الكون والإنسان على الصعيد الكوانتومي

08 آگوس 2019 پنج ش

انتظامُ المادة في الدماغ، إلى جانب الرقي في الحيوية لا يزال سراً مكتنفاً بالألغاز التي لم يَفُك العلمُ رموزَها إلا بنطاقٍ محدودٍ للغاية. ولا نزال وجهاً لوجه أمام مشكلةٍ عويصة من الاكتشاف فيما يخص مهارةَ المادة في تنسيقِ ذاتها داخل دماغِ الإنسان،


عبد الله أجلان

الحدود الأخيرة التي توصل إليها العلم مؤخراً بشأن الكوانتوم والكوسموس، فتزودنا بمواقف بالغة الغرابة والعجب. فالكوانتوم، الذي هو عبارة عن الجزيء الأصغر من الذرّة، وفيزياء الموجة، يفسح لنا مساحات مختلفة كل الاختلاف. حيث تم الوصول فيه إلى حقائق وإثباتات عديدة، بدءاً من النُّظُم الحدسية والتفضيلية (الانتقائية) الحرة، والتعبير عن شيئين مختلفين في نفس اللحظة، وحتى قاعدة عدم تخطي الغموض والهلامية أبداً بسبب بنية الإنسان الموجودة. ويُترَك مفهوم المادة الفظة والجامدة على الرف كلياً. بل، وعلى النقيض من ذلك، فنحن هنا وجهاً لوجه أمام كَوْنٍ لا نهاية لحيويته وحريته. يكمن اللغز الأصل هنا في الإنسان، وفي حالته العقلية على وجه التخصيص. إننا لا نتكلم عن السقوط في المثالية أو الذاتية. ولا نَلِج في الجدالات الفلسفية المثيلة، والمُعمَل بها كثيراً. بل نفهم من ذلك بكل جلاء، أن كل هذا الكم من التنوع والتعدد السائد في الكون، إنما ينبثق من حدود الكوانتوم.

إذن، أصبحنا نشاهد ما هو أبعد من جزيئات الذرّة. إنها المجريات التي تحدث في فضاء الجزيء والموجة، والتي تشكل كل أنواع الموجودات، وفي مقدمتها خاصيتها "الحيوية". وهذا بالذات ما نعنيه بحدسية الكوانتوم. حقاً إن تنوعاً طبيعياً بهذا الكم الهائل غير ممكن، إلا بالذكاء الخارق والانتقاء الحر. فكيف يمكن للمادة الفظة والجامدة أن تنتج هذا الكم من النباتات والأعشاب والزهور والكائنات الحية، بالإضافة إلى ذكاء الإنسان؟ مهما يقال بأن الجزيئات ذات الأَيْض* الحيوي هي التي تتكون في الأساس، إلا أنه من غير الممكن تقديم تعليل قدير وكفؤ للتنوع الطبيعي، ما لم نعلل أولاً نظام الذرّات في الجزيئات، والجزيئيات الصغرى في الذرّات، والجزيئيات والموجات في الجزيئيات الصغرى؛ ونشرح ما يحصل فيما وراءه. بإمكاننا اتباع نفس السلوك من التحليل والتعليل بشأن الكوسموس أيضاً. ذلك أن ما يجري في الحدود القصوى للكون المترامي الأطراف – هذا إن وُجدت حقاً حدود قصوى له – شبيهة بما يجري في مساحة الكوانتوم أيضاً. ويتبدى أمامنا هنا، مفهوم كَونٍ حيوي ونشيط. أفلا يُعقَل أن يكون الكون بذاته كياناً حيوياً بعقليته ومادته؟ إنه سؤال سيدور الجدل حوله تصاعدياً في علم الكوسموجيا (علم نشأة الكون(.

