة المبتدئة أساساً داخل حركات الشبيبة بين عامي 1968_ 1970، اقتصرت معالجة المشلكة على الأبعاد النفسية والروحية. وعوضاً عن الصراع المباشر مع الجنس الذكوري المهيمن، انكمشت على ذاتها وتقلصت. وبالإضافة إلى نشاطات رفع مستوى الوعي والتعبئة، توصلت هذه الحركات إلى مستوى ملحوظ من النقاشات وسكبها على الورق لطرح هذه القضايا للمعالجة. إلا أن هذه التيارات التي تتألف قاعدتها من الطبقات الوسطى، بقيت عاجزة عن النزول بما فيه الكفاية إلى الطبقات السفلى، التي تعاني من الإشكاليات الاجتماعية؛ فظلت عالقة فوق المجتمع.

هذه الحركات الحديثة المتطورة بشكل متداخل على الأغلب مع الحركات الشبيببية، تميزت بردود فعلها ونقمتها على كافة أنواع السلطة نتيجة الدروس المستنبطة من الماضي، مما عرقلها ذلك عن تكريسها لتنظيم جدي داخلها، فنظمت ذاتها على شكل مجموعات صغيرة تنبذ فكرة البنية الهرمية على الأرجح، ولا تعترف بأية حقوق استثنائية لذلك بادئ ذي بدء. بل لم تعطِ للهرمية واستهداف السلطة وتقسيم العمل أو الاختصاص والمهارة أي مكان في داخلها على الإطلاق، مما نمّ ذلك عن ظهور نموذج بنيوي لا يتمتع بأية متانة أو قوة، متناحر في داخله، ومتجزئ. إن شكل التنظيم، مفهوم السلطة، مفهوم السيطرة والقوة والحاكمية، التضادات الأيديولوجية –السياسية، التعقيدات في وجهات النظر وفوضويتها؛ كل ذلك جعل تلك الحركات في وضعية مجزأة للغاية، قابلة للتشتت والتبعثر بسرعة. ورغم قيامها بعدة عمليات مشتركة ضمن إطار المطاليب الاجتماعية واليومية المتنوعة بين الفينة والأخرى، إلا أنها في الأصل لم تقدر على امتلاك قوة منيعة متكاملة.

ومن إحدى أهم العوامل المؤثرة في ظهور نتيجة كهذه هي، الافتقار إلى إرشادات أيديولوجية شاملة، وعدم تحديد سبلها السياسية اللازمة، بل وحتى دحض هذه الأفكار. فالإرشاد الأيديولوجي المبدئي والمستقر لا يمكن خلقه أو تأمين إحيائه سوى عن طريق تحقيق مجتمعيته وجمهرته عبر السبل السياسية والتنظيمية. وأي تيار أيديولوجي ذي توجه ميًال للسلطة، لا يمكن بلوغه الاقتدار ما لم يتحلَّ بمفهوم التنظيم والهرمية، ونمط القوة والاقتدار، ووسائل الدعاية والتحريض. كما أنه من المحال على حركة مشتتة تفتقر للإرشادات بخصوص السلطة، أن تتحلى بقوة التغيير على ضوء أهدافها ومواقفها وعقوباتها.

تعبر ميول البورجوازية الصغيرة في المطالبة بحقوقها، وخلق نطاق حياة خاصة بها ومتميزة بحيث لن يستطيع الغير التدخل أو التحدث بحقها، ولا تتكفل هي مسؤولية أحد من الخارج؛ تعبر عن مضمون الفامينية. ومن الواضح أن التجرد من المجتمع لن يستطيع إبداء أي تأثير على البنية الاجتماعية إيجابياً كان أم سلبياً. وفي الصدارة يأتي موضوع التقرب من الجنس الآخر حيث إما يتم الاتفاق والمساومة تحت اسم المشاركة والاتحاد، أو رفضه تماماً والنفور منه ونبذه بفظاظة. ويتحتم علينا ملاحظة المواقف التسلطية المتوارية ضمن هذه التقربات.

