دراسة حول الأسلوب ونسق الحقيقة(2)

10 اکت 2019 پنج ش

فالاستغلالُ باسمِ الربح يستدعي ضرورةَ تغييرِ وعي المجتمع من جميع المناحي. وتُعَدُّ هذه الضرورةُ أو الحاجةُ المؤثِّرَ الأسّ في "الأسلوب العلمي" الجديد.


عبد الله أوجلان

٣- الأسلوب الفلسفي.

رغم محدوديةِ نطاقِ الفلسفةِ نسبةً إلى الدينِ في تاريخِ المدنية، إلا أنها تتميز بأهميةٍ ملحوظة. فَتَطَوُّرُ عِلمِ المعاني، وقُصُورُ الإيضاحاتِ الدينيةِ أبرزَ الحاجةَ إلى الفلسفة. هذا وتُعتَبَرُ الحكمةُ بدايةَ الفلسفة، باعتبارِها معمِّرةً بقدرِ قِدَم الدين. والحكيمُ الذي يُمَثِّلُ الإنسانَ المفكرَ يُعَدُّ منبعَ معانٍ مختلفةٍ عن اللاهوتية، ويُلجأُ إلى آرائه بقدرِ اللجوء للناطقين باسمِ الرب. ولا يمكن اعتبار الحكماءِ مسالِمين للدولة والمدنية، بل إنهم مرتبطون بالأكثر بالمجتمعِ الكامنِ خارجَ نطاقِ المجتمع الرسمي، ودورُهم بارزٌ في تَطَوُّرِ الأخلاق والعلم. إنّ نساءَ الإلهةِ – الأم، والشرائحَ الهرميةَ التي لم تُصِبها الرعونةُ والبَلادة بعدُ في المجتمعِ النيوليتي أَقرَبُ إلى الحكمةِ والمعرفة، ونصادفُ آثارَها الوطيدةَ في المجتمعِ السومري. كما أنّ الانطلاقاتِ النبويةَ مشحونةٌ بالحكمة. وتقاليدُ الحكمة – الفلسفةِ في الشرقِ الأوسط جديرةٌ بالبحثِ الشامل. لا جدالَ في وجودِ الفلسفة قبلَ الثقافةِ اليونانية. ويَكمُنُ حُسنُ طالعِ الفلاسفة اليونان في إمكانياتِهِم الجغرافيةِ ومعايشتِهِم مرحلةً أرقى من المدنية في آنٍ معاً. فكيفما سَيَّرَ الرهبانُ السومريون إنشاءَ الدينِ الجديد والإلهِ الجديد وتشييدَ الدولةِ الجديدة والمجتمعِ الجديد معاً، فقد لعبَ الفلاسفةُ اليونانيون أيضاً دورَهم في بناءِ وديمومةِ المجتمع المديني الجديدِ بمرحلة أرقى، بحيث تتداخلُ فيه الفلسفةُ مع الدين بالتناصف. والعملُ الحاصلُ هو نفسه: استخدامُ فَنِّ المصطلحات. فبينما يؤدي الأولُ دورَه مع إنشاءِ الدين، يقوم الثاني بتأديةِ الدورِ عينِهِ عبرَ المصطلحاتِ الفلسفية. وهكذا سَتَتَنَحَّى الآلهةُ المقَنَّعةُ عن أماكنها للآلهةِ غيرِ المقَنَّعة والملوكِ العراة. وهنا ثمةَ علاقةٌ بين الفلسفةِ والمسافات التي قطعها فكرُ الإنسانِ من التقدمِ والرقي.

