تأثيرات الحداثة الرأسمالية على الفرد(2) " الحياة الخاطئة لا تعاش بصواب"

15 آگوس 2019 پنج ش

إن الماضي والتاريخ يبين اليوم والمستقبل،"خلق الإمكانيات من العدم، أو خلق الممكن من المستحيل،" ما يتطلب من الفلاسفة هو تغيير الدنيا، إلا إن الفلاسفة يكتفون بتقييم وتحليل الدنيا فقط


علي حيدر قيتان

وكأن عالمنا اليوم يعيش أيام المحشر ( القيامة) الذي يتم التحدث عنه في الكتب السماوية المقدسة. تنتظر القيامة القائمة في شخصية الحداثة والتي تستند على أحصنتها الثلاثة المخلوعة اللجام عنها والمتمثلة في الجوع، المرض والحرب. ومن ناحية أخرى، تذكرنا الظروف الراهنة بزمان خروج بعض الأنبياء في التاريخ. وبمعنى آخر تشبه اللحظات التي قال فيها الإله للوط " أترك هذه المدينة أللأخلاقية، وخذ معك المؤمنين بك ولا تنظر إلى خلفك " لأن الذين ينظرون إلى الخلف والذين لا يؤمنون سيصبحون رماداً.  وها نحن نشهد نفس اللحظات التي أعطى فيه الإله هذا الأمر. والأمر " لا تنظر إلى الوراء" يعني " أقطع جميع صلاتك ". ويعني فيما يعنيه " لا تأمل أي شيء من تلك المدينة، وذلك المجتمع المبتعد عن أصله، لأنه يقال في حال وجود أي أمل منها، ستعيش تقاليدها حتى ولو تخلصت منها". إذ إن وضع البعض من الذين آمنوا في التاريخ واستقلوا الطريق من أجل دنيا أفضل يشبه وضع زوجة لوط. فقد تحولت إلى صخرة من الملح لأنها نظرت إلى الوراء.  فالليبرالية التي نتناول وجهة نظرها الآن تعكس لنا أو لحظة النظر والالتفات للوراء. فالنظر إليها، يعني تجميد ما تتأمل الذات من ذاتها أو تعمل على إشراك الذات لقدرها هي. وما قدر التيارات والحركات التي تحولت إلى مذاهب للحداثة يشبه ذلك الآن. وواضح جداً بأن الحداثة خلقت انحرافات جدية في الإنسان الذي غدا غريب عن ذاته ليصبح كالعبوة المليئة بالطعام والجنسية. فلسنا غريبين بمعنى آخر عن موضوع استخدامها لكافة أنواع الصناعة لأجل خلق إنسان بلا روح.

علينا تناول كل من الدينية، القومية، الجنسانية، العلمية، ضمن هذا الموضوع، كل على حدا وتحت عناوين متباينة. والموضوع الخاص الذي يتطلب البحث فيه، هو الجانب التاريخي والاجتماعي لإنسان وساحة الشرق الأوسط التي حققت مقاومة لم يرى لها مثيل أبداً حتى يومنا هذا، ضد كافة أنواع الهجمات التي طورتها الحداثة. لعبت هذه الجغرافية التي يعتبر مركزها الهلال الذهبي منذ العصر النيوليتي حتى يومنا هذا، دور المركز الأول الذي خلق بدايات التطور ( بوادر التطور). إلا أنها تخلت من بعد القرن الثاني عشر الميلادي عن دورها الريادي ذاك، ولكنها قاومت في الوقت ذاته، ضد التطورات الخارجية والتسليم لها. خرجت جميع الظواهر الروحانية والإلهية العظيمة في هذه الجغرافية، وخُلقت فيها أكبر ملاحم المقاومة في طريقها للبحث عن جوهر الإنسان، من غير أن تبين أي علامة ندم على ذلك. لم يتراجع مثقفو وفنانو هذه الجغرافية من أمثال سلطان عبدال القائل: لو قتلوا من أدعى فيكم ملكاً، فأنا أيضاً سأغادر هذا العلياء ذاهباً إلى الملك " أبداً عن إعطاء رؤوسهم بدلاً من أجل معتقداتهم.

