الديمقراطية الذاتية)2)

15 آگوس 2019 پنج ش

مفهوم الدولة القومية الراهن في تركيا يشكل مصدراً للقضايا أكثر من حلها. فهذا النظام يتعارض مع واقع المجتمع في تركيا والشرق الأوسط، لذا لا بد من أن يتم اجتيازه.


عبد الله أوجلان

الكونفدراليةُ الديمقراطيةُ ليست أيَّ شكلٍ إداريٍّ خاصٍّ بيومنا الراهن مثلما يُعتَقَد. بل هي نظامٌ يحتلُّ مكانَه في سياقِ التاريخِ بكلِّ ثِقَلِه. والتاريخُ بهذا المعنى كونفدراليٌّ، لا دولتيٌّ مركزيّ. لكنّ شكلَ الدولةِ معروفٌ كونَه بات رسمياً للغاية. في حين أنّ الحياةَ الاجتماعية أدنى إلى الكونفدرالية. وبينما تَهرَعُ الدولةُ دوماً نحوَ المركزيةِ المُفرِطة، فهي تَتَّخِذُ مصالحَ احتكاراتِ السلطةِ التي تَرتَكِزُ إليها أساساً. إذ لا يمكنها صَونَ هذه المصالح في حالِ العكس. أي، لا يمكن ضَمانَها إلا بمركزيةٍ مُشَدَّدةٍ للغاية. بينما العكسُ يَسري في الكونفدرالية. إذ عليها تَجَنُّب النزعةِ المركزيةِ قدرَ المستطاع، بِحُكمِ اتخاذِها المجتمعَ أساساً، وليس الاحتكار. ونظراً لأنّ المجتمعاتِ ليست نمطيةً (كتلةً واحدةً متجانسة)، بل تتألف من عددٍ جَمٍّ من المجموعات والمؤسساتِ والتبايُنات؛ فهي تَشعُرُ بضرورةِ تأمينِ وصَونِ تَكامُلِها جميعاً ضمن تآلُفٍ مُتَّسِقٍ مشتَرَك. بالتالي، فإدارةٌ مُفرِطةٌ في المركزية بالنسبة لهذه التعددية، قد تفسح الطريق مِراراً أمام الانفجارات. والتاريخُ مليءٌ بعددٍ لا محدودٍ من هذه الأمثلة. أما الكونفدرالية الديمقراطية، فتُعاشُ أكثر نظراً لِتَناسُبِها مع مقدرةِ كلِّ جماعةٍ ومؤسسة وتبايُنٍ مختلِفٍ على التعبير عن ذاتها. أما كونها نظاماً غيرَ معروفٍ كثيراً، فيَعودُ لبنيةِ المدنيةِ الرسمية وأيديولوجيتِها المهيمنة. أي أنّ المجتمعاتِ كونفدراليةٌ أساساً في التاريخ، وإنْ لَم يُعتَرَف بها رسمياً. وإداراتُ جميعِ العشائر والقبائل والأقوام تَسمَحُ دائماً بالكونفدراليةِ المتميزةِ بالعلاقاتِ الرخوة. حيث تُكدَمُ وتتضَرَّرُ استقلالياتُها الذاتيةُ في حال العكس. وهذا بدوره ما يُبَعثِرُ صفوفَها ويَنثُرُ كيانَها. بل حتى الإمبراطورياتُ تستند في بُناها الداخلية إلى عددٍ لا محدودٍ من الإداراتِ المختلفة. إذ قد تَتَّحِدُ شتى أنواع الإدارات القَبَلية والعشائرية والقومية والسلطات الدينية والمَلَكِيّات وحتى الجمهوريات والديمقراطيات تحت مِظَلّةِ إمبراطوريةٍ واحدة. بهذا المعنى، فمن المهم بمكان الإدراك أنه حتى الإمبراطورياتُ التي يُعتَقَدُ أنها الأكثر مركزيةً، إنما هي ضربٌ من ضروبِ الكونفدرالية. أما النزعةُ المركزية، فهي نموذجُ حُكمٍ يحتاجُه الاحتكار، لا المجتمع.