إنّ الفكرَ الفلسفي الذي لعبَ دوراً محدوداً في المجتمعَين اليوناني والروماني سيَشهَدُ ثورةً عظمى في مجتمع أوروبا الرأسمالي. وهنا سنعيش فوضى فلسفيةً شبيهةً بما حصل في الأديان. وتُعزى أسباب هذه الفوضى بالأكثر إلى إبرازِ المصالحِ الوطنية والطبقيةِ إلى المقدمة بموجبِ متطلباتِ النظام القائم في مرحلةِ الحضارةِ المدينية الجديدة. حيث وقعَ العبءُ الأكثر على عاتقِ الفلسفة لدى الفشلِ في حلِّ التناقضات بالحروبِ الدينية. والحروبُ الناشبةُ فيما بين أعوام 1618 – 1649 تُعَدُّ آخرَ الحروب الدينية. وفي نفسِ الوقت، فالقرنُ السابعُ عشر هو قرنُ الثورةِ الفلسفية. فالفلسفةُ التي أَدَّت دورَها في المسؤوليةِ في المجتمعَين اليوناني والروماني غَدَت الشكلَ الأيديولوجي الرئيسَ في المجتمعِ المديني الجديد. وهكذا تنشأُ المدارسُ الفلسفيةُ الكبرى. وتُقطَعُ رؤوسُ الملوكِ المتسترين، بينما يتمُّ الإعلانُ أنّ "الإلهَ قد مات"، ويبدأُ عصرُ الدولِ الرأسمالية، التي ليست سوى الدولةَ القوميةَ المؤلَّهةَ والملكَ العاري.

الخاصيةُ العظمى الأولى فيها تَتَجَسَّدُ في هَضمِها وتَبَنّيها للفلسفةِ أيديولوجياً من حيث هي فكرٌ وشكلٌ عقائدي، أكثرَ من نزوعِها للأديانِ الوثنية. ذلك أنّ الفلسفةَ تُسفِرُ عن انفجارٍ عظيمٍ في المعاني. وهكذا نُثِرَت وَرُشَّت بذورُ كلِّ الميولِ الفلسفيةِ للعيان في هذه المرحلة، لِتَجِدَ جميعُ الأنماطِ الفكرية فُرصتَها في الولادةِ والتداول، بدءاً من المثاليةِ المحتوى إلى المادية، من الميتافيزيقيةِ المضمون إلى الجَدَلية. وبينما كانت الأسبقيةُ لـ"الفلسفةِ الطبيعية" قَبلَ سقراط، رَجَحَت كَفَّةُ "فلسفةِ المجتمع" في عهدِه وما بعد. ويَلعَبُ تفاقمُ "القضايا الاجتماعية" (القمعُ والاستغلالُ والاستعمار) دورَه في بروزِ هذه المستجدات. لِنُشَدِّدْ مرةً أخرى على أنّ "القضايا الاجتماعية" تعني تأسيسَ سلسلةِ المدينة، التجارةِ، الدولةِ، والإداري الحاكم. فضلاً عن أنّ المدينةَ – باعتبارِها مركزَ المدنية المادية – تُؤَثِّرُ في جعلِ الفكرِ الفلسفي ضرورةً اضطرارية. فالمدينةُ بِحَدِّ ذاتِها تعني الانقطاعَ عن المجتمعِ العضوي. بالتالي، من السهل بمكان تَشَكُّلُ ذهنيةٍ منقطعةٍ عن الطبيعةِ في أجواءِ المدينة. بمعنى آخر، فالرَّحِمُ الأمُّ لكلِّ ضروبِ الأفكارِ الميتافيزيقيةِ والماديةِ المُجَرَّدَةِ والفظة هو المدنيةُ المؤسَّسةُ على دعامةِ خيانةِ البيئةِ والطعنِ بها.