نسمي الإنسان الواقف في المنطقة الوسط بين الكوانتوم والكوسموس بـ"الكوسموس المِجهَريّ". النتيجة المفضى إليها هي: إذا كنتَ ترغب فهم كَونَي (فضاءَي) الكوانتوم والكوسموس، حلِّلْ الإنسان! فالإنسان – حقاً – فاعلُ كل المعارف ومبتكِرها. ذلك أن كل معلوماتنا هي من نتاج الإنسان. وكل المعلومات المتوفرة عن كافة الساحات، بدءاً من الكوانتوم وحتى الكوسموس، قد طُوِّرَت بشرياً. إذن، فالذي يستدعي التمحيص والتدقيق أساساً هو مرحلة الفهم لدى الإنسان، والتي تعني فيما تعنيه تاريخ سياق التطور الطبيعي المقدَّر حتى الآن بعشرين مليار سنة على وجه التقريب. إذن، فالإنسان – حقيقةً – كوسموس مجهري. فنظام الكوانتوم يسري فيه. إننا نشهد فيه تاريخ تطور المادة، بدءاً من الجزيئيات الصغرى في الذرّة، والموجات، وحتى جزيئات الدانا (DNA) الأرقى على الإطلاق. علاوة على أننا نلاحظ فيه أيضاً تاريخ مراحل التطور بأجمعها، بدءاً من الدورة السفلى لتطور النباتات والحيوانات، وحتى تطور الإنسان. ويُرى بعين اليقين علمياً أن الجنين البشري يكبر وينمو مكرِّراً كافة أطوار التطور البيولوجي. ويأتي المجتمع ومراحل التطور الطبيعي بعدها، لتُكمِل نضوجه. وقد تمكن العلم من قطع هذه الأشواط الملحوظة، عبر التطور الاجتماعي الطبيعي. لذا، يُعَد اعتبار الإنسان مختزَل الكون واختصاراً له، حُكماً علمياً مجمَعاً عليه.

إذا ما أسهبنا في تفسيرنا للإنسان، يمكننا سرد الفرضيات الآتية: لولا خاصيات الحيوية والحدسية والحرية التي تتسم بها كافة المواد المكوِّنة للإنسان، لما تطورت حيوية وحدسية وحرية الإنسان، باعتباره يمثل مجموع تلك الخصائص. ذلك أنه ما من شيء يولد من العدم. هذه الحقيقة المثبتة تدحض مفهومنا في المادة الجامدة وتُبطِله. ما من شك في أنه لولا وجود مجتمع ونظام من قبيل الإنسان، لما تطور الكيان المعلوماتي. ومن جانب آخر، لولا الخصائص المعرفية والحدسية والفهمية والطلاقة الحرة للمواد التي تلعب دورها وتنشط في ذاك المجتمع وذاك النظام (الإنسان)؛ لكان من الجلي واليقين أن المعلومة، أو المعرفة، لن تجد لذاتها مكاناً أو تتكون بتاتاً. أما الرأي الأدنى إلى الصحة، فيتمثل في أن الخاصيات التكوينية في فضاء الكوسموس والكوانتوم تحيا وتسري في الإنسان أيضاً. وبالطبع، فهذه القوانين تسري وفاقاً لخاصيتها هي. إذاً، فالأكوان تعبِّر عن ذاتها في الإنسان.

إذا ما أمعنَّا في قرينةِ الجُسَيم – الطاقة، التي تُشَكِّل اللَّبَنَة الأساسيةَ للكون، فسوف أُشَدِّد دون تردد على أن الطاقة ليست سوى الحرية نفسها. كما أني أؤمن أن الجُسَيم المادي هو عبارة عن حزمةٍ من الطاقة بحالتها المُقَيَّدة. الضوء حالةٌ من الطاقة. الطاقة هي الحقيقية التي لتم تصبح مادة، وبمعنى آخر فهي روح المادة.

أنّ البحثَ في المادة داخلَ الإنسان هو الأقربُ إلى الصحة. ولكن، لا يبدو سهلاً الوصولُ إلى تفسيرٍ أقربَ إلى الحقيقة بشأن المادة المعزولة بإحكامٍ داخلَ مختبرات الحداثة، في حين، لا يمكن إطلاقاً قياسُ العلاقة بين الناظر والمنظور إليه في فيزياء كوانتوم. فمثلما يُطرِئُ الناظرُ تغييراتٍ على المادة، بمقدورِ المادة أيضاً النفاذُ من عين الناظر في شروطِ المختبرات. إذن، فالإدراكُ الصحيح غيرُ ممكنٍ إلا بالاستبطان {الملاحظة الداخلية} الداخلي للإنسان. إذ، ما مِن مختبَرٍ أعظمَ وأفضلَ إحكاماً من الإنسان. ومثلما كُشِفَت ذرّة ديموقريطس {Demokritos} بهذا الأسلوب، فهو يكون بذلك قد حدَّدَ الأسلوبَ الصحيح والسليم منذ زمنٍ طويل. ما نقصده ليس عدمَ فائدةِ المختبرات، بل نقصد أنّ مكانَ المبادئ الأساسية موجودٌ في التأمل الباطني فيما يخص الإنسان.