يعني القائد آبو بقوله: " إن الماضي والتاريخ يبين اليوم والمستقبل" في الأصل قوله" تعلموا، أنْهَلوا من معارفها ولا تنسوا أبداً، ما تم عيشه ضمن هذه الجغرافية." يعبر القائد من خلال هذه الجمل بأن الشيء الأساسي والبارز هو الإيمان بالحرية والإصرار في السير على طريق الحرية، أما سلاطين اليوم فما هي إلا مؤقتة كما كانت عليه في غابر الزمان. إذ أنه يتناول حياته أيضاً ضمن هذا المضمار. يعبر القائد من خلال مرافعاته الأخيرة إنه أنقطع وتخلص من الحداثة الرأسمالية، من دون الالتفات إلى الوراء كما فعل لوطا تماماً. فهو تقرب قياديٌ بالطبع. أسس القائد قوالب ذهنيته بالعلم، الإيمان والأخلاق. وبين على أساس هذه الذهنية الخط الإيديولوجي والتنظيمي  والعملياتي لسياسته. هنا يوجد المفهوم التالي: "خلق الإمكانيات من العدم، أو خلق الممكن من المستحيل." لذلك تعمل الحداثة لكسر الذهنية المستندة إلى الحرية، وممارسة كافة أساليب المؤامرات وأنواعها ضد القائد آبو، الذي ما زال يقاوم لأجل إنشاء مجتمع جديد بالرغم منها. ويصرخ القائد في مقابل ذلك من الصميم تماماً مثل الحلاج منصور أو كاردونو برونو (Giardono Bruno) ككتلة من الإيمان، بأن تبني الكلمة يعني تبني الإنسانية للحرية. وبنفس الشكل ينادي المؤمنين والواثقين بذاتهم مثل لوطا إلى ترك المدينة التي تُعد مركز الحداثة من دون الالتفات والنظر للوراء، لبناء حياة جديدة على ذرى جبال الحرية. "الترك يعني الانقطاع" و "الانقطاع يعني عدم التأمل والانتظار من المنقطع منه". يتطلب هذا الطراز عدم التصرف مثل زوجة لوطا في الملحمة، ويتطلب رد أللأخلاقية، اللهو، العربدة وكافة أنواع اللاوجدانية وعدمية الضمير، ويتطلب ترك الازدواجية القائلة: " سأستمع إلى كلام الإله، وسأعيّش ذاتي أيضاً في نفس الوقت". لذلك يجب على كل مدعي مؤمن وواثق من ذاته أخذ هذه المتطلبات بعين الاعتبار.

لنتحدث على سبيل المثال عن ساحات الممارسة الثلاث الفن، الرياضة والجنس الأساسية بالنسبة للحداثة. هذه الساحات الثلاث التي تحولت إلى وسائل لإدمان الإنسانية. جميعنا نعرف ما الذي يمثله مساندي ومشجعي كرة القدم. ما تريده الحداثة بالأصل هو تحويل الإنسانية جمعاء إلى مشجعين و رِواقين فانين. إذ أصبحت الرياضة وفي مقدمتها كرة القدم الوسيلة الأساسية لإحياء سياسة النظام السلطوي، ومركزاً للربح كصناعة واسعة. أخرجت بذلك الرياضة من كونها وسيلة لتدريب الحياة الصحية. لا يمكن أن نتناول الرياضة مثلما تتناوله الحداثة. لقد فعل الاتحاد السوفيتي ذلك. وأنشأت رياضيين قيمين بحيث أصبح اليوم لكل واحد منهم حياة خاصة خارج المجتمع. وبهذه الطريقة خرجت الرياضة والقسم الكبير من الرياضيين من كونهم جزء من المجتمع الديمقراطي، ليصلوا إلى حالة يصبحوا فيها جزء مهم للمجتمع الدولتي. وإن ما عاشه النظام الداعي بأنه اشتراكي هو النتيجة ذاتها.

