الديمقراطية الذاتية)1)

15 آگوس 2019 پنج ش

الكونفدراليةِ الديمقراطيةِ منفتحةٌ على الكياناتِ السياسية المختلفة ذاتِ الطبقيةِ المتعددة. ذلك أنّ الكياناتِ السياسيةَ المختلفةَ عامودياً وأفقياً ضرورةٌ اضطراريةٌ بسببِ البنية المعقدةِ للمجتمع القائم.


عبد الله أوجلان

الإداراتُ شبهُ المستقلةِ أو الذاتية على نِطاقِ المدينةِ والمنطقةِ والإقليم، والتي اتَّسَمَت بشأنِها الكبيرِ في كلِّ زمانٍ تاريخياً، تحتلُّ مكانَها بين التقاليدِ الثقافيةِ الأخرى الهامةِ للغاية، والتي ضَحَّت بها الدولتيةُ القومية. لقد كانت للمدنِ والمناطقِ والأقاليمِ إداراتُها الخاصةُ شبهُ استقلاليتُها دائماً في كنف جميعِ الإداراتِ الاجتماعيةِ والدولتيةِ المُطَبَّقة. إذ يستحيلُ أصلاً حُكم الإمبراطورياتِ والدولِ الكبيرةِ خصيصاً بمنوالٍ آخَر. بينما المركزيةُ المتَصَلِّبَةُ هي في أساسِها مرضُ الدولةِ القومية، باعتبارها طابعَ الحداثةِ الاحتكاريّ. وقد فُرِضَت كضرورةٍ من ضروراتِ قانونِ الربحِ الأعظمي، ورُتِّبَت بغرضِ تَحَوُّلِ بيروقراطيي طبقةِ البورجوازية الوسطى المتضَخِّمةِ كالوَرَمِ إلى سلطة، وطُوِّرَت كنموذجٍ لا يَسِيرُ إلا بالفاشية، في سبيلِ تأسيسِ آلافِ الأنظمةِ المَلَكية، وليس نظاماً واحداً فقط منها.

لقد تَكَفَّلَت الحركاتُ شبهُ المستقلةِ للمدنِ والمناطقِ والأقاليمِ بالنصيبِ الأوفَرِ في تَسارُعِ انهيارِ وانحلالِ الحداثةِ الكلاسيكية، وفي تنامي الحركاتِ الثقافيةِ التي يعني بعضُها الانقطاعَ الجذريَّ عنها، ولو كانت غالبيتُها ذاتَ ماهيةٍ ليبراليةٍ من نوعِ ما وراء الحداثة. موضوعُ الحديثِ هنا في حقيقةِ الواقع هو إعادةُ انبعاثِ ثقافاتِها، والعودةُ ثانيةً لتلك الثقافاتِ المشحونةِ بالأبعادِ السياسيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعيةِ التي شَهِدَتها بمتانةٍ وطيدةٍ طيلةَ كلِّ العصور. وهي تتصدرُ الحركاتِ المُفعَمةِ بمعنى المجتمعِ التاريخيِّ الهامِّ للغاية، والتي يجب أنْ تَكُونَ كذلك. من المستحيلِ الخلاصَ من مَرَضِ الدولةِ القوميةِ، ما لَم يتحققْ تحرُّرُ المدينةِ والمنطقةِ والإقليم. وأعضاءُ الاتحادِ الأوروبيِّ هم القوى التي أَدرَكَت وطَبَّقَت ذلك بأفضلِ الأشكال. فالممارساتُ البربريةُ التي عانوها طيلةَ أربعةِ قرونٍ بحالها تحت اسمِ الحداثة، والحربان العالميتان قد لَقَّنَت الثقافةَ الأوروبيةَ بالدرسِ الكافي. من هنا، ليس صدفةً أنْ تتجَسَّدَ أُولى خطواتِهم التي نَفَّذوها في قوانينِ شبهِ الاستقلاليةِ للمدينةِ والمنطقةِ والإقليم. بل هي مرتبطةٌ باستيعابِهم ماهيةَ الإبادةِ العِرقيةِ التي تَشتَمِلُ عليها نزعةُ الدولتيةِ القوميةِ حِيالَ كافةِ الكياناتِ الوطنيةِ والثقافية.