يمكننا توسيعُ نطاقِ المبدأ أكثر، حيث بالمستطاع ملاحظةُ كافةِ القوانين الفيزيائية والكيميائية في الإنسان على نحوٍ أقرب إلى الكمال. وما من مختبرٍ فيزيائيٍّ أو كيميائي يمكنه الوصولُ إلى مستوى الانتظام والترتيب الغني الموجودِ في الإنسان. إذن، بالمقدور الوصولُ إلى المعلومة الفيزيائية أو الكيميائية الأقربِ إلى الصحةِ عبر بنيةِ الإنسان. كما يمكننا استيعابُ كيفيةِ جريانِ التحول بين المادة – الطاقة والتفاعلاتِ والتركيبات الكيماوية الأوسعِ والأغنى الحاصلة عبر بنيةِ الإنسان. علاوةً على أن أغنى ضروبِ استنتاجِ المعاني السليمة فيما يتعلق بالعلاقة المتبادلة بين المادة – الطاقة موجودةٌ في الإنسان. إضافةً إلى إمكانية التماسِ الالتحام والاتحاد بين المادة – الطاقة – الفكر في دماغِ الإنسان. وهذا ما يوجِّهنا نحو سؤالٍ عويصٍ للغاية: تُرى، هل هذا الاتحاد والالتحام الحاصلُ في الإنسان خاصيةٌ من خصائص الكون؟

بمقدورنا ملاحظةُ قرينةِ الحيوية – الجمود بأغنى نطاقاتها وأمثلتها داخل الإنسان. فالحيويةُ التي يتصف بها الإنسانُ تتضمن المزايا الأكثرَ وفرةً واتساعاً من بين جميع الكائنات الملاحَظة. لقد حقق تطوُّرُ الحيوية ذروتَه في الإنسان. إلى جانب ذلك، فالقسمُ المادي فيه متداخلٌ ومتوازٍ في تطوره مع تطورِ الحيوية، ليمنحنا مستوىً من الرقي هو الأعلى على الإطلاق. وانتظامُ المادة في الدماغ، إلى جانب الرقي في الحيوية لا يزال سراً مكتنفاً بالألغاز التي لم يَفُك العلمُ رموزَها إلا بنطاقٍ محدودٍ للغاية. ولا نزال وجهاً لوجه أمام مشكلةٍ عويصة من الاكتشاف فيما يخص مهارةَ المادة في تنسيقِ ذاتها داخل دماغِ الإنسان، والحيويةَ المكتسِبة للمهارات الفائقة إلى حد القدرة على التفكير المجرد، والعلاقاتِ الكائنةَ بينهما. وعندما قلنا بغنى المثال، إنما قصدنا به هذا الجهازَ الرائع في رقيه. علاوة على ذلك، فكلُّ عضوٍ من أعضاء البدن الأخرى، يتصدرها القلب،  يشكل معجزةً بكل معنى الكلمة. وأنوِّه على الفور هنا إلى أنّ البحث في أعضاء الإنسان وأجهزته مسألةٌ معقدةٌ للغاية بحيث لا يمكن تركها للطب وحده، بل يتوجب البحثُ فيها من قِبَل كافة العلوم وفروعاتها متحدةً لتستخرج النتائج اللازمة والقويمة. في حين أنّ تَرْكَ الإنسان للميدانين الطبي والنفسي على نحوِ ثنائيةِ الروح – البدن يعَدُّ أعظمَ جهل، بل وجريمةً فظيعةً لدرجة الجناية.