من ناحية أخرى، يتم تقييم الفن على إنه خلق الحياة من جديد بواسطة الرموز. لأن الفن والثقافة هما نشاط ميتافيزيقي، يعني انعكاس الروح إلى الخارج عن طريق الرموز وما شابه ذلك. يقال بأن الفنان هو وجدان وضمير المجتمع. والمقصود هنا بالمجتمع هو الأغلبية الباقية خارج إطار الدولة، يعني المجتمع المُستعبد والباحث عن الحرية. ولهذا أصبح الفنانون والمثقفون المصدر والمنبع لمرحلة النهضة التي قطعت أشواطاً مهمة بطليعتهم. يعني ساحة إبداع الفنانين هي اجتماعية تماماً. صحيح إن الإبداع هو خاص بفرد ما، إلا إن لهذا الإبداع مخطط خلفي وامتداد اجتماعي تاريخي أيضاَ.  مثال على ذلك إن قول بير سلطان عبدال " يجب هدم وإسقاط عرش الدولة بتاجها في مدينة استنبول " يعبر عن المجتمعية. وما نصيبه سوى الألم فقط من هذا التعبير. فعندما أدلى بكلامه الذي عبر عن وجدان المجتمع، كان يعرف بأن الإعدام ينتظره ولا شيء آخر، إلا أنه لم يتراجع رغم ذلك عن القول " لنذهب إلى الملك". لذلك يعتبر الفن إحدى الطرق الأساسية لتوعية المجتمع من أجل الوصول إلى هدف ما. فالفن كإبداع يخاطب روح الإنسان. وهو عرف وتقليد اجتماعي.  

فعندما تعمل الحداثة على قلب الفن رأساً على عقب، يصبح الفن كالسلعة التي تباع في الأسواق بتناوله على أساس صناعة الفن ليصل إلى حالة وسيلة سياسية تخرج المجتمع من كينونته. ولهذا فإنها تخلق في كل يوم، أعداد لا تحصى من الأصنام. إذ يعتبر ميشال جاكسون (Michael Jackson  ) أو مادونا ( Madonna)  والكثير من أمثالهم سياسيين أكثر من ما هم فنانين. سواء  كانوا على علم بذلك، أو لم يكونوا. بحيث تصبح الأماكن التي يغنون فيها ساحة يذهب إليها عشرات الآلاف من الشباب والشابات للترويح عن ذاتهم. بحيث يتم فيها تقديم وعرض جنسية المرأة بشكل جدي للبيع. يصبح الفن بهذا الشكل أسلوباً لدمامة ( قبح) روح الإنسان وتغريبه عن ذاته، بدلاً من كونه أسلوباً لتنمية وتجميل روح الإنسان. هذا ويتم إبعاد الفن وقطعه من المجتمعية، بتقديمه كإبداع شخصي. فيصبح الفنان ملك للدولة، ليبتعد من كونه منبع للمجتمع. بحيث يعمل الفنان كإنسان على استهلاك ذاته والمجتمع الذي يقدم  فيه فنه. لنتناول ونقيّم البير سلطان عبدال وفناني ستار (موسيقى البوب) السلاطين، فإننا نرى الأول سائر للحرية أما الآخر فسائر للحداثة. تشير لنا الأعراف الاجتماعية إلى فن البير سلطان عبدال أما الحداثة فتشير إلى فن البوب. ففنانونا الذين نحسبهم على إنهم اجتماعيين ينظرون إلى الخلف، كما فعلت زوجة لوطا. ويقول أغلبيتهم فيما بين أنفسهم " عجباً، هل بقيت ساحة في الوراء نستطيع فيها العيش كما نريد؟ " يشير لنا هذا، إلى كونهم يعيشون تأملات من هذا القبيل. ويدل بالتالي على انحرافهم عن الحياة المجتمعية. يدعي هؤلاء بأن الفن هو ظاهرة فردية ولا علاقة لها بالسياسة. ويتم تناول الفن على أساس تأسيس مركز فقط، بحيث ينظر للنشاط الفني بعين مهنة تأسيس حياة خارجة عن إطار المجتمع. يجب علينا أن لا ننسى أبداً، الثمن الباهظ لتحقيق هذه الظروف التي يتم فيها الغناء باللغة الكردية. فإن هذا الشعب أعطى الآلاف من الشهداء وتألم كثيراً، وأُجبر على الهجرة الجماعية، وبقي بدون عمل، هُدم مسكنه وحُرِق قريته، بقي جائعا إلا أنه قاوم من أجل لغته وحملها كجزء من كرامته، وقال: " الكرامة هي كل شيء عندي"، ومن أجل حماية كرامته لم يتوان عن التضحية بروحه. وإن كان الفنان يعبر عن وجدان المجتمع، فإن فنان الشعب الكردي يجب أن يكون صاحب موقف ووقفة تشير على ذلك، و إلا فلا يمكن أن يكون له علاقة بالشعب أبداً. بالطبع، أننا نواجه الحداثة الرأسمالية، التي تعتمد إلى تحريض الفنان أولاً، لتحقق بذلك تحريض غرائز المجتمع من خلاله.

