تأثيرات الحداثة الرأسمالية على الفرد(1) " الحياة الخاطئة لا تعاش بصواب"

15 آگوس 2019 پنج ش

إن ما يتم تحليله ليس الفرد بل المجتمع، وليس الآن بل التاريخ."و الاستبدادية تعني تجميد أو إيقاف تاريخ شعبٍ وإحياء تاريخ شعبٍ آخر"


علي حيدر قيتان

من إحدى الجوانب الفائقة الأهمية، التي تركت دمغتها على تاريخ نضال شعبنا بريادة PKK هي التحليلات الشخصية التي طورتها القيادة. فقد كان يتم تناول النتائج التنظيمية والتكتيكية الظاهرة للوسط بعد كل فترة ممارسة عملية معاشة، على أساس التحليل الشخصي من قبل القيادة. وإن تطوير هذه التحليلات لم يكن فقط وفق الأسس الطبقية، القومية أو المحلية، بل كان يتم تعميقها وتطويرها والوصول إلى الخصائص الاجتماعية والتاريخية لها. وضعت هذه التحليلات الصلة فيما بين التاريخ الماضي والحوادث المتحققة في اللحظة والحاضر أو لنقل التاريخ المضارع بشكل موثوق. هذا الطراز العائد للقيادة، أصبح فيما بعد طراز ونهج أساسي يستند عليه الحزب (PKK) كأساس في تقرباته وتعامله مع المسائل. تم تصوير هذا الطراز من جانب القائد آبو بالمعادلة التالية: " إن ما يتم تحليله ليس الفرد بل المجتمع، وليس الآن بل التاريخ."

إلى جانب المعادلة المبينة في الأعلى، قدم القائد بحثاً تمحور حول إيجاد الجواب لسؤال " كيف يجب أن نعيش " وحاول إيصال هذا السؤال أيضاً للجواب الصحيح وذلك عبر التحليلات التي كان يطورها.  يعني إن PKK، وصل إلى الآلية التي تمثل محفل للالتقاء فيما بين المجتمع والتاريخ، من خلال لحظة وقوع الظاهرة والفرد أو الأفراد المتواجدين ضمن هذه اللحظة. وما هذا إلا تعبير عن إنه لم يتم تناول اللحظة أو الفرد بشكل منقطع عن الحقيقة الاجتماعية في أي وقت من الأوقات. وللبحث عن هذه الحقيقة قام القائد آبو بتسيير الطراز القائم على أساس الإيصال بـ PKK إلى حالة فردٍ، يعني (PKK = الفرد و الفرد = PKK ).

لم تٌأخذ وجهة النظر هذه كأساس في تحليل الظواهر، الحوادث أو الأشخاص فقط، بل تم تبنيها كأسلوب في تناول الأنظمة والمجتمعات أيضاً. والإجابة لم تكن على شكل تقييمات أو انتقادات بل تم وضع الشخصية البديلة اللازمة لكل شخصية يتم تناولها، وتبيان حياتها وضرورة التحول المجتمعي فيها وتحويل حياتها إلى حياة مجتمعية بشكل جلي وواضح. وعلى أساسه تم وضع الخصائص الواجب توافرها في كل عضو حزبي، بخطوط واضحة من حيث وقفته الروحية، الأخلاقية والإيمانية، التراكم الإيديولوجي والثقافي داخل الحياة في المجال السياسي أو التنظيمي أو كيفية التعامل مع الشعب والممارسة النضالية. باختصار، بدأ ببناء النظام المجتمعي الجديد من الفرد، في حين نقَدَ النظام الواجب اجتيازه، ومارس النضال ضده على كافة المستويات. في الحقيقة إن الصلة المتينة التي لا يمكن بترها فيما بين الفرد- المجتمع، الفرد- التاريخ قد أوصلا القائد آبو وحزبنا حزب العمال الكردستاني قبل الآن بكثير، إلى الحقيقة الكامنة في عنوان هذا الموضوع والمعدل على الشكل التالي " الحياة الخاطئة لا تعاش بصواب" من قبل أدورنو.

