الأدب والفن ووظيفتهما في الحياة الاجتماعية)1)

10 اکت 2019 پنج ش

يمكن القول بشكل مختصر بأن الفن عكس جميع جوانب حياة الإنسان، ولعب دوره في تمثيل هذا الإنعكاس بشكل مناسب وجمالي. ولكن الفن من خلال إنعكاسه للواقع، لم يعطي فقط صورة من هذا الواقع، بل حاول أن يوضح للإنسان ماهو أحسن وأفضل وأجمل في ذلك الوقت


شهيد حسين جاويش


لم يكن الإنسان في مراحله الأولى يدرك العلم والفكر والمعرفة والدين كما هو الحال في المرحلة الراهنة. لقد كان يفتقر إلى هذه الظواهر المتقدمة إلى حد كبير. لذا كان يحاول حل مشاكله عن طريق السحر والشعوذة والدين البدائي. وقد كان السحر والدين البدائي بمثابة الفن في تلك المراحل الاولى من الحياة البشرية. يقول .ع. أ حول هذه المرحلة مايلي: " لقد كان علم الإنسان الأول على شكل شعوذة (سحر) والدين، كانت هذه الظاهر بمثابة الفن." في تلك المرحلة كانت تقام مهرجانات للسحر (مازالت هذه العادة دارجة عند بعض القبائل الإفريقية) مرافقة بالموسيقا والرقص والغناء والتمثيل المسرحي. بعد تطور المجتمع إلى مراحل أخرى مختلفة عن المراحل الأولى، إفترق السحر والفن عن بعضها البعض. في مسيرة هذا التطور الحاصل، تم استخدام الفن ( الموسيقا، الغناء، الرقص الشعبي) في العبادات الدينية والمناسبات الاجتماعية، في المناسبات الدينية كانت الفعاليات الفنية تهدف إلى احياء الآلهة وكسب رحمتهم وشفاعتهم. بينما في المناسبات الاجتماعية كان هدف الفعاليات الفنية هي إحياء ذكرى القواد (شيف) الطبيعيين للمجموعات القبلية الأولى. وقد كان يحصل ذلك بعد مماتهم، وكانت هدفها تقليد ذلك الشيف أو القائد لكي يتم ترسيخ تصرفاته وتجربته والدعاية لها ضمن إطار أفراد القبيلة كلها. لأن هؤلاء القواد الطليعيين ( أصبحوا قواد من خلال تجاربهم وبطولاتهم وتضحياتهم....)، كانوا يحمون قبائلهم من الكوارث الطبيعية ويوجهونهم من خلال تجربتهم وليس من خلال أية سلطة اجتماعية مفروضة. لذا كان أفراد العشيرة يقلدونهم بهدف تخليد تجاربهم وتضحياتهم، والتقليد عادة محببة لدى الإنسان، حيث يحاول تقليد ماهو أفضل، من خلال إرادة روحية موجودة في سيكولوجية الإنسان. وقد كان أفراد القبائل الأولى ينظروف إلى قائدهم بنظرة الإعجاب ولذا كانوا يحاولون تقليدهم.
المصدر الآخر للفن كان موجوداً في ظاهرة عدم فهم الإنسان أو فهمه القاصر لكيفية تأمين بعض ضروريات حياته أو حل العوائق التي تعترض إستقراريته في الحياة أثناء المراحل الأولى لتطوره. لذا من أجل حل هذه المعضلة أبدع فن المسرح أو التمثيل البدائي وقد كان هذا المسرح عبارة عن عملية تقليد لا أكثر. وقد كان هدفها القيام ببعض التشبيهات المجازية القريبة من المسرح الحالي ظناً منهم، بأن هذه التصرفات الفنية التقليدية سوف تنسحب إلى الواقع وتؤثر عليه لحل المشكلة! مثلاً: عندما كان يحصل الجفاف يحاول الإنسان في تلك المرحلة تقليد أصوات هطول المطر وحركات ماقبل الهطول وأثنائها وبعدها. لأنه كان مقتنعاً بأنه سوف يستطيع تأمين هطول المطر بهذه الطريقة وحتى في أيامنا الراهنة مازال هذا التقليد موجوداً بأشكال مختلفة فمثلاً في بلاد الأكراد تقوم النساء بحمل أوعية الماء (تنكة) والهجوم على أي رجل يقع بين أيديهم وضربه، وهم يعتقدن بأنهم سوف يؤمنون هطول المطر بهذه الطريقة. وكما أن الإنسان حاول وقف الفيضانات والسيول الخطيرة من خلال القيام بفعاليات فنية (غنائية، موسيقية، فلكلورية) حول الشيء الذي حولوه إلى إله للفيضانات والسيول، وقد كانوا يقدمون احترامهم ومحبتهم للآلهة من خلال فعالياتهم الموسيقية والغنائية والمسرحية الراقصة، طبعاً كان المسرح في تلك الأثناء مختلفة عما هي عليه الآن، ولكن كلمة المسرح نفسها جاءت من كلمة ( تيونس، زيوس، زونس، زوش) الأغريقية والتي تعني الإله المقدس في لغتهم . وهذا دليل كبير على أصل المسرح أو مايسمى بـ تياترو قد تطورت أو ظهرت في أثناء عملية العبادة للآلهة أو في عملية محاولة إرضائهم وكسب صداقتهم.