يمكننا إيضاحُ بعضِ الفرضيات بشأنِ إنارةِ العلاقة بين الحي – غير الحي الواجبِ رؤيتها في مثال الإنسان. وقبل أي شيء، يجب القبولَ والإقرار بكفاءةِ الحيوية الكامنة في المادة. ولولا هذه الكفاءة، لما أمكنَ ترافُقُ الترتيب والانتظام المادي للذرات في الإنسان مع هذا المستوى الراقي من العواطف الجياشة والحيوية العاقلة. إذن، والحال هذه، كيف يمكننا بلوغ إدراكاتٍ أقوى بشأن كمون الحيوية في المادة؟ الرد الأول: من الضروري تثبيتُ ثنائيةِ "الدفع – الجذب" في صدارةِ اصطلاحِ الحيوية الكامنة. فقد يكون من الأفضل تفسيرُ هذا المبدأ الأصلي الملاحَظِ في كافة الكون على أنه حيويةٌ كامنة. ثانياً: وتأسيساً على هذا المبدأ، يمكننا الإشارةُ إلى الصفة الجزيئية للموجات. ويمكننا إدراجُ مبدأِ أو قرينةِ الوجود – الفراغ ضمن ذلك، إذ لا يمكن تصوُّرُ وجودٍ بلا فراغ أو فراغٍ بلا وجود. ولدى التأملُ الغائر بما يفوق طاقاتنا الفكرية، سنجد أنه بتجاوز قرينةِ الوجود – الفراغ سيزول الاثنان معاً. إذن، بِمَ يمكن تسميةُ الشيء الجديد المتكون؟ هذا هو السؤال الثاني العسيرُ والعويص. قد يَرُدُّ البعضُ على الفور بأنه "الله" مثلما جرت العادة. في حين أنّ الإمهالَ في هذا الموضوع قد يؤدي بنا إلى أفكارٍ قيِّمةٍ للغاية. وربما نبلغ بذلك جوابَ أو معنى لغزِ الحياة وأسرارها.

لقد بُرهِن على أنّ المادةَ طاقةٌ مدَّخَرةٌ كامنة. ومعادلةُ آينشتاين()  {Einstein} الشهيرة معروفة. حيث يشير فيها إلى أنّ الفرقَ بين وزنِ الإنسان الحي ووزنِ الإنسان الميت يُقَدَّر بثمانيةَ عشر غراماً من الطاقة. فهل الحيويةُ تمثل في هذه الحالة نظاماً خاصاً من جريان الطاقة؟ وهل يحصل هذا الإفراغ للطاقة بحفاظها على وجودها؟ أوَلا تَثبُتُ صحةُ الروحانية في العقيدة الأرواحية(12)  {Animism} آنذاك؟ أو على الأقل، ألا تصبح عقيدةً يجب أخذَها على محمل الجد والاعتبار؟ ألا يعني ذلك أنّ الكونَ مليءٌ بالأرواح؟ أو، ألا يعني إيلاءَ الأهمية والجدية اللازمة لمفهومِ أو إدراكِ أو تفسيرِ هيغل {Hegel} بصدد الذكاء المطلق {Geist} }الفكر المطلق، العقل المطلق{ أو بِكَوْنِ الطاقة هي الروح الحيوية للمادة؟ يمكننا طرحُ المزيد من مثل هذه التساؤلات.

المُهِمُّ هنا هو الانتباهُ إلى كوننا لن نكون قريبين من الصواب إذا ما عملنا بالشروح الميتافيزيقية الشائعةِ في وثوقيةِ العصور الوسطى الجزمية بالتمييز بين الحيوية – الجماد، أو بتلك التعليلات القائمة في الحداثة الرأسمالية اعتماداً على التفريق بين الروح – البدن أو بين الذات – المادة. فلا مبدأُ القوة الخارجية الخالقة والباعثةِ للأرواح والنفوس، ولا الطرقُ المعتَبِرة للكون كثنائية الروح – المادة، يمكنها إيضاحُ غنى الحياة وكمالها.