لذلك فإن تجسيد الضمير في الذات، هو عمل الوعي والمعرفة، وهو عمل الثقافة. ولكي يتم الوصول إلى شخصية وجدانية، يتطلب التمتع بوجهة نظر فلسفية أولاً، والتنظيم ثانياً، والإحساس من صميم القلب بنبضات المجتمع ومآسيه في كل لحظة ثالثاً. فإن لم يمتلك الفنان وبالأخص الفنان الكردي الأكثر حاجة للحرية لكل هذه الأمور، لا مآل له من الانحراف والدخول لطريق فناني ستار "فناني بوب".   

لذا يجب التعرف على الحقيقة التالية بأن المجتمع هو الذي يجعل الفنان فناناً. ويجب على الفنان الترجيح فيما بين المجتمع أو الحداثة التي تؤدي به إلى النهاية. فالخيار واضح تماماً، لذا يجب أن تكون النتيجة على أسس علمية وواعية. إن التقييم الآتي لاحقاً والمختار من تحليلات القائد أبو يضع لنا الإطار المطلوب لتكوين هذا الوعي بشكل لا مثيل له: " عدم النظر بشكل مجرد لعلاقة الفرد- المجتمع هام للغاية. ينمو الأفراد ضمن التاريخ، وينضمون لكافة البنى المتمأسسة في ساحات المجتمع المتعددة، المجسدة للأعراف واللغة والثقافة  إلى حد ما. ولكن ليس كما يتمنى ويبغي الفرد بل يظهر الانضمام بحسب أعراف وتقاليد المجتمع ومؤسساته  المثبتة والمحضرة بشكل دقيق، قبل ذلك بكثير. لذا يتطلب جهد تدريبي فائق لتحقيق مجتمعية الفرد. يصبح الفرد منسوب أو عضو ضمن المجتمع بعد أن يتبنى ويجسد  التاريخ الثقافي بأكمله في ذاته.  تتحقق المجتمعية عن طريق الجهد الدائم. كل عملية اجتماعية تعني في الوقت نفسه عملية المجتمعية ( التحول إلى مجتمع). ولأجله ليس كما يتمنى ويرغب الأفراد، بل لا مفر من إنشاء ذاتهم كما ترغب وتريد المجتمعات. وبما إن المجتمعات الهرمية والطبقية هي مجتمعات تمارس الضغط والاستغلال والتحكم، فلا شك في أن الفرد سيقاوم من أجل طلب الحرية بشكل دائم."