أما مفهوم الحرية المجردة من الرجل فيستحيل أن يكون اجتماعياً، ولا ملاذ من أن ينعزل أصحاب هذا المفهوم عن المجتمع عاجلاً أم آجلاً. وقد برهنت كل أشكال الكفاح الاجتماعي والأثني والمجتمعي على أنه يستحيل وجود حرية مجردة لوحدها. ذلك أنه يتحتم على برنامج الحرية –إذا كان يستهدف الإطاحة بالنظام الأبوي- أن يتحلى بمضمون شامل للغاية بقدر ما يكون تنظيمياً وموحداً. ولا يمكن تحرير النساء أو الرجال أو الشبيبة أو الأطفال أو تحقيق استقلاليتهم كل على حدة لوحدهم.

بالتالي عجزت الحركات الفامينية عن شق طريق تحرير المرأة لتداولها القضية على أساس الجنس فقط، إذ أنه، وإلى جانب التحليلات الجنسية في الأساس، يستلزم التمأسس وتطوير كيان أيديولوجي وتنظيمي وإداري تجاه السلطة الذكورية في شخصية المرأة. هذا بالإضافة إلى نقل النتائج السياسية المتوخاة إلى المجتمع في الوقت عينه.

ومن الأمراض الأخرى للفامينية، تجريد ذاتها عن المشاكل الاجتماعية تحت اسم الاستقلالية. كما يلاحَظ تقربها في وجهات نظرها للتاريخ على أساس تحليل القضية على أساس اقتصادي بحت، أو تفسير الموضوع بتركيزه حول جنس المرأة وتحليله بشكل أحادي الجانب، أو دحض المرحلة الأمومية التي تعد ميراث المرأة، ورفضها من جوانب عديدة.

ومع حلول القرن الحادي والعشرين شرعت مسألة المرأة تكوّن الأرضية الملائمة لتنظيم حركة المرأة على الصعيد الكوني، بحيث ستحتل موقعا تكون أكثر نشاطاً وفاعلية فيه، ترابُطاً مع شكل الإنتاج في هذا القرن الذي تطورت فيه المعارف والمعلوماتية، والعلم والتقنية، وستتطور أكثر فأكثر. فإشكاليات المساهمة في الفعاليات الاجتماعية الأنفة الذكر خلال المراحل السابقة، قد بدأت اليوم بالتفكك والانحلال نوعاً ما، وإن لم يكن الأمر سياناً بالنسبة لكافة الفئات والشرائح. فالمرأة اليوم بِمِكنتها دخول الجامعات وتلقي التعليم في الكليات التي تختارها وتشاؤها هي، أو احتلال مكانها في الكيانات السياسية والمجالس القائمة ضمن النِّسَب المحددة لها. هذا بالإضافة إلى أنها تستفيد من حقها في الانتخابات وترشيح ذاتها، أو تفتح الشركات ومكاتب العمل وتديرها. أي أنها قد حازت على مثل هذه الحقوق وما شابهها ضمن سياق النظام العالمي الجديد المتكور، بشرط ألا يناقض ذلك منافع النظام الذكوري المهيمن ومصالحه.

إن امتلاك حقوق لا يمكن الإفادة منها ضمن النظام الإمبريالي الحالي، حيث يتفشى فيه عدم تكافؤ الفرص إلى أقصى الحدود، لا يعبر عن أي شيء البتة. أما في الأماكن التي تظهر محاولات الإفادة من الحقوق وتفعيلها، فثمة محدوديات وضغوطات كابحة متزايدة. وما تلك الحقوق التي اعترفت بها الإمبريالية المكورة –التي تعبر عن أعلى قمة لتمأسس الهيمنة الذكورية- للمرأة ضمن حدود مصالحها، سوى بهدف عرقلة نشوء أي حركة فعالة وراديكالية تنادي بحرية المرأة. فهي تسعى للحفاظ على المرأة في وضعية معينة، تماماً مثلما فعلت بعد أعوام التسعينيات حين اعترفت للشعوب والأقليات ببعض الحقوق المحدودة بمقتضى مصالحها الإمبريالية.

وفي الأصل، فهذه السياسات الخبيثة، التي يصعب على فئات المجتمع المخدَّر رؤيتها وإدراكها، ما هي إلا تعبير صارخ عن عقم الإمبريالية واتجاهها نحو الإفلاس والانهيار. ولكي لا تفلس تعمل بكل جهدها على جذب المرأة من جانب، والشعوب والأقليات والثقافات الإثنية من جانب آخر إلى مجال تأثيرها ومراكز نفوذها. أما بالنسبة للكيانات الدولية وفوق الدولية، والمشيدة بذريعة حماية حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية، فما هي سوى آلية حفاظ الإمبريالية المكورة على الإنسانية العالمية ضمن نطاق استعماري دقيق ورقيق.