تنفيذُ أفضلِ النشاطاتِ في الاتحادِ الأوروبيِّ اليوم ضمن نطاقِ ثقافاتِ المدينةِ والمنطقةِ والإقليم، يتصَدَّرُ قائمةَ العناصرِ الأهمِّ على الإطلاق في حلِّ كافةِ القضايا العالَمية. إنها حركةٌ ثقافيةٌ هامةٌ وضروريةٌ، ولو لَم تَطغَ عليها الراديكالية. وبالأصل، فالعديدُ من المدنِ والمناطقِ والأقاليمِ كانت تَصونُ حيويتَها في شبهِ الاستقلال، نظراً لعجزِ الحُكمِ المركزيِّ عن فرضِ وتطويرِ نَمَطيةِ وتَجانُسِ حُكمِه في جميعِ قاراتِ العالم. فالأوضاعُ شبهُ المستقلة، والنشاطاتُ شبهُ المستقلة تُعَدُّ الأفكارَ الأكثر طرحاً وفعاليةً، بدءاً من فيدراليةِ روسيا إلى الصين والهند، ومن القارةِ الأمريكيةِ برمتها (الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ فيدرالية، شبهُ الاستقلاليةِ رائجةٌ في كندا، وأمريكا اللاتينية في وضعِ شبهِ الاستقلالِ الإقليميِّ أصلاً) إلى أفريقيا (يستحيلُ تشييد وحُكم الدول في أفريقيا من دونِ وجودِ إداراتٍ عشائريةٍ وإقليميةٍ تقليدية). بينما المركزيةُ المُتَصَلِّبة، التي هي مَرَضُ الدولتيةِ القومية، لا تُطَبَّقُ سوى في بعضِ دولِ الشرقِ الأوسطِ المعدودة، وفي الديكتاتورياتِ الأخرى.

أما حالاتُ الانحلالِ والتفسُّخِ التي تعانيها بُنى الدولةِ القوميةِ ذاتِ المركزيةِ المُتَصَلِّبةِ التي تُكَوِّنُ البُعدَ الأهمَّ للحداثةِ الكلاسيكيةِ، والناجمةُ عن حصارِ رأسِ المالِ العالَميِّ من الأعلى والحركاتِ الثقافيةِ من الأسفل؛ فتَدُورُ مساعي إقامتِها مكانَ إداراتِ المدنِ والمناطقِ والأقاليمِ شبهِ المستقلةِ بالأغلب. هذا التيارُ المتوطِّدُ تدريجياً في راهننا، مرغَمٌ على التطوُّرِ بالتداخلِ مع حركةِ الأمةِ الديمقراطية. والأمةُ الديمقراطيةُ بوصفِها شكلاً إدارياً قريبةٌ جداً إلى الكونفدراليةِ التي هي نوعٌ من أشكالِ الحُكمِ السياسيِّ للأممِ الديمقراطية. والمدينةُ القويةُ لا يُمكِنُ أنْ تتواجدَ إلا بالإداراتِ المحليةِ والإقليميةِ شبهِ المستقلة. وكِلتا الحركتَين يجب أن تتكافآ وتتقاطعا معاً من حيثُ الشكلِ الإداري. ذلك أن صيرورةَ الأمةِ والأممِ الديمقراطيةِ يستحيلُ أنْ تَكتَسِبَ القدرةَ الإداريةَ من دونِ الإداراتِ شبهِ المستقلةِ في المدينةِ والمنطِقةِ والإقليم. فإما أنْ تَسقطَ حينذاك إلى فوضى عارمةٍ فتتبَعثر، أو أنْ يتمَّ تجاوزُها بنموذجٍ جديدٍ من الدولتيةِ القومية. ولكي لا يتم السقوطُ في كِلا الوضعَين، فإن حركةَ الأمةِ الديمقراطيةِ مُرغَمةٌ على تطويرِ الإداراتِ شبهِ المستقلةِ الديمقراطيةِ في المدينةِ والمنطقةِ والإقليم. مقابلَ ذلك، ولكي لا تُبتَلَعَ الإداراتُ شبهُ المستقلةِ المدينيةُ والمناطقيةُ والإقليميةُ تماماً، ولكي تتمكن من استخدامِ قواها الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والسياسية؛ فهي بحاجةٍ ماسةٍ إلى الالتحامِ مع الحركةِ الوطنيةِ الديمقراطيةِ كَأُمَّةٍ ديمقراطية. ولا يمكِنهما التغلب على احتكاراتِ القوى المركزيةِ المتطرفة، والتي تَنصُبُها الدولةُ القوميةُ أمامهما وتَفرضُها عليهما دوماً؛ إلا بعقدِ التحالفِ السليمِ والوطيدِ فيما بينهما. وفي حالِ العكس، فكِلتا الحركتَين لا يمكنهما الخلاصَ – حتى كظاهرةٍ بِحَدِّ ذاتِها – من التصفيةِ والانصهارِ مجدداً تحت وطأةِ تهديدِ النَّمَطِيّة، مثلما عانتا من ذلك كثيراً في الماضي. كيفما أنّ الشروطَ التاريخيةَ في القرنِ التاسعِ عشر كانت بالأغلبِ لصالحِ الدولتيةِ القوميةِ، فكَفّةُ شروطِنا الراهنةِ – أي وقائعُ القرنِ الحادي والعشرين – تَرجحُ لصالحِ الأممِ الديمقراطيةِ والإداراتِ المدينيةِ والمناطقيةِ والإقليميةِ شبهِ المستقلةِ والتي تتعزز على جميعِ الأصعدة.