الفوارقُ ونقاطُ التضادِّ القائمةِ بين العصرانيتَين الرأسمالية والديمقراطية، والتي يمكننا المقارنةَ بينها بمنوالٍ أوسع بكثير؛ ليست مجرد ادِّعاءٍ مثاليٍّ وحسب، فهما عالَمان كبيران معاشان في الواقع الملموس. هذان العالَمان اللذان تَحارَبا أحياناً بلا هوادة كقُطبَين متضادَّين جَدَلياً، مثلما لَم ينقصْ السلامُ والوفاقُ بينهما بين الفينة والأخرى على مر مسيرتهما التاريخية؛ إنما هما في راهننا أيضاً يتصارعان أحياناً ويتسالمان أحياناً أخرى ضمن علاقاتهما وتناقضاتهما. لا ريب أنّ النتيجةَ النهائيةَ سوف يُحَدِّدُها مَن يَنفُذُ مِن الأزمة البنيوية الممنهجة القائمة بتحقيق الانطلاقةَ السليمة والحسنة والجميلة فكرياً وسياسياً وأخلاقياً.

يستند مشروعي في الحل على الإدارة الذاتية الديمقراطية

 مَقابلَ إحرازِ الحداثةِ الرأسماليةِ وجودَها تأسيساً على نزعاتِ رأسِ المالِ والصناعويةِ والدولتيةِ القومية، فقد حاولتُ القيامَ بالتحليلِ والحلِّ الشاملِ لاكتسابِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ وجودَها بالتأسيسِ على الكومونياليةِ الديمقراطيةِ والصناعةِ الايكولوجية والأمةِ الديمقراطية. وجَهِدتُ لتعريفِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ بأنها لا تعني التطلعَ إلى المساواةِ ضمن مجتمعٍ نَمَطِيٍّ متجانس، بل تتميزُ بِكَمِّيةٍ شاملةٍ تبدأ من شخصٍ واحدٍ وصولاً إلى ملايينِ الأشخاصِ من شتى أنواعِ الجماعاتِ المُتَحَلِّيةِ بماهيةِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيّ (شتى أنواعِ المجتمعاتِ ابتداء من الجماعاتِ النسائيةِ إلى جماعاتِ الرجال، ومن الرياضةِ والفنِّ إلى الصناعة، ومن المُفَكِّرين إلى الرُّعاة، ومن القبائلِ إلى الشركات، ومن الأُسَرِ إلى الأُمَم، ومن القرى إلى المدن، ومن المحلاتِ والضواحي إلى الصعيدِ الكوني، ومن الكلاناتِ إلى المجتمعِ الكونيّ). بينما عَرَّفتُ حقيقةَ المجتمعِ الصناعيِّ – الأيكولوجيِّ بأنه مؤلَّفٌ من الجماعاتِ الصناعيةِ – الايكولوجية التي يُغَذِّي فيها مجتمعُ القريةِ الزراعيةِ ومجتمعُ المدينةِ الصناعيةِ بعضَهما بعضاً بما يتلاءم مع الايكولوجيا دون بُدّ. أما الأمةُ الديمقراطية، فقد سعيتُ لتعريفِها وتحليلِها وحلِّها من حيث كونِها نوعاً جديداً من الأمة التي سوف تُشَكِّلُها مختلفُ الكياناتِ الثقافيةِ على شاكلةِ كياناتٍ سياسيةٍ ديمقراطيةٍ شبهِ مستقلة، بدءاً من الأثنيةِ إلى الدين، وصولاً إلى الجماعاتِ المدنية والمحليةِ والإقليميةِ والوطنية، وذلك عن طريقِ التطبيقاتِ الكونفدراليةِ الديمقراطيةِ التي تُعتَبَرُ الشكلَ السياسيَّ الأساسيَّ فيها. أو بالأحرى، إنها الأمةُ المتعددةُ الهوياتِ والثقافاتِ والكياناتِ السياسيةِ مَقابِلَ وحوشِ الدولةِ القومية.