إذن، وبينما تَكُونُ الفلسفةُ انطلاقةً في الفكر، فهي من الجانبِ الآخر شكلٌ آخرُ مِن أنماطِ الفكرِ المغتربِ عن البيئة. والصوفيون الذين يَعمَلون على نشرِ الحِكَم والمعارف الفلسفيةِ أَشْبَهُ بِمُتَنَوِّري تلك المرحلة (مثقفو أوروبا في القرن الثامنِ عشر). حيث يُدَرِّسون أولادَ العوائلِ الميسورةِ مقابلَ ما يَتَقاضَونَه من مال. ويُؤَسِّسُ الفلاسفةُ مدارسَهم، تماماً مثلما اخترعَ الرهبانُ الدينَ، ومثلما شَكَّلوا الأناسَ التابعين للمعبد. إنهم يَبنُون ما يُشبِهُ الكنائسَ (المجالس). ويَتَكَوَّنُ زخمٌ من المدارسِ الفلسفيةِ على غرارِ ما في الأديانِ التعددية. يمكننا النظرُ إلى كلِّ مدرسةٍ منها كَدِينٍ أو مذهبٍ مستقلٍّ بذاته. ونظراً لأنّ الأديانَ نمطٌ فكريٌّ في نهايةِ مطافها، فيُمكِنُ اعتبارها فلسفةً تقليديةً متمأسسةً وواضحةَ المعالمِ العقائدية. أي، من المهم عدمَ النظرِ إلى الفوارقِ بينهما على أنها تَضَادّ. فبينما يَكُونُ الدينُ قُوتاً للشعبِ المرؤوسِ والموجَّه بالأغلب، تَكُونُ الفلسفةُ غذاءَ المتنورين والشبانِ المنتمين للطبقات المتقدمة. من هنا، فأفلاطون وأرسطو يَتَطَلَّعان لِتَحَمُّلِ مسئولياتٍ ومهامّ أَقْرَبَ إلى أنْ تَكُونَ سعياً للنجاح في تأسيسِ مدينةِ الرهبان والحفاظِ عليها وإنقاذِها، ولكنْ، بمنظورٍ فلسفي. أي أنّ العملَ الأساسيَّ الذي يَنكَبُّ عليه الفلاسفةُ هو كيفيةُ تحديدِ الإدارةِ المثلى، والصَّونُ الأمثلُ لمجتمعِ المدينة ودولتِها، بل وقبلَ كلِّ شيء، تحديدُ مقوماتِ تأسيسِها المثلى.

ورغمَ كونِ الفلسفةِ نابعةٌ من الذكاء الذي يَطفَحُ عليه الجانبُ التصوري، إلا أنها تَرتبطُ بالواقعِ الملموس عبر رَصدِه وملاحظته الدائمة. أي أنها لا تَقطَعُ صِلاتِها مع الذكاءِ العاطفي كلياً. وقُوَّتُها التجريديةُ من أرقى أشكالِ الفكر. لذا، فمكانتُها تسبق الدين بالمساهمةِ في العلم.

٤- الأسلوب العلمي.

في الحقيقة، لا فوارقُ كثيرةٌ بين العلمِ والفلسفة، ويمكننا تفسيرُ العلم على أنه فلسفةٌ أساسُها التجريبي أكثرُ تقدماً. إنهما يسعيان لإضفاءِ المعاني على الطبيعتَين عن طريقِ الملاحظةِ   والتجربة . وهذا هو الصحيح. إلا أنّ أفدحَ نقصٍ فيهما يَتَجَسَّدُ في عدمِ رَدِّهِما على سؤالِ اللميةِ الذي يطرحه الدين. ذلك أنّ إعطاءَ الرَّدِّ على سؤالِ الكيفيةِ في الطبيعة ليس بجوابٍ كافٍ لأجلِ الحياة. فاعتبارُ هذا الكونِ العملاقِ بلا لَمٍّ أو كيفٍ أو غايةٍ، ليس أمراً جديراً بالمَرام كثيراً. والعِلمُ الذي لا يُجيبُ على لَمِّيَّةِ الحياةِ لن ينجوَ من التحولِ إلى أداةٍ للسلطةِ الاستعبادية في نهايةِ المطاف. إني مضطرٌّ لِبَسطِ أطروحةٍ قويةٍ في فَرَضِيَّتِها القائلةِ بالعلاقةِ الكثيبةِ بين فصلِ العِلمِ عن الفلسفةِ والدينِ (فيما يتعلق بالتساؤلات اللمية والغائية )، وبين الذهنيةِ ذات الطابع الرأسمالي.