لقد طُبِّقَت سياساتُ المدينةِ شبهِ المستقلةِ الشبيهةُ بذلك بشكلٍ أكثر رواجاً في العصورِ الوسطى، وكأننا وجهاً لوجهٍ أمامَ عالَمِ نجومِ المدنِ البراقةِ الصامدةِ تجاه الإمبراطورياتِ العظمى. حيث تَصَدَّت مئاتُ المدن (من المحيطِ الهادي إلى المحيط الأطلسي، بل ووصولاً إلى القارةِ الأمريكية، ومن الصحراءِ الكبرى إلى سيبيريا) باسمِ سياسةِ شبهِ الاستقلالِ حتى درجةِ مَحوِها من صفحاتِ التاريخِ إنْ تَطَلَّبَ الأمر، وذلك في وجهِ الإمبراطورياتِ الإسلامية (الأموية، العباسية، السلجوقية، التيمورية، البابورية، والعثمانية) حتى إمبراطوريةِ جنكيزخان، ومن الإمبراطورياتِ المسيحية (بيزنطة، إسبانيا، النمسا، روسيا القيصرية، وبريطانيا) إلى الإمبراطورياتِ الصينية. ومدينةُ أوترار  الصامدةُ تجاه جنكيزخان مثالٌ شبيهٌ بتصييرِ قرطاجة حقلاً سوياً بالأرض. فهي أيضاً قد صُيَّرَت حقلاً. هذا وبالمقدور سردَ مئاتِ الأمثلةِ بشأن مقاوماتِ المدنِ الأوروبيةِ الممتدةِ على مرِّ قرونٍ بحالها تجاهَ القوى الإمبراطوريةِ من جهة وتجاه مركزيةِ الدولتيةِ القوميةِ من جهةٍ أخرى. ونخص بالذكر المدن الإيطالية والألمانية التي من المعلوم بأفضلِ الأحوالِ أنها أبدت مقاومةً عظمى بغيةَ صونِ بُناها شبهِ المستقلةِ حتى أواسطِ القرنِ التاسعِ عشر. والبندقيةُ وأمستردام مثالان شهيران من بينها.

لكنّ إحرازَ الدولةِ القوميةِ النصرَ في كلِّ الأصقاعِ خلال القرنِ التاسعِ عشر، غدا ضربةً كبرى لَحِقَت بشبهِ استقلاليةِ المدينةِ المستمرّةِ على طولِ آلافِ السنين في التاريخ. لكنّ شبهَ استقلاليةِ المدائن انتَعَشَت ثانيةً مع ظاهرةِ ما وراء الحداثة، وبرزت سياسةُ المدينةِ إلى المقدمة.