هنا المهم هو عدم تناول الفرد لذاته عند الوصول إلى معرفة كيفية تشكله، بشكل أعلى من المجتمع أو فوقه. وهذا هو مرض متفشي بين الأفراد وبالأخص الفنانين منهم. ومنبع هذا المرض هو الفردية والأنانية التي طورتها الحداثة في الفرد، ليرى ذاته متميزاً عن غيره أو مجتمعه. ويجب عدم النسيان بأنه لا يمكن للفرد أن يمثل الإرادة، ويطور أي شيء لوحده، في مثل هذا المجتمع الذي لم يبقَ فيه أي شيء لم يتجزأ. لا يمكن لأي أحد الادعاء " إرادتي، جهدي، عائد لي". توجد إرادتين أساسيتين في يومنا. يأخذ الأشخاص، الإبداعات والقيم  قوتها إما من المجتمع الحاكم الدولتي، أو  من قيم المجتمع الكومينالي الديمقراطي، المستند على الثورة النيوليتية. ولا يمكن لأحد التحدث خارج هاتين الحقيقتين عن الإرادة، والعكس سيكون خداع للذات. ولن يذهب هؤلاء أبعد من أن نقلوا الماء إلى طاحونة النظام الرأسمالي الذي أسس نظامه على أساس الخداع والرياء.

باختزال، فإن الفن بقدر ما هو اجتماعي، فإنه في نفس الوقت مسألة ترجيح، وطريق للذين وحدوا ذاتهم إلى آخر درجة مع القيم المتكونة. ويوجد فنانين قَيمين خلقوا ضمن نضال الحرية، مثل الشهيد صفقان، مزكين، سرحد، خليل أويسال، دليلا، ساريا والعديد من أمثالهم .... الذين وجدو الفن في نفس الوقت كساحة للنضال والثورية. فإن كان الفن هو ساحة خلق الحياة من جديد، حينها يجب على الفنان أن ينضم كثوري لهذا الخلق من جديد. لأنهم معلمي ومحترفي ذلك الإبداع والخلق. يخلقون الجديد. ويتطلب هذا النضال ضد القديم والمتعفن على كافة الأصعدة. فقد قال لينين: " ما يتطلب من الفلاسفة هو تغيير الدنيا، إلا إن الفلاسفة يكتفون بتقييم وتحليل الدنيا فقط". وهذا يعني أن لينين كان يضع ويضيف مهام جديدة على عاتق الفلاسفة. وهذه المهمة الجديدة، ملزمة بالنسبة للفنانين والفن، الذي له الدور البارز ضمن الحياة الاجتماعية مثل الفلسفة على الأقل. فإن القول " بأنني سأحلل ليعمل الآخرين، إنني سأقول ليغير الآخرين." يعني الازدواجية.  تعني وجهة النظر هذه، ارتكاب الخطأ تجاه الشهداء مزكين، دليلا، صفقان وخليل أويسال والتقرب بلا احترام أمام مواقفهم السامية تجاه الحياة والشعب. وأحياءً لذكراهم يجب تمثيل الوقفة التي بينوها لنا والسير على خطاهم لأنهم مثلوا الفن الحقيقي، ووضحوا لنا كيف يكون الفنان الأصيل. أما الوقفة المعاكسة فلن تذهب أبعد من قصة شرب العرق، أو اللهو والعربدة. ويجب أن يكون البعد عن هذه الوقفة الغير لائقة مسألة كرامة بالنسبة للفنان.