ويمكنني برهنة ذلك على النحوِ التالي: يُشَكِّلُ الدينُ والفلسفة، بل وحتى الميثولوجيا، ذاكرةَ المجتمعِ وهويتَه وقوةَ الدفاعِ الذهنيِّ لديه. إنه واقعٌ سوسيولوجيٌّ، حتى ولو تَعَرَّضَ للتحريفِ الزائدِ، بحيث يَغدو مُناقِضاً لذاته. أما المجتمعُ، وبالتالي عِلمُ ذاك المجتمعِ المنقطعةِ أواصرُه عن التاريخِ وذاكرتِه؛ فلن يَسعى إلا للتهافت على خدمةِ السلطةِ اليومية. وهذا ما معناه الرأسمالية. فالميثولوجيا والدينُ والفلسفة غدت لا تُساوي خمسةَ قروشٍ في الرأسمالية. لماذا؟ الجوابُ صريحٌ جداً. لأنّ الدينَ والفلسفةَ والملاحمَ الأسطوريةَ بَقِيَت بالمرصاد، وعلى مَرِّ آلافِ السنين، تِجاهَ العناصرِ الرأسمالية (المُرابِين، والمضارِبين المستنفعين من الفارقِ بين الأسعارِ المُختَلَّة) القابعةِ في كمائنها بين تصدعاتِ المجتمع وثغراته، وظلت تَدحَضُها وتنبذها، ولا تَعتَرِفُ بشرعيتها. من المحال أنْ تَتَصَدَّرَ الرأسماليةُ مكانتَها في المجتمع، ما دامَ الدينُ والفلسفةُ والأسطورةُ تُحافِظُ على منزلتِها في فكرِ المجتمع، وما دامَ الذكاءُ العاطفي يَتَّسِمُ بِوَزنِه وهَيبَتِه بين صفوفه. وما مِن سلطةٍ يُمكِنُها شرعنةُ الرأسماليةِ في وسطٍ تَسُودُه مثلُ هذه الذهنية، وبالتالي هذه الأخلاق. ولا يُمكِنُها الدفاع عنها كنظامٍ اجتماعيٍّ اقتصاديٍّ ترتكز إليه.

لعِبَ مفهومُ "الطريقة العلمية" دوراً بارزاً في إيصال الرأسماليةِ إلى نظامٍ عالمي. وفي هذا الأسلوب الجديد، الذي يُعتبَر كلٌّ مِن روجر ، فرانسيس بيكون ، وديكارت  رواداً له، يتم التركيزُ خصيصاً على الفصل والتمييز بين الذات العاقلة Özne والموضوع الشيء Nesne. في حين، لم يكن لهما مكانٌ بارزٌ في الأسلوب الدوغمائي الوثوقي للعصور الوسطى، بل تميزتا بفاعليةٍ خافتةٍ ظليلة.