لا توجد في التاريخ سياسةُ المدينةِ وحسب في وجه قوى المدنية، بل وثمة عددٌ لا حصر له من المقاومات التي أبدَتها المجموعاتُ الاجتماعيةُ البارزةُ وربما بما يُضاهي الأولى، بهدفِ بقائها قوةً سياسيةً شبهَ مستقلةٍ من قبيل القبائل والعشائر والجماعات الدينيةِ والمدارس الفلسفية وغيرها. وقد تَكُونُ قصةُ القبيلةِ العبريةِ بخصوصِ شبهِ الاستقلالية على مدى ثلاثةِ آلاف وخمسمائةِ عام بأكملها (1600 ق.م وحتى يومنا الراهن) من أشهرِ الأمثلة. إذ أدت سياسةُ شبهِ الاستقلالِ للقبيلةِ العبريةِ دوراً مُعَيِّناً في كونِ اليهودِ جدَّ أثرياء وجدَّ بارعين تاريخياً بل وراهناً بالأكثر. حيث ظَهَرَت مذاهبُ المقاومةِ الباسلةِ للغاية مقابلَ تحويلِ الدينِ الإسلاميِّ إلى وسيلةٍ للإمبراطوريةِ والسلطة. والمذهبان العَلَوِيُّ والخوارج إنما يَعكِسان سياساتِ الحياةِ شبهِ المستقلةِ للقبائل والعشائر. وانطلاقاتُ المذاهبِ المعارِضةِ للسيادةِ السُّنِّيَّةِ وتقاليدِ السَّلطَنَة، والمُشاهَدَةُ برواجٍ شائعٍ في بنيةِ كلِّ قوم، ليست في مضمونها سوى محصلةٌ لسياساتِ شعوبِ العشائر والقبائل المتطلعةِ إلى المقاومةِ والحرية. إنها ضربٌ مِن أولى حركاتِ الشعوبِ في الحريةِ والاستقلالِ في وجهِ استعمارِ الإسلامِ السُّنِّيّ. هذا ويوجد عدد جمٌّ من مذاهِبِ المقاومةِ الشبيهةِ في المسيحيةِ والموسويةِ أيضاً. وقد حَفِلَت العصورُ الوسطى على طولِ مسارها بهكذا نضالاتٍ محليةٍ ومدينيةٍ وقبائليةٍ وكجماعاتٍ دينيةٍ في سبيلِ سياسةِ الحريةِ وشبهِ الاستقلال. فحياةُ الأديرةِ المُقاوِمةٍ على مدى ثلاثةِ قرونٍ برمتها بمنوالٍ شبهِ خَفِيٍّ لأولى الجماعاتِ المسيحيةِ قد أدت دوراً رئيسياً في تهيئةِ أرضيةِ المدنيةِ المعاصرة. كما أن سياساتِ شبهِ الاستقلالِ للمدارسِ الفلسفيةِ اليونانيةِ في العصورِ القديمةِ لعبت دورها في إعدادِ بنيةِ العلمِ الأوليّة. والشعوبُ والأممُ البالغةُ يومَنا الحاضرَ مَدينةٌ بهذه الحقيقةِ بالأكثر لأسلافِها من القبائلِ والعشائرِ المقاوِمةِ لمئاتِ بل وآلافِ السنين على ذرى الجبالِ وفي أواسطِ الصحارى والبوادي.

وما حركاتُ التحررِ الوطنيِّ في التاريخِ المعاصرِ سوى استمرارٌ لتلك التقاليد. حيث أنّ الهدفَ الذي هَرَعَت جميعُها وراءَه هو الاستقلالُ السياسيّ، وإنْ كان مُحَرَّفاً على شكلِ دولةٍ مستقلة. أما تحريفُ الليبراليةِ للاستقلالِ السياسيِّ بتحويله إلى استقلالِ الدولةِ القوميةِ المزيف، فيعني الاستمرارَ بتقاليدِ مقاومةٍ سياسيةٍ جدِّ هامة، بالرغمِ من كبحِها جماحَ السياسةِ عن أداءِ وظيفتِها الحقيقية.