هذا وعلى ضوء هذه الحقيقة التاريخية، يمكنني تبيان هذه النقاط من أجل الديمقراطية الذاتية:

يستند مشروعي في الحل على الإدارة الذاتية الديمقراطية. مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية الذي أطرحه فهو من جهة مشروع لا يعتمد على الحدود الجغرافية ولا يجابه أو يتصارع ضمنياً من أجلها، ومن الجهة الأخرى هو مشروع يرتكز في أساسه على مفهوم رد الهيمنة الكونية إلا أنه لا يجابه أو يصارع في الوقت ذاته، فهو يديم وجوده ضمن هذه " الإمبراطورية التي تدعى " الهيمنة العالمية " بشرط أن يحمي مبادئه ويحافظ على هويته وثقافته الذاتية. كما يحتوي هذا الحل ( الإدارة الذاتية الديمقراطية) على مبادئ الكونفدرالية الديمقراطية والتي كنت قد بينتها كالتالي:" السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الحقوقية، الثقافية، الأمنية ( الدفاع الذاتي)، الدبلوماسية. حل هذه القضية على أساس مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية سيقوم بتنوير وحل قضايا الشرق الأوسط بأجمعه. كما ستكون موديلاً للحل بالنسبة لإيطاليا واسبانيا أيضاً. أن أفكاري وتحليلاتي بشأن الدولة والسلطة توازي أفكار وتحليلات "غراميتشي" ( قائد شيوعي إيطالي توفي في السجن). قبل كل من لينين وماركس بالدولة القومية، إلا أنني لم أقبلها. السبب الأساسي في الأزمة التي تعيشها أوربا في راهننا، هو مفهوم الدولة القومية وبناها. هدفنا الأساسي هو تحقيق الحل عبر الطرق السلمية والديمقراطية.

 سأوضح الديمقراطية الذاتية على النحو التالي: إذا كانت الأمة الديمقراطية روحاً فإن الإدارة الذاتية هي الجسد. الإدارة الذاتية الديمقراطية هي حال إنشاء الأمة الديمقراطية بإكساء العظم باللحم، وجعلها شيئاً ملموساً بتحويلها إلى جسد. وهناك عدة مقومات أو أبعاد للإدارة الذاتية الديمقراطية.

- البعد السياسي: في هذا البعد يكون هناك مجلس، أو مؤتمر شعبي، وهذا المؤتمر هو مؤتمر المجتمع الديموقراطي، ويكون لهذا المؤتمر مجلس تنفيذي.

- البعد القانوني: ويعبر عن الوضع القانوني لمشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، والذي نسميه بـ "ستاتو"، ولدى الكاتالون(شعب كاتالونيا في اسبانيا) يعبرون عن ذلك بـ"ستاتوس". هذا أمر مهم جداً، أي ماذا سيكون "ستاتو"(وضع) الأكراد قانونياً. وسينعكس ذلك في الدستور و القوانين، فالقوانين ستحدد مضمونها ضمن إطار الإدارة الذاتية الديمقراطية .

- البعد الاقتصادي: بالطبع سيكون للأمة الديمقراطية المتأسسة سياستها الاقتصادية. هذا البعد سيحدد سياسة الاقتصاد، ما هو شكل الاقتصاد الواجب تسيره؟ ستكون هناك سياسة للسدود وللموارد الباطنية والسطحية. فإن كان سيتم أخذ الضرائب، فكيف وما هو المقدار الذي سيتم دفعه؟. سيتم تحديد هذه الأمور من خلال البعد الاقتصادي. لا يمكننا قبول الرأسمالية كنظام اقتصادي. فربما لن نتمكن من إزالة الرأسمالية من الوجود تماماً ولكن يمكننا واستبدال وتهرئة النظام الاقتصادي الرأسمالي بدرجة مهمة وإنشاء نظامنا الاقتصادي بدلاً عنه. سيتم إنشاء اقتصاد الشعب ضمن هذا النظام، كما وسيتكون قسم منه من الاقتصاد الخاص، أي الشركات الخاصة. يجب مناقشة كل هذه الأمور.