وأوروبا الغربيةُ المنتفضةُ مع النهضةِ فَتَحَتْ عصراً جديداً في إظهارِ الذات العاقلة والموضوع الشيء بالترافق مع الإصلاحِ وثورةِ التنويرِ الفلسفي في المسيحية. وهكذا غدت ذاتانيةُ الإنسان وموضوعانيةُ العالَم تشكلان لَبَنةً أساسيةً وعاملَين أوليَّين في الحياة. في حين، تتهاوى أهميةُ الأخلاق والأسلوبِ الدوغمائي التوكيديِّ العاملِ أساساً بكلام الرب. أو بالأحرى، يتم الانتقال من عصرِ الملوك المتسترين والآلهةِ المقَنَّعةِ القديمِ إلى مرحلةِ الملوكِ العراةِ والآلهةِ غيرِ المقَنَّعة. والغريزةُ المحرِّضةُ الأساسية في ذلك هي طرازُ الاستعمارِ والاستغلال الرأسمالي. فالاستغلالُ باسمِ الربح يستدعي ضرورةَ تغييرِ وعي المجتمع من جميع المناحي. وتُعَدُّ هذه الضرورةُ أو الحاجةُ المؤثِّرَ الأسّ في "الأسلوب العلمي" الجديد. لقد باتت الإنسانيةُ والطبيعةُ هنا وجهاً لوجه أمام استغلالٍ أعظمي. ولا بد من إعادة إنشاءِ وتكوينِ ضميرِ (أخلاق) المجتمع عبر تغييرٍ ذهنيٍّ شامل، لأنه لن يَقبل الاستغلالَ والاضطهادَ بسهولة. وفي هذه النقطة بالذات ستقع الفاعليةُ الكبرى على عاتق "الأسلوب" كسبيلٍ صحيحٍ أساسي. والكل على علمٍ كيف مرَّ ديكارت بِمَرَضِ التشكيك بكلِّ شيءٍ في سبيل تحقيقِ تحوُّلٍ جذريٍّ متأصل، فلجأ إلى مقولته الشهيرة "أفكر، إذن أنا موجود". ومعلومٌ جداً أنّ بيكون وأتباعه أبدَوا عنايةً فائقة بـ"الموضوعانية". وبينما فتحَ الأولُ البابَ على مصراعيه لإمكانية تفكيرِ الفرد بشكلٍ مستقل، أشهر الثاني وأتباعه الأبوابَ أمام إمكانيةِ تصرُّفِ الفرد بـ"الموضوع الشيء" كيفما يشاء.

كأنّ الفصلَ بين الذاتِ – الموضوع مفتاحُ الهيمنةِ الذهنية. فمبدأُ الموضوعانية الشيئانية، الذي يَبدو ظاهرياً وكأنه ضرورةٌ لا غنى عنها في الأسلوبِ العلمي، هو في الحقيقة مرحلةٌ تمهيديةٌ ضروريةٌ لأجلِ هيمنةِ الذاتانية المثالية. فأنْ تَكُونَ ذاتاً فاعلة شرطٌ لازمٌ لأجلِ الحكم والإدارة. وبطبيعةِ الحال، ما يقعُ على عاتق المأمورين أنْ يَكُونوا موضوعاً شيئياً. وكينونةُ الموضوعِ تعني التشيؤَ والخضوعَ للإدارةِ الحاكمة كالأشياء. إذن، فالأشياءُ، وبالتالي الموضوع باعتباره الطبيعة، إنما هي تعبيرٌ أسلوبيٌّ عن بلوغِ الذاتِ حالةَ التحكم كما تهوى وتشاء، بل وتفعلُ ذلك وكأنها مبدأُ "آمنتُ" في العِلم (أي، من مُسَلَّمات العلم). تمتد جذورُ الفصلِ بين الذاتِ – الموضوع إلى عهدِ أفلاطون. ذلك أنّ أفلاطون، ومن خلالِ عالَمِ "المُثُل" الشهيرةِ لديه، شَكَّلَ أساسَ كلِّ التمييزاتِ والفوارق على نحوِ ثنائياتٍ تشتملُ الانعكاساتِ البسيطة. في حين أننا نشاهد أُسُسَه الميثولوجيةَ بشكلٍ خارقٍ في المجتمعات السومريةِ والمصرية. فأصولُها الأصليةُ تتجسدُ في السموِّ الإلهيِّ للهرميةِ العليا، وتبجيلِها، وبالمقابل في استعبادِ واسترقاقِ الذين في القاع. فالتعبيرُ الذهنيُّ عن ثنائيةِ الخالق – المخلوق وقرينة الآمِر – المأمور (الحاكم – المحكوم) قد تَطَوَّرَت شيئاً فشيئاً على شكلِ: الإله – العبد، الكلام – الشيء، المُثُل الفاضلة – الانعكاسات البسيطة؛ لِتَبلُغَ تدريجياً الفصلَ بين الذات – الموضوع. وكذا الفصلُ بين الروح – البدن يندرجُ في هذا الإطار. أما المعنى السياسيُّ لذلك، فهو إنكارُ الديمقراطية، وفتحُ السبيلِ أمامَ الأوليغارشيةِ والمونارشية.