لَطالما تواجد سياساتُ شبهِ الاستقلالِ المحليةُ والإقليميةُ تاريخياً، ولعبت دوراً هاماً في الاستمرارِ بوجودِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. إنّ الشعوبَ والأممَ التي تعيشُ على شاكلةِ مجتمعٍ قبائليٍّ أو عشائريٍّ أو قرويٍّ أو مدينيٍّ ضمن جغرافيا متراميةِ الأطرافِ للغاية على وجهِ الكرةِ الأرضية، وعلى رأسها الجبال والبوادي والمناطق الغاباتية؛ قد أبدت مقاوَماتِها المتواصلةَ تجاه قوى المدنيةِ من خلالِ سياساتِها في الاستقلالِ وشبهِ الاستقلال. لهذا السببِ بالذات نقولُ أنّ التقاليدَ الكونفدراليةَ الديمقراطيةَ هي الطاغيةُ بالأكثر تاريخياً. ونقول أنّ الميولَ السائدةَ طيلةَ تاريخِ المدنيةِ هي المقاومةُ، لا الخنوع. ولو لَم يَكُن الأمرُ كذلك، لَكانت الدنيا كعالَمِ مصرِ فرعون. من المحالِ علينا تفسيرَ التاريخِ بشكلٍ صحيح، دون العلمِ أنه لَم تَبقَ منطقةٌ أو محلٌّ يتواجدُ فيه ولو إنسانٌ واحدٌ، إلا وتَواجَدَت فيه المقاومةُ والسياسة. وإذ ما كانت شعوبُ أمريكا اللاتينيةِ وأفريقيا وآسيا لا تنفكُّ تُقاوِمُ وتتصدى بكلِّ ألوانِها وأطيافِها وثقافاتِها، فهذا ما مفادُه أنّ تواريخَها أيضاً كذلك. ذلك أنّ التاريخَ هو "الآن".

بمقدورِ قوى الحداثةِ الرأسماليةِ وقوى العصرانيةِ الديمقراطيةِ العيشَ معاً ضمن سلامٍ مستَتِبٍّ على أساسِ قَبولِ وجودِ وهوياتِ بعضها البعضِ والاعترافِ بالإداراتِ الديمقراطيةِ شبهِ المستقلة، مثلما حصلَ تاريخياً في الكثيرِ من المراتِ بين قوى المدنيةِ والقوى الديمقراطية. وضمن هذا النطاقِ وهذه الظروف، يُمكِنُ لِلكَياناتِ السياسيةِ الكونفدراليةِ الديمقراطيةِ وكياناتِ الدولةِ القوميةِ العيشَ معاً ضمن سلامٍ مُستَتِبٍّ ضمن وخارجَ حدودِ الدولةِ القومية.

مثلما تتسمُ الكونفدراليةُ الديمقراطيةُ بالقدرةِ على تجاوُزِ السلبياتِ الناجمة عن منهجيةِ ونظامِ الدولةِ القومية، فهي أيضاً أنسبُ وسيلةٍ لتسييسِ المجتمع. إنها بسيطةٌ وقابلةٌ للتطبيق. حيث بمقدورِ كلِّ مجموعةٍ وأثنيةٍ وثقافةٍ وجماعةٍ دينيةٍ وحركةٍ فكريةٍ ووحدةٍ اقتصاديةٍ بناءَ نفسِها كوحدةٍ سياسيةٍ شبهِ مستقلةٍ للتعبيرِ عن ذاتِها. ينبغي تقييمَ الفيدرالية أو شبهِ الاستقلالية أو المصطَلحِ المسمى بالذاتية ضمن هذا الإطار والنطاق.

يمكننا تبيان هذه النقاط إن سعينا لإيجاز الموضوع بشأن الكونفدرالية الديمقراطية:

الكونفدراليةِ الديمقراطيةِ منفتحةٌ على الكياناتِ السياسية المختلفة ذاتِ الطبقيةِ المتعددة. ذلك أنّ الكياناتِ السياسيةَ المختلفةَ عامودياً وأفقياً ضرورةٌ اضطراريةٌ بسببِ البنية المعقدةِ للمجتمع القائم. هذا وتَلُمُّ شَملَ الكيانات السياسية المركزية والمحلية والإقليمية ضمن حالةِ توازن. فبِحُكمِ ردِّ كلِّ واحدٍ منها على ظروفٍ ملموسةٍ معيَّنة، فإنّ البنى السياسيةَ التعدديةَ أقربُ إلى إيجادِ سُبُلِ الحل الأسلم والأصح للمشاكل الاجتماعية. كما أنّ تعبيرَ الهوياتِ الثقافية والأثنية والوطنية عن نفسها بالكياناتِ السياسية مِن أكثرِ حقوقها طبيعيةً. أو بالأحرى، مِن متطلباتِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. وهي منفتحةٌ على أشكالِ التوافقِ المبدئي مع تقاليد الدولة، سواءً كانت دولةً قومية أم جمهوريةً أم ديمقراطياتٍ بورجوازية. إذ بمستطاعها العيش تحت مظلةٍ واحدة على أساسِ السلامِ المبدئي.