- البعد الثقافي: هذا البعد الثقافي يشمل على الأغلب اللغة والتعليم باللغة الأم والتاريخ والفنون. كيف يجب أن تكون علاقة الكردية بالتركية؟ وكيف يمكن القيام بالتعليم باللغة الأم؟ وكيف يجب أن تكون سياسة اللغة لدى الأمة الديمقراطية؟ يجب نقاش كل ذلك. يجب تكوين سياسة للتعليم. كيف يمكن للأكراد تجاوز الإبادة الثقافية تماماً؟ يتطلب من الأكراد القيام بالمناقشات التي ترسخ وتجسد  التوعية لتجاوز الإبادة العرقية الثقافية.

- بعد الدفاع الذاتي: يمكننا تسمية ذلك بالبعد الأمني أيضاً، أي إننا هنا نتناول الإبادة العرقية، كيف يمكن أن ينجو الأكراد من الإبادة العرقية، عليهم جعل ذلك أمراً ملموساً.

الإبادة العرقية هنا تضم كل أشكال الإبادة العرقية، وليس الجسدية فقط، بل أتكلم عن الإبادة الثقافية وجميع أشكال الإبادة العرقية. أي يتم العمل لأجل وصول الأكراد إلى آلية يستطيعون بها الدفاع عن ذاتهم. بحيث يؤسس المجتمع دفاعه الذاتي الجوهري. لا أعني بذلك الوضع الذي تكون فيه الأسلحة بين الأيادي ( رفع الأسلحة) فقط، فالدفاع الذاتي ليس البنية المسلحة على نمط PKK و KCK بل هو أن يحقق ويؤمن الشعب أمنه. فأنا أعبر عن أن يحقق المجتمع الديموقراطي تنظيمه وتمأسسه ونظامه الأمني في كل الميادين. أي أن يناقش الشعب بنفسه قضاياه الأمنية من جميع الجوانب، يمكنهم أن يصلوا إلى النتائج المختلفة من خلال هذه المناقشات. فمثلاً هل سيبعث الشعب الكردي أولادهم إلى الخدمة العسكرية؟ هل سيأخذون مكانهم ضمن الجيش؟ لا بد من مناقشة هذه المسألة. كما يجب التوقف على كيفية إلغاء نظام حماة القرى، وحل هذه القضية بشكل جذري. إن البعد الأمني هذا والدفاع الذاتي للشعب مهم بأهمية الخبز والماء والهواء. بحيث لا يمكن العيش بدونه.

6 – البعد الدبلوماسي: ويتناول هذا البعد علاقات الأكراد مع الشعوب والمجتمعات الأخرى. سيتم تكوين العلاقات مع البلدان المجاورة والمحيطة والأكراد في الأجزاء الأخرى أيضاً. فما هو مستوى العلاقات التي نريد تكوينها مع المجتمعات الأخرى، وكيف يجب أن نعيش معها؟ كل هذه النقاط سيتم التوقف عليها من خلال هذا البعد. يمكنني القول بأن هذه الأبعاد كافية. ويجب أن يتم تحديد لجنة أو عدة لجان لكل واحدة من هذه الأبعاد وذلك لأجل العمل على البحث فيها ودراستها بالشكل المطلوب.               

يجب معرفة أن الإدارة الذاتية الديمقراطية والدستور الديموقراطي هما أمران مختلفة. فـBDP هو الذي يعمل من أجل دستور ديمقراطي في عموم تركيا ويلتقي لهذه الغاية مع كل منظمات المجتمع المدني في كل تركيا، لذا يتوجب على BDP أن يكون صاحب نشاط مكثف بشأن الدستور الديموقراطي. يجب أن يكون لهم مشروع يقدمونه بهذا الشأن أما بشأن كل من KCK وPKK فهما سيحددان مكانهما ضمن نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية. سيناقش ويقرر الأكراد و KCD و BDP الحياة التي يرغبون بها. سيناقشون هذه الأمور ليلاً نهاراً.