لا بد من إعادةِ تعريفِ وشرحِ مصطلحِ "الموضوعانية" بعمقٍ غائر في الأسلوب العلمي. فتعريفُ كلِّ الطبيعة (بأحيائها وجمادها) على أنها "شيء موضوع" – بما في ذلك جسدُ الإنسان، وفيما عدا الفكر التحليلي – قد لَعِبَ دورَ المفتاحِ في استعمارِ الرأسمالية للطبيعة والمجتمع، والتحكم بهما. ذلك أنه من غير الممكن تحقيق التحول الذهني اللازمِ للعصر الحديث، بدون تجذيرِ وشرعنةِ التمييز بين الذات والموضوع.

بينما تكون الذاتُ العاملَ الشرعي الأكثر تداولاً وقبولاً في الفكر التحليلي، يُعتبَر الموضوعُ Nesne العنصرَ "المادي" الملموسَ الذي يمكن القيامُ بكلِّ أنواعِ المفارقات والإشاعات عبره. وبمعنى آخر، فهو يمثل "الموضوعيةَ" Objektivite. وقد نَشَبَت صراعاتٌ مريرة بسبب هذا التمييز. إذ يجب عدمَ تقييم الصراع بين الكنسية والعِلم كمجردِ نزاعٍ على "الحقيقة" المطلقة، حيث تستتر نضالاتٌ وكفاحاتٌ اجتماعية عظمى تحته. إنه ضربٌ من ضروبِ النزاع والصراع بين المجتمع القديم المشحون بالأخلاق، والمجتمعِ الرأسمالي العاري الساعي لنزع الستار الأخلاقي عن ذاته. أي أنَّ المسألةَ ليست مجردَ نزاعٍ بين الكنيسة والعِلم فحسب. وبشكلٍ أعم، إنه صراعٌ بين النظام الذي حافظ عليه وجدانُ المجتمع طيلةَ مسيرته التاريخية، وحَظَر استغلالَه، ولَعَنَ ذلك، واعتبرَه جرماً لا يُغتفَر؛ وبين المشروعِ الاجتماعي الرأسمالي الجديدِ الساعي لفتحِ الأبواب على مصاريعها أمام استعمارِ المجتمعِ واستغلاله والتسلطِ عليه، دون الاعترافِ بأيِّ حظرٍ أو جُرمٍ أو لعنة. و"الاتجاه الموضوعي" هو المصطلح المفتاح لهذا المشروع.

تتخفى تحت مفهوم "الموضوعانية" Nesnellik لـ"الفكر التحليلي" فكرةٌ مفادها: ما من "قيمةٍ" لا يمكن إخضاعها للعملية. إذ يمكن استغلال كلِّ ما في الطبيعة من حيٍّ وجماد، والتحكم بها وتملُّكها، بحيث لا يقتصرُ الأمرُ على كدحِ الإنسان فحسب، بل ويمكن البحث والتنقيب فيها، والتمتع بحقِّ استغلالها بكافةِ الأشكال. وفيما عدا الذواتِ المنتقاة، يحق النظر لكلِّ شيءٍ على أنه ميكانيكيٌّ آلي، وبالتالي، التحكم به واستغلاله بلا رحمةٍ أو شفقة. أما الفرد، والمواطِن، ومجتمعُ الدولة القومية، المنظَّمون كـ ذواتٍ أساسية في مواجهة الطبيعة والمجتمع، فيُعتبَرون "اكتشافاتٍ جديدةً" ذاتَ طاقةٍ جنونيةٍ قادرةٍ على الإبادات الجماعية، وإيصالِ البيئة لحالةٍ لا تُطاق، باعتبارِ أنهم الآلهةُ الجديدةُ غيرُ المقَنَّعة. وكأنّ "اللوياثانَ"  القديمَ بات مسعوراً. وكأنه ما من شيءٍ Nesne لا يستطيع التحكمَ به أو تمزيقه إرباً إرباً. من المهم الاستيعاب جيداً أنّ النظرَ إلى المواقف الموضوعية الشيئية على أنها المصطلحُ الأكثرُ نزاهةً وشفافية في الأسلوب العلمي قد تَسَبَّبَ في كوارثَ مُهلِكة، وانحرافاتٍ كبرى، بل ومجازرَ مرَوِّعةٍ بما يضاهي محاكمَ التفتيش  المتبقيةِ من العصور الوسطى. يجب التشديد، وبعناية، على أنّ الموقفَ الموضوعي ليس مصطلحاً علمياً نزيهاً على الإطلاق.