الكونفدراليةِ الديمقراطيةِ تستندُ إلى المجتمعِ الأخلاقي والسياسي. أما مساعي المجتمعِ المُصاغةُ على شكلِ مشاريعَ عينيةٍ ونمطيةٍ مرتكِزةٍ إلى هندسةِ المجتمع مِن قَبيلِ: المجتمع الرأسمالي، الاشتراكي، الإقطاعي، الصناعي، الاستهلاكي وغيرها؛ فتَعتَبِرُها مندرجةً ضمن إطارِ الاحتكارات الرأسمالية. إذ لا وجودَ لهكذا نوعٍ من المجتمعات مضموناً، بل دعائياً وحسب. فالمجتمعاتُ أساساً سياسيةٌ وأخلاقية. والاحتكاراتُ الاقتصاديةُ والسياسيةُ والأيديولوجية والعسكرية أجهزةٌ تَقرضُ وتَنخُرُ طبيعةَ المجتمعِ الأساسيةَ تلك، طمعاً بفائضِ القيمة، بل وحتى بالجزيةِ الاجتماعيةِ الثقيلة. إذ لا قيمةَ لها بمفردها. فحتى الثورةُ تعجزُ عن خلقِ مجتمعٍ جديد. حيث لا يمكنها إلا أنْ تؤديَ دوراً إيجابياً كعملياتٍ يُلجَأُ إليها في سبيلِ البلوغِ بالنسيجِ الأخلاقي والسياسي للمجتمع إلى وظيفته الأصليةِ بَعدَ أنْ كان مُعَرَّضاً للضمورِ والتآكل. وما يتبقى تُحَدِّدُه الإرادةُ الحرةُ للمجتمعِ الأخلاقي والسياسي.

الكونفدراليةِ الديمقراطيةِ تعتمدُ على السياسةِ الديمقراطية. فمقابلَ مفهومِ الدولةِ القوميةِ في الإدارةِ والحكم الصارمِ المركزيِّ البيروقراطي ذي المسار المستقيم، تُشَكِّلُ جميعُ المجموعاتِ الاجتماعية والهويات الثقافيةِ الإدارةَ الذاتيةَ للمجتمعِ من خلالِ الكيانات السياسيةِ المُعَبِّرَةِ عنها. ويتم تسيير الشؤون والأعمال على مختلفِ المستوياتِ عن طريقِِ إداريين قائمين على وظائفهم بالانتخاب، لا بالتعيين. المهمُّ هو كفاءةُ إصدارِ قراراتِ المَجالِسِ المُتَداوَلة بالنقاش. أما الإداراتُ المستقلة، فغيرُ دارجةٍ أو مقبولة. تَتَحَقَّقُ الإدارةُ الديمقراطية ورقابةُ الأعمالِ الاجتماعية من خلال حزمةِ الهيئاتِ المتعددة البنى، المتطلعةِ إلى الوحدة ضمن إطارِ التباين والاختلاف، والمناسِبةِ لِبُنيةِ كلِّ مجموعةٍ وثقافة، بدءاً من الهيئة التنسيقية المركزية العامة (مجلساً كانت أم لجنة أم مؤتمراً)، وصولاً إلى الهيئات المحلية.