علينا الاقتناعُ بمبدأِ العدالة في الكون. فما من موجودٍ يمكنه أن يتواجد دون علةٍ أو ظرفٍ مناسب. والطبيعةُ في تكوينها أكثرُ عدلاً مما نشاهد. وسنكون على صوابٍ فيما إذا اعتبرنا المجتمعَ الحضاريَّ مسؤولاً عن فقداننا لمهاراتنا في الملاحظة، أو في تعرضها للتحريف والتشويه والتضليل. ووجودُ الإنسان أيضاً تطوُّرٌ عادل. وبالاستطاعة القولُ أنّ كلَّ النظام الكوني، والعالَم البيولوجي، والمؤسساتِ والمنظمات الاجتماعية مسخَّرةٌ لخدمة وجود الإنسان. فهل من عدالةٍ أعظم؟ أما إذا كان مَرامُ الهرميةِ المستفحِلة في المجتمع، والتحريفاتِ الكبرى الحاصلةِ على يد الدولة هو طمسُ هذه الحقيقة؛ فيجب البحثَ عن المسؤول ضمن هذه القوى البشرية المحرِّفة والمضلِّلة. وهذه بالذات مَهَمَّةُ الإنسانِ الباحثِ عن العدالة والمعني بها، والقادرِ على تطوير كافةِ أنواعِ المعاني والعمليات والنشاطات اللازمة في سبيلِ العدالة. وبالطبع، فالأشخاصُ القائلون "أبحث عن العدل" هم الذين عليهم تحمُّلُ مشقاتِ هذه الوظيفة، وتلبيةُ متطلباتها بأكثر الأشكال قيمةً وتنظيماً وعمليةً وديمومة.

السؤالُ الأكثر ضرورةً للطرح والانتباه هو: ما غايةُ الكون من التطور؟ أو بالأحرى، أليست خاصيةُ التطور في الكون بذاتها برهاناً على حيويته؟ أيمكن لشيءٍ لا كفاءةً حيويةً له أن يتطور؟ يساعِدُ العالَم البيولوجي على تيسير هذا السؤال أكثر. والمسألةُ الهامة الأخرى بشأنِ التطور البيولوجي تتعلق باستثنائيةِ كوكبِ "الأرض". فبموجبِ مراقبة الأجرام السماوية يقال أنه لم يُعثَر على كوكبٍ حيٍّ آخر حتى الآن. إنها مسألةٌ شائكة بحق، ذلك أنّ مقدرةَ الإنسان في تحديدِ وتثبيتِ كافةِ الكواكب والمجرات محدودةٌ للغاية. فبقدرِ ما تستطيع البعوضةُ تفسيرَ العالَم، (ربما؟) يفسر الإنسانُ الكونَ بنفسِ القدر. فالزعم بمقدرةِ الإنسان على معرفةِ كلِّ شيء وَهْمٌ من أوهام الفكر الميتافيزيقي، وهو أشبهُ بموضوعِ خلق الله.

إنَّ حصرَ كيانٍ كونيٍّ بالأرقام لا يوضح الأمور كثيراً. كما أننا لا نزال على عتبةِ إدراكِ حكمةِ الكون وأسبابه، ولا نزال نجهل ما سيسفر عنه هذا الإدراكُ من معلومات. يجب عدمَ غضِّ النظر عن المفهوم الشهير "لكل كائنٍ حيٍّ عالَمه". ولربما يكون لاصطلاحِ العوالم المتوازية جوانبُ منيرة للفكر. ربما نوضح مُرادنا على نحوٍ أفضل من خلال المثال التالي: للخليةِ الحية الموجودةِ في إحدى أنسجةِ الإنسان عالَمُها ووجودها الخاص. بل ويتحقق التفكيرُ في خلايا الدماغ. فهل بمقدورِ هذا النوع من الخلايا القول بأن: العالَمَ موجودٌ بقدر ما نفكر ونعتقد؟ فهذه الخلايا بالمقابل لا درايةَ لها بالإنسان ولا بالكون الضخم خارج الإنسان. لكنَّ هذا لا ينفي وجودَ الإنسان والكونَين الأصغر والأكبر. تُرى، ألا نستطيع اعتبارَ الإنسان أيضاً كتلك الخلية نسبةً إلى الكون الأكبر؟ سنستطيع الحكمَ بسهولةٍ بوجودِ عوالم أخرى، إنْ تجرأنا على التسليم بذلك. مقصدنا من "العوالم المتوازية" هو: إنْ كان كلُّ كونٍ مرتبطٌ بطَورٍ (سوية، صفحة) وبِبُعدٍ تموجي معيَّن مثلما يُعتقَد، إذن، بالإمكان وجودُ عددٍ لا متناهٍ من الأكوان. وما نظامُ التموجات المنشئة للإنسان سوى واحدٌ من تلك الأكوان.