لا يمكننا إيضاح أسبابِ عُطب وإفلاس وشلل علم الاجتماع  في راهننا، ما لم نستوعب أنّ "الأسلوب العلمي" بحدِّ ذاته وسيلةٌ لأكبرِ تقسيمٍ طبقي. أقولها علانيةً أنه لـ"الأسلوب العلمي" "الموضوعي" دورٌ معيِّنٌ وحاسمٌ في إفلاسِ أكثرِ التيارات العلمية الاجتماعية مثاليةً وطموحاً، ألا وهي "الاشتراكيةُ العلمية" التي اعتَبَرتُها – أنا أيضاً – كذلك، في إحدى المراحل.

فالتفسخُ، ومن ثم الانهيارُ الذي لَحِقَ بالاشتراكية العلمية وبكافةِ مشتقاتها، أو مرورُها بفترةِ تحوُّلٍ من رأسماليةِ الدولة المباشرةِ إلى الرأسمالياتِ الخاصة، بعد اجتيازها مرحلةً طويلةً من التطبيق وتشييدِ النظام الاجتماعي؛ إنما يرجع في أساسه إلى "الأسلوب العلمي" ومفهومِه في "التشيؤ" . وإلا، ما مِن شكٍّ بتاتاً في حُسن نوايا المساهمين في نضالِ الاشتراكيةِ بإيمانٍ راسخٍ وجهودٍ حثيثة. سأكتفي بالتنويه إلى أني سأستفيض في شرحِ هذه المواضيع في مكانها المناسب.

إنّ كافةَ البنى العلمية التي تُضفي على التمييز بين الذات والموضوع دوراً أساسياً، هي أسيرةُ استقلالياتها لدرجةِ أنها تزعم بتفوقها على كافةِ ضروبِ القيمِ والمُثُل الاجتماعية. ولربما أنّ الانحرافَ الأكبر الحاصلَ باسم العلم مخفيٌّ في هذه المزاعم. ولربما لم يشهد التاريخُ التحامَ العلم مع النظام المهيمن في أيِّ عصرٍ مثلما هو عليه في العصر الرأسمالي. فدنيا العلم، بدءاً من أسلوبه إلى مضمونه، هي القوةُ العظمى في إنشاء النظام، وفي تأمين شرعنته وصونه. إنَّ الأسلوبَ العلمي للعصر الرأسمالي، وبالتالي، كافةَ العلوم الناشئة فيه، يُشكِّل القوةَ الأساسيةَ المؤديةَ إلى ترسيخِ آليةِ الربح في النظام، وما تمخَّضَ عنها فَشَمَلَ كافةَ قطاعاتِ المجتمع وحلقاتِهِ الداخليةِ والخارجية من حروبٍ، أزماتٍ، آلامٍ، مخاضاتٍ، مجاعةٍ، بطالةٍ، دمارِ البيئة، والتضخمِ السكاني. وما عبارةُ "العلمُ قوة" الموجَزَة سوى تعبيرٌ عن الافتخار بهذه الحقيقة. قد يقال: وما السَّيِّئُ في ذلك؟ فعندما تصدحُ الأصواتُ، وتنطلقُ هذه الأحكام بكلِّ سهولةٍ من أحشاءِ النظام المتحصن بدرعِ النزاهة والشرعية، تكون قد عَبَّرَت عن أكثرِ المواقفِ طبيعية.