الكونفدراليةِ الديمقراطيةِ ترتكِزُ إلى الدفاع الذاتي. وحداتُ الدفاع الذاتي قوةٌ أساسيةٌ، ليس بوصفها احتكاراً عسكرياً، بل بخضوعها لمراقبةِ الأجهزةِ الديمقراطية المُشَدَّدة بما يُلَبّي احتياجات المجتمع الأمنية الداخلية والخارجية. تتجسدُ وظيفتُها في تفعيلِ إرادةِ السياسة الديمقراطية للمجتمع الأخلاقي والسياسي بوصفه بنيةَ القرارِ الحرِّ المعتمِدِ على المساواة تأسيساً على الاختلاف والتباين، وعلى شَلِّ تأثيرِ تَدَخُّلاتِ القوى العاملة على إفراغِ هذه الإرادة أو عرقلتها أو القضاء عليها، سواءً خارجياً أم داخلياً. البنيةُ القياديةُ للوحدات تَخضَعُ للرقابةِ المزدَوَجة مِن قِبَلِ أجهزةِ السياسة الديمقراطية وأعضاءِ الوحداتِ على السواء، ويمكن تغييرها بسهولة عندما تقتضي الحاجة من خلال الاقتراحات والمُصادَقاتِ المتبادَلة.

 

الكونفدراليةِ الديمقراطيةِ لا مكانَ فيها للهيمنةِ عموماً وللهيمنةِ الأيديولوجيةِ على وجهِ الخصوص. فمبدأُ الهيمنةِ يَسري في المدنيات الكلاسيكية. بينما في الحضاراتِ والعصرانيةِ الديمقراطية لا يُنظَرُ بعينِ التسامحِ إلى القوى والأيديولوجيات المهيمنة. ولدى تَخَطّي حدودِ التعبيرِ المغاير والإدارةِ الديمقراطية، يُشَلُّ تأثيرُ ذلك من خلالِ الإدارةِ الذاتية وحريةِ التعبير. التفاهمُ المتبادَل، واحترامُ المقتَرَحاتِ المختلفة، والالتزامُ بأسسِ القرار الديمقراطي شروطٌ لا بد منها في الإدارةِ الجماعيةِ لشؤونِ المجتمع. ورغمَ تَقاطُعِ مفهومِ الإدارةِ في المدنيةِ الكلاسيكيةِ والحداثةِ الرأسمالية مع مفهومِ الإدارةِ في الدولة القومية بصددِ هذا الموضوعِ؛ إلا أنه ثمة فوارقٌ وحالاتُ شذوذٍ كبرى بينهما وبين مفهومِ الإدارةِ في الحضارةِ والعصرانية الديمقراطيتَين. فنمطُ الإدارةِ البيروقراطية المزاجية ونمطُ الإدارةِ الديمقراطية الأخلاقية يَكمنان في أساسِ الفوارقِ وحالاتِ الشذوذِ والخِلاف.

هذا ولا يمكن الحديث فيها عن الهيمنةِ الأيديولوجية بتاتاً. فالتعدديةُ ساريةٌ على الآراءِ والأيديولوجيات المختلفة أيضاً. ولا تحتاجُ الإدارةُ إلى التمويهِ الأيديولوجيِّ لتَعزيزِ ذاتها. بناءً عليه، ومثلما لا ترى داعياً للأيديولوجياتِ القوموية والدينَوية والعلموية الوضعية والتعصبية الجنسوية، فهي مضادةٌ لبسطِ الهيمنةِ أيضاً. كلُّ رأيٍ وفكرٍ وعقيدةٍ له الحق في التعبير عن ذاته بِطَلاقةٍ وحرية، طالما لا يتخطى بنيةَ المجتمعِ الأخلاقيةَ والسياسيةَ، ولا يتطلعُ إلى بسطِ الهيمنة.

الكونفدرالية الديمقراطية تَقِفُ في صفِّ الاتحاد الكونفدرالي الديمقراطي العالمي للمجتمعاتِ الوطنية العالميةِ مقابلَ مفهومِ الاتحادات على شاكلةِ هيئةِ الأمم المتحدة التي تضمُّ الدولَ القوميةَ الخاضعة لرقابةِ القوة المهيمنة الخارقة. ذلك أنّ توحيدَ المجموعات الأوسع نطاقاً بكثير كَمّاً ونوعاً على السواء تحت مظلةِ الكونفدرالية الديمقراطية العالمية حسبَ معاييرِ السياسة الديمقراطية، إنما هو شرطٌ أوليٌّ من أجلِ عالَمٍ أكثرَ أمناً وسلاماً وأيكولوجيةً وعدالةً وإنتاجية.