فمؤسسات الإدارة الذاتية الديمقراطية شاملة ويجب إجراء نقاشات عميقة في كافة المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية والقانونية والأمنية والدبلوماسية. كما يجب تكوين أرضية هذه النقاشات في الأكاديميات، ليقوم الشعب باتخاذ قراراته بشأن تحليلاته وحلوله في مجالسه. أقولها على سبيل المثال. فمثلاً يمكن تكوين وحدات إلى جانب التنظيمات الكثيفة كاتحاد المهنيين الديمقراطيين واتحاد الفنانين الديمقراطيين واتحاد الرياضيين الديمقراطيين، فلتتكون اتحادات ديمقراطية عديدة على هذا النحو، على أن تجد هذه الإتحادات تمثيلها في مجالس المدن، فكما قلت في الأسبوع الماضي إن الإدارة الذاتية الديمقراطية مع الأمة بمثابة الروح والجسد. فإذا كانت الأمة الديمقراطية روحاً فإن الإدارة الذاتية الديمقراطية هي الجسد. أي إذا كانت الإدارة الذاتية الديمقراطية هي الجسد فإن الأمة الديمقراطية هي الروح، إنهما يكملان بعضهما البعض على هذا النحو ولا ينفصلان، وكذلك هي علاقة الروح والجسد، فلا يمكن أن يكون هناك روح بلا جسد ولا جسد بلا روح. وإذا لم تكن هناك أمة ديمقراطية فلن تكون هناك إدارة ذاتية ديمقراطية، وإذا لم تكن هناك إدارة ذاتية ديمقراطية لن تكون هناك أمة ديمقراطية. كما يجب عدم التشبث بمسألة العَلَم.

مشروع الإدارة الذاتية الديموقراطي التي نطرحها لا تعتمد على الأثنية ولا الحدود الجغرافية، ففي مفهومنا للإدارة الذاتية الديمقراطية ليس هناك مفهوم أثنية واحدة ولا مفهوم جغرافي واحد، وقد تطرقت إلى هذه المواضيع بالتفصيل في مرافعتي المسماة "سوسيولوجيا الحرية"، ويمكن الاستفادة منها بقراءتها والتدقيق فيها. مفهومنا ليس مفهوم الكردياتية.  لا نتحرك حسب ذلك المفهوم الذي يأخذ الكردياتية فقط أساساً له. فنموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية الذي نطرحه لا يعتمد على الكردياتية ولا التركياتية ولا العروبة ( العربية) وحدها، بل نموذجنا يعتمد على الديمقراطية تماماً. فمثلاً يمكن إنشاء إدارة ذاتية ديمقراطية في "هاتاي"(الاسكندرونة) أو أضنه. يمكن للعرب هناك أن يعبروا عن ذاتهم على الأغلب. كما أن مفهومنا للإدارة الذاتية الديمقراطية لا يعتمد على معتقد واحد، بل يعتمد على الشعوب. بل حتى أن تعبيري بالشعوب لوحده أيضاً غير كافي أو يبقى ناقصاً. وهذا لكون الديمقراطية الذاتية تعتمد على الطبقات والشرائح والقطاعات والفئات الاجتماعية المختلفة. الإدارة الذاتية الديمقراطية التي نتحدث عنها ليست متعلقة بكردستان فقط، بل تتعلق بـ "إيجه" و "البجر الأسود" و "ووسط الأناضول" أيضاً، فالأمر المهم هنا هو محاسبة وتجاوز مفهوم الدولة القومية الذي ظهر مع الحداثة الرأسمالية. ويجب أن تتطور النقاشات حول هذا الأمر. فنحن نحاسب تجربة الدولة القومية الظاهرة مع الحداثة الرأسمالية منذ أربعة قرون. نحن مرغمون على رؤية الحقيقة القائمة على أن نموذج الدولة القومية ضيق وغير كافي للشعوب والطبقات والشرائح والقطاعات الاجتماعية. علماً بأنه حتى أوروبا بدأت بنقاش وتجاوز هذه المواضيع، فقد بات من الضروري تجاوز المفهوم الرأسمالي الذي يجعل من الدولة القومية محوراً، حيث هناك نظرية "القفص الحديدي" للعالم الاجتماعي "ويبر" الذي أؤيده، فحسب هذه النظرية تأخذ الدولة القومية المجتمعات من عنقها إلى القفص وتجعلها أسيرة، أي يتم أسر المجتمع داخل هذا القفص، ويمكن تفسير التخريبات التي تُلحقها الدولة القومية بالمجتمع بهذه النظرية، وهذا القفص الذي أنشأته الدولة القومية ضيق على المجتمع، وما نحاول القيام به هو إزالة تخريبات الدولة القومية هذه.