بالطبع إن موضوعنا ليس هو الفن والفنان فقط. إلا إنني أردت التنويه بأن الفن هو من أحدى الطرق التي تلعب دوراً هاماً في الوقفة الثورية وتجسيد هذه الروح ضمن المجتمع لتجابه الحداثة الرأسمالية. إن هذه التقييمات مهمة لإظهار مدى انفتاح الأفراد للانحراف في المجتمع المبتعد عن تاريخه. ويجب أن لا ننسى بأننا خلقنا الروح الثورية القادرة على تبني تاريخه ضمن المجتمع بريادة القائد أبو أولاً، ونضال حركتنا التحررية. هذه النضالات أعطتنا الثقة بالذات في أحلك وأصعب الظروف ولحظات اليأس قوة النضال والسعي من أجل تحقيق الحرية. ويجب أن لا ننسى أبداً بأننا ننكر إنسانيتا، عندما ندير ظهرنا للقيم التي خلقتنا وجعلتنا أن نمثل ذاتنا.   

بالطبع يجب أن لا ننسى أيضاً بأننا كوادر وثوريين نسعى لأحياء علو وسمو الإنسانية وشعوب المنطقة جمعاء، وليس فقط الشعب الكردي. فلم يحيا التاريخ عبثاً، ولم يروى لكي يتم سكب الدموع بعد تناوله على شكل حكايات مأساوية. بل إن سرد التاريخ يهدف لخلق الوعي، وأخذ التجارب التي تبين بأن الإنسان لن يبقَ عبداً إلى النهاية، وإن التاريخ كحزمة من الأمل يضيء يوم ومستقبل الإنسانية. إذ إن الفن يعبر عن قناة حزمة الضوء تلك التي يجري فيها الأمل بلا انقطاع، والفنان هو معلم الطريق لتلك القناة. فهو يعمل على التعمير في حال وجود أي خلل أو انقطاع. يفتح طريق الضوء أينما يوجد تدريج نحو الظلام. لذلك يجب أن يكون الفنان نقطة وجدان المجتمع الأكثر يقظة والأكثر حذراً. وبالأخص الفنان الكردي، لأن الفنان الكردي هو، المهاجر كل يوم، الطفل الذي يلملم الخبز من المزبلة، الأم التي تبقى مجبرة على بيع ذاتها، لأجل إطعام أطفالها، الكردي الذي يتعرض لكافة أنواع الظلم والتعذيب والتذليل في كل يوم. وهو صوت إحياء وتمثيل القائد آبو، الذي يعتبر التأمين والضمان من أجل الحرية ضمن المجتمع. وإن تطلب الأمر فهو حارس الحرية التي تُحيا في الجبال.

يقول القائد آبو:"التاريخ هو الذي يبين الحاضر والمستقبل". بالطبع لا يمكن أن يصبح الفرد المنقطع عن أعرافه وتقاليده الاجتماعية والقومية فناناً. فالحداثة لا تهمل على تبيان شعوب الشرق على إنها متخلفة وبدائية في الحين الذي تبين فيه ذاتها على إنها متقدمة ومتطورة. فهي بالطبع تتناول التطور والتقدم على أساس مقاييسها. فهي تخلق تقاليد عجيبة التي يمكن تسميتها بـ الكوزمولوليتزم، وذلك بحساب كافة التقاليد التي خلقها كل مجتمع على جغرافيته، على إنها غير موجودة. وتعمل ذلك غالباً بواسطة الفن، يعني إنها تستخدم الفن كوسيلة لتجريد الفرد والمجتمع من هويته. فهي توصل الفنان إلى حالة الفرخ الذي لا يعجبه قشرة البيض التي ولد منها. وبالتالي يصبح الأمر مثل التدحرج إلى عمى ظلمات قعر بئر ما. وهذا التدحرج يجتاز جعل الإنسان غريباً عن ذاته، ليصل إلى حالة يشبه فيها العدو ويستسلم لجلاديه، ويعبد عدوه. لذلك فإن مهمة الفنان الأولية وبالأخص في كردستان هي إيصال صرخة الأمل والحرية للعالم أجمع، والنضال ضد إيديولوجيات الحداثة الرأسمالية، التي تعلن نهاية الإنسانية ضماناً لبقائها وديمومتها.