أما عن سياسة الآلية الإمبريالية الدولية الحديثة تلك بصدد المرأة، فقد أُعِدَّت انطلاقاً من سمة القرن الحادي والعشرين، حيث تتوفر فيه إمكانيات تطور كفاح المرأة. وتسعى هذه السياسة الحديثة إلى إعاقة تطور وتنظيم أي حركة محتملة لحرية المرأة. فالإمبريالية التي لا يمكنها تحمُّل تواجد أي حركة نسائية بمقدورها تجسيد الحرية والديمقراطية والسلام والتآخي الحق في ذاتها؛ قامت بجمع بعض الشرائح النسائية التي تلقت التدريب تحت مراقبتها هي، وتعشعش فيها منطق الهيمنة الذكورية المتسم بالملكية الخاصة الطاغية عليه، وتجردت من جوهرها وماضيها التاريخي؛ جاهدةً بذلك لطرح نموذج لحركة نسائية متفسخة رثة تطالب ببضعة مطاليب صغيرة تافهة قانونية، لا تتعدى حدود الملكية الخاصة، وذلك بغية الإطاحة بأية حركة نسائية تحررية قد تتطور خارج نطاق مراقبتها وتنادي بالتحرر الاجتماعي الحق. ولهذه العلة يتحتم على المرأة في يومنا الحالي أن تقوم بتحليل هذه المرحلة وتصل إلى صياغة إرشادات حاسمة للكفاح المشترك كضرورة حياتية، ذلك أن بعض الحقوق المتعلقة بالمرأة والمعتَرَف بها عن طريق القوانين لا يستفيد منها سوى شريحة معينة من النساء لا غير.

تمر المرأة أيضاً في يومنا هذا بفرز طبقي داخل صفوفها ضمن شروط نظام الملكية الخاصة السائد. إلا أن ما يحدد الأسس الطبقية التي تنتمي إليها فهو الموقع الاجتماعي للرجل الذي يلعب دور الأب أو الزوج كَوَليّ أمرها. لذا عليها أن تتعدى حدود هذه التناقضات الطبقية المزيفة وتكافح قُدُماً في سبيل هويتها، لتستطيع بذلك إيجاد الحلول لقضيتها العالمية. هذا بالإضافة إلى وجوب مطالبتها بإعادة ترتيب حقوقها الشرعية التي تتمتع بها لتتمكن بذلك كافة النساء من الإفادة منها، وتكافح بالتالي في سبيل شقيقاتها اللائي لا يستطعن الإفادة منها. أما بالنسبة للتوجه الأساسي لهذا الكفاح فينبغي أن يكون توجهاً إلى مجتمع لا طبقي، خاوٍ من الشدة، يستتب فيه الأمن وتسوده الديمقراطية.

عاشت الإنسانية على مر تاريخ المجتمعات الطبقية الأبوية وهي تتطلع لهذه اليوتوبيا، ولكن كل قفزة ثورية ظهرت تمكنت من إيصال هذا النظام الاجتماعي المرتأى إلى نقطة معينة. أما بالنسبة للنظام الرأسمالي –الإمبريالي الأخير فقد استخدم هذه المصطلحات بكثرة بعد أن فسرها ضمن نطاق مصالحه وحساباته السياسية، ومن ثم قدمها للإنسانية على أنها "حضارة"، مع أن ذلك لا يعني سوى الانحصار تماماً في اليوم المعاش فقط، والانفصال عن جذور الإنسانية العظيمة. ذلك أن مفهوم الحضارة ذا الهيمنة الذكورية القائمة، إنما يرتأي احتقار بدايات الإنسانية، بل وحتى إنكارها. وإذا كان الإنسان "البدائي" (أو المجتمع "البدائي") يختلف كثيراً عما هو عليه اليوم، فذلك لأن هذا "البدائي" يحتوي على لون المرأة وطابع المرأة، ولكونه إنساني. أما من هو خارج نطاق الإنسانية، وحيواني متوحش، فهو الإنسان الذي نطلق عليه اليوم اسم "الإنسان المتحضر"، والمثقل بلون الرجل المتسلط وطابعه؛ ذلك أن ما ننعته باسم "الحضارة" في نظام المجتمع الطبقي الأبوي يحتوي في جنباته على من هو دنس، وأسير الغرائز والنزوات، آلي بحت، مستهلك ومبذِّر ومدمر.