 مفهوم الدولة القومية الراهن في تركيا يشكل مصدراً للقضايا أكثر من حلها. فهذا النظام يتعارض مع واقع المجتمع في تركيا والشرق الأوسط، لذا لا بد من أن يتم اجتيازه. فتركيا بحالها الراهنة عاجزة عن أن تكون جواباً لأية شريحة. فمفهوم الدولة القومية السائد في تركيا بدأ يتعرض للنحت من كافة الجوانب. بدأت مرحلة كهذه في تركيا. أي أن كل شريحة أو فئة بدأت تحاول نحت هذه الدولة القومية من جانب. ربما أن المهمة التي تقع على عاتقنا نحن الأكراد هنا هو أن نكون طليعة في هذه المواضيع. إننا لا نحد أو نحصر مشروع الإدارة الذاتية بذاتنا فقط، ولا نعتمدها من أجل الأثنية الكردية فقط، فربما الأكراد يقودون هذا الأمر في يومنا ولكن مفهوم الإدارة الذاتية الديمقراطية مشروع يشمل تركيا بكاملها. ما يجب رؤيته هنا هو أنه لا يمكن إدارة تركيا بمفهوم الدولة القومية, لذا فإن الإدارة الذاتية الديمقراطية هو الخيار الأصح الذي يمكن تطبيقه في مواجهة الدولة القومية. ليس من أجل الأكراد فقط ، بل هو خيار يمكن تطبيقه في كل مكان، في تركيا وفي الشرق الأوسط. الأمر المهم في الإدارة الديمقراطية الذاتية هو إرادة المجتمع الإدارية أو إرادة المجتمع في الإدارة. يقوم المجتمع بتطوير إدارته الذاتية عبر استيلاءه و أخذه لصلاحيات معينة من الدولة. وما يتبقى لدى الدولة من صلاحيات، ستكون صلاحيات المحدودة. سيدير المجتمع ذاته بصلاحياته وذلك من خلال تحجيمه للدولة المركزية( حد وإعاقة الدولة القومية ). فالأمر المهم هو تحجيم الدولة والحد من سلطاتها. وأنا أسمي ذلك بتسليم صلاحيات الدولة المركزية إلى المجتمع. هنا لا أقول فقط الشعب، بل أقول المجتمع.

كما أسلفت، الأكراد لا يقومون بطليعة هذا الأمر في تركيا فقط. وكما بينت بأن هذا المشروع ليس محدوداً بتركيا فقط.بل هو مشروع يمكن تطبيقه وتطويره من أجل العراق والشرق الأوسط أيضاً. ستغذي التطورات بعضها البعض، كما أن ستتطور بخبر وعلم بعضها الآخر. أنا لا أقول بأننا سنزيل الدولة القومية فوراً ولكننا لن نستطيع قبول الدولة القومية كما هي أيضاً. فربما لا يمكن تجاوز الدولة القومية فوراً. ونحن ندرك ذلك جيداً. إلا إننا لن نكتفي بالدولة القومية. كما ليست لدينا النية في إدارة الدولة القومية أيضاً .

ما يجري محاولة خلقه في تركيا هو إنشاء قومية واحدة. الهوية التركية ( التركياتية) هي الهوية القومية التي أُريِدَ خَلقُهَا على مدى تاريخ الجمهورية.  حتى أنني كنت قد عرَّفتُ ذلك في السابق بـ"الإيديولوجية التركياتية الغير تركية". هنا يجب أن لا يُفهم بشكل خاطئ، وقد بينت هذا الأمر سابقاً أيضاً بأنني لا أعادي اليهودية ولا أقف ضد الساميتية ( السامية). ولكنني كحقيقة تاريخية مرغم على تبيان بأن اليهود لعبوا الدور في خلق "الإيديولوجية التركياتية الغير تركية"، وأنني كنت قد أسميت ذلك سابقاً بـ " صهيونية الأناضول". فقد قام اليهود بإنشاء الدولة القومية في تركيا من خلال تطوير الإيديولوجية التركياتية هذه. فهذه الإيديولوجية موجودة في أساس الدولة القومية في تركيا .