 بالطبع لم يكن من الممكن ظهور طراز حياة صائبة صحيحة وسليمة من مفهوم الحياة الرجعية المرسخة والموطدة من خلال العمالة والخيانة الإقطاعية والاستبدادية الجنونية المستندة على إنكار الهوية والإبادة العرقية الثقافية. ولم يكن من الممكن تأسيس مجتمع حر من خلال الشخصيات التي خلقها النظام العبودي. من الطبيعي، أن الولوج إلى طريق الحياة الجديدة يتم عبر فلسفة الحياة الصائبة، لذلك فإن تقرب القيادة الأساسي كان السعي لتجسيد وترسيخ هذه الحياة ضمن الحزب خاصةً والمجتمع عامة. وبالتالي، بدت الإجابة على سؤال " كيف يجب أن نعيش " حاجة لا بد منها ضمن PKK.  

يعد تبيان فلسفة الحياة وقواعدها ضرورة أولية في تأسيس نظام مجتمعي جديد. يعتبر تكوين القيم التي تعطي المعنى لحياة الإنسان، وتطوير العلاقة الاجتماعية بين الناس بحسب هذه القيم، من المهام الأساسية للأنظمة الطليعية. يعني من الضروري تثبيت موقعها ضمن الحياة الاجتماعية أولاً. وبالطبع فإن ضرورة كهذه، تفرض خيارين إما الحصول على وعي مجتمع وتاريخ صحيح موجود أو خلق وعي تاريخي- اجتماعي بحسب الذات.

منبع ما نسميه اليوم الحداثة الرأسمالية، هو تاريخ خمس آلاف عام للمجتمع الدولتي- الطبقي. وعمل هذا النظام ( الحداثة الرأسمالية)  الذي استفاد من جميع الوسائل الاستبدادية والاستثمارية لمجمل تاريخ هذا المجتمع السلطوي، لإخراج الإنسانية من جوهرها على توليف وتعيير هذه الوسائل لتواكب اليوم. ووضعت أمامها أولاً وقبل كل شيء مهمة خلق وعي تاريخي بحيث ينسجم مع مصالحها، لتضفي المشروعية على إلحادها و نظامها الملحد. هذا الوعي الآخذ شكلاً أكثر احترافاً آتٍ من الرهبان (معماري الزيكورات السومريين الأوائل) حتى يومنا هذا. فهي تستخدم كافة التطورات العلمية والتكنيكية الراهنة تحت خدمة الاستبداد أو النظام الاستثماري المشرع للاستبداد.

بالأصل، عبر الثوري القائد أميلكار كابريال (Amilcar Cabral) في تعريفه للاستبدادية " الاستبدادية تعني تجميد أو إيقاف تاريخ شعبٍ وإحياء تاريخ شعبٍ آخر" عن هذا الوضع. وهذا التعريف بحد ذاته، يمثل الشخصية الأساسية للحداثة الرأسمالية أو لكافة الأنظمة الحاكمة. تسعى الحداثة الرأسمالية التي تمثل الحلقة الأخيرة لنظام المجتمع الدولتي جاهدةً اليوم لأجل تعييش الإنسانية هذا الواقع، إلى مسح  ذاكرة التاريخ الإنساني من جذوره. لأجله، تجهد الليبرالية الرأسمالية إلى إثبات ديمومتها وأبديتها في الحين الذي يعلن فيه إيديولوجية الحداثة، نهاية الإيديولوجيات. إلا أن التاريخ شاهد عيان، على كيفية إلقاء العديد من الأنظمة الحاكمة التي أعلنت ذاتها على أنها أبدية، خلال أمد لا يناهز عدة مئات من السنين على الأغلب، في متحف الآثار القديمة. والحقيقة، هي إن القوى الساعية لكتابة " أمر " موت الإنسانية بإعلانها لنهاية الإيديولوجيات، ما هي إلا تتألب لتأخير ميعاد موتها. و من جانب آخر، تبين العالم الصناعي الصاخب الذي خلقته بكافة قواها الاقتصادية، السياسية والعسكرية ووسائل الاتصال المتوفرة في يدها كدليل على صيرورة ومشروعية نظامها.