وإذا كانت الحداثةُ الرأسمالية في راهننا تعطي إشاراتِ استحالةِ الاستمرار في كافة ميادينها وفروعاتها، فلـ"الأسلوب العلمي" الذي ترتكز إليه نصيبٌ وافر في ذلك. من هنا، فالأمر المهمُّ والمصيري هنا هو توجيه النقد إلى الأسلوب الذي يشكل الدعامةَ الركن للنظام، وإلى "الضوابط العلمية" المطروحة للوسط. إنَّ نقطةَ الضعف الأساسيةَ للانتقادات الموجَّهةِ لكافة الأنظمة، بما فيها انتقاداتُ الاشتراكية، تكمن في لجوئها إلى نفسِ الأسلوبِ الذي ترتكز إليه تلك الأنظمةُ في تحقيقِ وجودها. مع أنَّ الحقيقةَ تشير إلى أنّ انتقادَ الواقعِ الاجتماعي الناشئِ اعتماداً على نفسِ الأسلوب الذي يستند إليه هذا الواقعُ لا يُنقِذ النُّقّادَ من الوقوعِ في نفس النتيجة. فمن الشهيرِ جداً أنَّ السائرين على نفسِ الدروب المرسومةِ سلفاً، لا يمكنهم الوصول لأيِّ مكانٍ سوى القرى أو المدن التي تؤدي إليها تلك الدروب. وهذا تماماً ما حصل لمناهضي النظامِ القائم، بما فيهم الاشتراكيةُ العلمية.

إنني أُبدي اهتماماً بالغاً في تقييماتي إزاء تناوُلِ الخصائصِ والمزايا الطبقيةِ والاجتماعية للتمييز بين الذات والموضوع بشكلٍ أساسي. ذلك أنَّ هذين المصطلحَين الباديَين وكأنهما نزيهان، هما السببُ الأنطولوجيُّ  (الوجودِيُّ) لنشوءِ الحداثة التي غدت مستحيلةَ الاستمرار. وهذان المصطلحان لا علاقة لهما بالمنجزاتِ العلمية كما يُعتَقَد، وليسا نقيَّين من الميزات النسبية. وهما مشحونان بمفهومٍ ثبوتيٍّ قوالبي بصدد الطبيعة والذات، بقدر ما هو عليه الأسلوبُ الوثوقيّ الدوغمائي في العصور الوسطى بأقل تقدير. فالسعيُ لفهمِ الحياة عبْرَ التمييز والفصل العلني بين الذات والموضوع يؤدي بالحياة إلى الاختناق المادي، ويجعلها رجعيةً ومُهَمَّشةً ومُبهَمَة أكثر مما كانت عليه حياة الإنسان في العصور الوسطى. فحياةُ الإنسان التي كتَمَ الأسلوبُ العلميُّ أنفاسَها وحَرمَها من الحرية، قد تشتتت إرباً إرباً في الحداثة الرأسمالية اعتماداً على التمييز بين الذات والموضوع، ونشأت التصدُّعاتُ المتأصلةُ في كافة مناحي الحياة. إنَّ القيمة العظمى المفقودةَ مع تجزُّؤِ التكاملِ حتى خلاياه الأوليةِ بسبب "الضوابطِ العلمية"، هي تكامُلُ ووحدةُ الحياة الاجتماعية المسجَّلةِ ضمن أبعاد الزمان والمكان. ما من شيءٍ في راهننا أخطرُ من "تضييق الخناق على الحياة"، ومن مأساةِ الحياة المبتورة من جوهرها ومقوِّماتها الزَّمَكانية. إننا وجهاً لوجه أمام أشدِّ المصائرِ بؤساً. فالسرطنةُ الاجتماعية ليست تصوراً من صُنعِ الخيال، بل هي التفسيرُ الأمثل للواقع الملموس للنظام القائم إزاء الحياة.