يعبر هذا المفهوم التركياتي الفاشي عن نفسه في "الاتحاد والترقي". بحيث يعمل تحت اسم إنشاء قومية واحدة على تحويل جميع اللغات والثقافات والهويات والمعتقدات المختلفة إلى نمط واحد، أي تجري المحاولات من أجل خلق نمط واحد من جميع اللغات والثقافات والهويات والمعتقدات المختلفة. حتى أن فاشية الاتحاد والترقي هذه أصبحت أباً فكرياً لفاشية "هتلر"، ومنحتها الجرأة. أننا نؤكد على هذا الظلم التاريخي لدى الحديث عن الإدارة الذاتية. ويمكن التعبير عن هذا الظلم القائم بحق الشعب الكردي كالتالي " أنتم موجودون في تأسيس الجمهورية ولكنكم غير موجودون ضمنها أو لستم بداخلها". يجب على الإدارة الذاتية الديمقراطية التي سيتم الإعلان عنها تقديم وتطوير نقدٍ على تاريخ الجمهورية التركية هذا. بل حتى يمكن نقل أو تبيان مايلي لهم باسمي:" يجب أن يكون الإعلان عن الإدارة الذاتية الديمقراطية بمثابة تحديث لـ 1919- 1922 . تعلمون بأن مصطفى كمال في تلك السنوات، ينضم إلى المؤتمر القائم في "أرضروم" كعضو عن بتدليس بدلاً من عضو بتدليس الذي أسقطت عضويته، أي ينضم كعضو كردي إلى مؤتمر "أرضروم". إننا نريد تحديث هذا التاريخ. لماذا أقول بأنه يتوجب تحديثه؟ لأنه توجد جذور تاريخية للإدارة الذاتية الديمقراطية فيما بين هذه السنوات. كما يجب فهم الانكسار والاستفزاز والتآمر والعطب الذي أصاب العلاقات في عام 1925 أيضاً .

سيكسب الأكراد مع الإدارة الذاتية الديمقراطية على حقوقهم التاريخية كقوم أو أمة، كما ستحصل الأقليات والهويات الأخرى أيضاً على حقوقها أيضاً. فالأكراد هم الشريحة الاجتماعية الأكثر استعداداً والأقرب للإدارة الذاتية الديمقراطية بحكم موضعهم الاجتماعي والسياسي والثقافي. كما يمكن للأكراد من خلال خصوصياتهم هذه القيام بدور الريادة والطليعة بشأن الإدارة الذاتية الديمقراطية وديمقراطية تركيا. ستنتشر إدارة الأكراد الذاتية الديمقراطية خطوة بخطوة في سائر أرجاء تركيا. فالإدارية الذاتية الديمقراطية ليست مشروعاً يخص الأكراد فقط.  وفي الحقيقة هذا هو الأمر الذي كان "باشبوغ"(رئيس الأركان السابق) يخافه ويراه خطراً!.

في حال عدم تطور الحل سيظهر "وضع السلطة الثنائية" في كردستان. سيكون هناك سلطة KCK من جانب، وسلطة الدولة من الجانب الآخر. ستسير الأمور بهذا الشكل. سيعلنون الاستقلال كما حدث في كوسوفو وشمال قبرص تماماً. هذا وتقطع العلاقات مع الدولة، بحيث لن يأملوا وينتظروا منها شيئاً. لا توجد في الإدارة الذاتية الديمقراطية معاداة الدولة. يجب على الأكراد أن يقوموا بتطوير تنظيمهم المجتمعي دون الحاجة إلى الدولة ابتداءً من الساحة الأمنية وصولاً إلى ساحة الرياضة. أي عليهم أن يحققوا تنظيماتهم ومنظماتهم الثقافية الاقتصادية والاجتماعية.عليهم تأمين وتنظيم أمنهم الداخلي. عليهم أن لا ينتظروا موافقة الدولة من أجل تحقيق هذه الأمور.