بالطبع، تضع نسبة فائقة من الإنسانية تحت تأثيرها بهذا التبيان. وتسعى لإيصال هذا التأثير بواسطة الفن، الإعلام، العلم، الجنس، الرياضة، السياسة، الجامعات، مراكز اللهو، وسائل العنف والعديد من الأساليب والطرق الأخرى، إلى حالة شخصية متجسدة لها. أصبح اليوم ما نسميه بـ " البيو سلطة" الهدف الأساسي للحداثة لتحقق طرازها الحاكم والمتسلط المستنفذ أو المتسرب إلى كافة مجالات حياة الإنسان، حتى وصل بها الأمر إلى حد وضع ظاهرة موت الإنسان تحت الرقابة أيضاً. بالتأكيد إن الحداثة لا تبقى محدودة بهذه الممارسات، بل تريد خلق مجتمع بلا أخلاق تُعرض فيه كافة القيم والمبادئ التي لا يمكن لمسها للبيع أو للمزاد و تحول كل القطع التي لا يمكن تجزئتها ضمن حياة الإنسان إلى سلعة مسوقة. إذ أننا نعلم بأن اللاأخلاقية تعني تأمين ترسيخ العبودية وتعتيم لأفق الحرية الإنسانية وإحياء الأنانية والفردية بشكل شنيع بعيد عن الكرامة. فإقدام الإنسان على ممارسة كافة الأساليب الغير أخلاقية وبيع قيمه مقابل الحفاظ على حياته البيولوجية إلا برهان على إبراز الغرائز مقدمة الأمور وتحريضها كغريزة الجوع والجنس التي وصلت إلى حالة لا يمكن إيقافها وإشباعها بتاتاً.

وإن تم الانتباه، فإننا نرى بأن أكثر الهجمات المتعمدة والمدقعة للحداثة هي الهجمات التي تتم على أساس الجوع والجنس، إذ أن الغريزة الفاجعة الزائدة عن حدها تجعل هذا النظام اللاإنساني كميزة أساسية للإنسان. فالسياسة هي إنشاء حياة الإنسان فقط وفقط استناداً على الجنسانية وذلك بتناول الحرية وتحريض الغرائز الجنسية معاً في نفس الكفة.  ويتم تناول الديمقراطية على الشاكلة التي تسفسط فيها الفردانية والأنانية البعيدة عن المجتمعية ذاتها. وتفيد الفلسفة والأقاويل الآتية " كل غنمه تُعلق برجلها" و" سائق أو رائد السفينة هو القبطان"، "أتركوهم ليفعلوا، أتركوهم ليجتازوا" عن هذه السياسة التي تبغي ترسيخ الليبرالية ضمن أصغر خلية من خلايا المجتمع. هذا و تعمل (في عصر الإمبراطوريات التي لن تتغير) عن طريق نوع جديد من القدرية مع الاستناد على العلم، على تجريد الإنسان من رأسه حتى أخمص قدميه من إنسانيته وإبقاء رؤاه بعيدة عن عين القلب.  يعني إنه يتم في الأساس الاعتماد على مجالات الوعي والمعرفة لإخضاع وتذليل الإنسان، أكثر مما كانت عليه قبلاً في استخدام وسائل العنف والضغط والتعذيب الفيزيائي لتربية الإنسان. تريد إدخال الإنسان تحت خدمة النظام كقطيع من الآليين بتحويله إلى حيوان. علاوة على إنها تبين كل ما تريده وكأنه سمواً وعلواً بالنسبة للإنسانية، وتدعو البنية الأساسية للمجتمعية التي تأتي الأخلاق في مقدمتها، بأنها رجعية. تعمل الحداثة التي تود بالابتداء من الغرب التحكم في العالم بأسره، ومحاولة إقناع الجميع، تقييمها لقتل ما يناهز المليون إنسان نتيجة التدخل الأمريكي في العراق مؤخراً على أنها " سفر المدنية ضد البدائيات ( التخلف) " وهو علو وسمو للتطور. ولأجله تستخدم الرأسمالية المتعولمة كافة المحافل الفنية والإعلامية وسيلةً لتضمن تحقيق مآربها هذه. فهي تفرض حكمها بنشر النهليستية كعقيدة جديدة على المجتمع في الأساس. فالحياة الطبيعية بما فيها حياة الإنسان وصلت إلى نقطة الانقراض والنهاية في ظروف الحداثة، التي حولت دنيانا إلى مزبلة من خلال ثقافتها الاستهلاكية.

والأهم من ذلك هو، عدم تركها لأي جانب من المرأة إلا وساقته كسلعة للبيع في الأسواق. وتعمل بتناول ثقافة الآلهة الأم ومقدساتها كمتع شهوانية لتحولها إلى مادة ربح لا مثيل لها. وبشكل عام أصبحت عملية " التحويل إلى زوجة " المبتدئة في شخصية المرأة لتشمل كافة أفراد المجتمع ضمن مضمارها. هذه السياسة التي تمارسها الفاشية لتضمن طاعة المجتمع لها، وما تشبيه هتلر المجتمع بالزوجة إلا مثال على هذه الحقيقة.