لكن، وفي الأصل، تجد كل من هذه المصطلحات "المساواة، الحرية، السلام، الأخوة" تعبيرها الحقيقي في الحضارة الأمومية التي تعد بداية الحضارة، والمتسمة بالطابع اللاطبقي واللااستغلالي، السلمي والآمن. لقد أنسى المجتمع الطبقي الأبوي، الذي يبلغ عمره أربعة آلاف سنة تقريباً، الإنسانيةَ حقيقتها السابقة له والممتدة على مدى خمسة آلاف سنة، وأنكرها، واستأصلها من جوهرها "الأمومي" الإنساني. أما "الإلهة الأم" فقد عُرِفت في النظام الطبقي الأبوي على أنها "مشعوذة"، ورُجِمت لأنها "الشيطان"، وقُتِلت الأنوثة الحقيقية وحٌوِّلت إلى رماد. وفي المقابل تم الارتقاء بالذكورة التي تعتبر النفوذ الأبوي بحد ذاته، وتم تقديسها. بهذا المعنى فإن قتل الذكورة يعني قتل كافة أنواع النفوذ التسلطي، وقتل الشدة والاستعمار الكامنين فيها.

لقد أضحت المرأة، كأقدم طبقة قابعة في القاع، عرضة للضغط والاستعمار على التوالي وباستمرار. وتعد قضية المرأة، التي تنفتح الطريق أمامها حديثاً، موضوعاً شاملاً لدرجة لا يمكن حصره ضمن إطار المجتمع الرأسمالي. أما حرية المرأة فما انفكت تتهيأ لتخطو خطواتها الأولى كمعيار عام لكافة الحريات. فالعبور من عصر المرأة إلى عصر الرجل تكبدت المرأة خسائر فادحة. ذلك أن تاريخ المجتمع الطبقي الممتد على مدى خمسة آلاف سنة قد ألحق أفظع الخسائر بها، حيث طبق عليها الضغوطات من نواحي متعددة، وارتأى لها الاستحقار، التمييز الجنسي، التفرقة بكافة أشكالها. وكأن المرأة قد احترقت وفَنَت، ويحاول هو إخراجها من تحت الرماد لتنظيفها حديثاً.

أما الحقوق الشخصية برمتها، وبينما كان من اللزوم أن تكون من أوائل المواد الواجب الاعتراف بها للمرأة دون قيد أو شرط، فقد طُرِحت بشكل محدود وباعتبارها آخر ما يمكن تداوله. ويمتُّ هذا الأمر لمدى تجذر الظلم وبُعده التاريخي بِصِلة وثيقة. فالقضية يمكن أن تكون فرعاً من فروع علم الاجتماع من حيث شموليتها وبرمجتها بشكل مستقل، وتخطيطها، وتنظيمها؛ وتستحق الشروع بكفاح ديمقراطي وسياسي وحقوقي طويل المدى بسبب أهميتها القصوى. وهي تتميز بخاصية وحياتية أكثر مما هي عليه القضايا الوطنية أو الطبقية، سواء شكلاً أو مضموناً.

في راهننا تم إطلاق التسمية على القضية فحسب، أما محتواها فلم يتبين بعد تماماً. أما برنامجها، إستراتيجيتها، شكلها التنظيمي والعملياتي؛ فهي أمور لازالت بعيدة عن أن تطرح للجدال بكل معنى الكلمة. ومثلما بدأ التاريخ بحضارة المجتمع الطبقي كتاريخ للشدة والنهب والبطش والحروب والاستعمار والخداع والرياء على أساس استعباد جنس المرأة وتدمير الطبيعة؛ فإنه سيُعاد خلقه وتدوينه مجدداً على أساس أن يكون تاريخاً للحرية والسلام والمساواة والصحة والحقيقة، وذلك عبر كفاح حرية المرأة وانتصارها المؤزر. وكل المؤشرات تدل على أن تحرر المرأة سيلعب دوراً مؤثراً وحاسماً لدى بزوغ فجر الحضارة الحديثة، وأنه بالإمكان عيش عصر المرأة الحرة مجدداً وبمستوى أرفع وأرقى.