إن الإحتفال بعيد نوروز من قبل الأكراد وعدد من الشعوب الأخرى في المنطقة، قد جاءت من مصدر ديني له علاقة بعبادة الآلهة حسب بعض المصادر التاريخية القديمة. ففي الإسطورة البابلية ( أسطورة ماردوخ و تيامات) هناك مؤشر حول هذه المسألة، يقول أدهم غمكين في كتابه ( المعتقدات الدينية في كردستان) مايلي حول هذا الموضوع: " قوة الطبيعة التي تنبعث مجدداً في الربيع  وتتجدد، كما إن الصراع بين الشتاء البارد والشمس الحار تؤدي إلى نتيجة لصالح الشمس في الربيع. وكيوم لرأس السنة يتعادل فيه الليل والنهار ويتم الاحتفال به كيوم الربيع. وقد تحول إلى تقليد وعادة في المنطقة مع هذه الإسطورة (ماردوخ وتيامات). وقد تم الإحتفال بيوم المعروف بـ 21 آذار حالياً في بابل كعيد كبير منذ القديم. بشكل جماهيري صاخب".
حسب الإسطورة كان الناس متشككين بمجيئ الربيع مرةً أخرى بعد الشتاء القارس لذا كانوا ينظمون عبادات جماعية في شهر آذار لكي يصلوا إلى الربيع. أي من أجل تأمين مجيئ الربيع المشكوك بمجيئه كانوا يقيمون العبادات الجماهيرية والاحتفالات الدينية في شهر آذار. وقد تحول الإحتفال بعيد النوروز فيما بعد إلى عادة تقليدية عريقة عند شعوب المنطقة حتى بعد أن زال الشك عندهم بمجيء الربيع بعد الشتاء. أي أن النوروز كان في البداية عيداً دينياُ متعلقاً بالطبيعة الخصبة والخيرة، أما بعد ذلك تحول إلى يوم المقاومة والفن والثقافة . إذاً في البداية كان نوروز أخضراً مثل لون الربيع وبعد ذلك أصبح أحمراً مثل لون المقاومة ضد الظالم ضحاك. هكذا امتزجت حب الربيع مع حب الحرية في فن وثقافة نوروز.
في مصر القديمة كان الناس يشككون بمجيئ الشمس بعد غروبه. لذا كان يقوم بفعاليات فنية ذات صبغة دينية بعد غروب الشمس، ظناً منهم بأنهم بهذه الطريقة سوف يستطيعون تأمين شروق الشمس مرة أخرى. وكما كان الصيادين في المراحل الأولى من تطور البشرية كانوا يرسمون عملية صيد الحيوانات. ( كيفية التقرب من الحيوان، كيفية ضربه، كيفية جره... إلى أخره) على جدران المغارات والكهوف قبل عملية الصيد الحقيقية. وهكذا كانوا يحولون حياته الحقيقية إلى نتاجات فنية حافظت على قيمتها التاريخية والمعنوية حتى يومنا هذا. هكذا إذاً يمكن القول بشكل مختصر بأن الفن قد عكس جميع جوانب حياة الإنسان، ولعب دوره في تمثيل هذا الإنعكاس بشكل مناسب وجمالي. ولكن الفن من خلال إنعكاسه للواقع، لم يعطي فقط صورة من هذا الواقع، بل حاول أن يوضح للإنسان ماهو أحسن وأفضل وأجمل في ذلك الوقت.
إن الإنسان في العهد القديم الأولي كان يجهل أسرار الكون وتعاقب الليل والنهار والفصول والكوارث الطبيعية، ولذا كان يخاف من الكون وظواهرها الطبيعية. وحتى يستطيع أن يتغلب على خوفه هذا ويكسب قوة معنوية له وضع روحه وعواطفه تحت الخدمة ووصل بهذه الطريقة إلى عتبة الإبداع الفني المعروف. يقول ع . أ حول خصوصية الكون هذا مايلي: " الفن ، هو دخول مجمل قابلية الحواس الموجودة في روح الإنسان الذي دخل الضيق، ضمن نشاط استثنائي أو قفزة نوعية".
بهذا المعنى يقوم الفن بإعطاء الشكل واللون للحياة، لايمكننا أن نفكر في الربيع بدون الأزهار والورود ولا يمكننا أن نفكر في الطعام بدون لذة وطعم، إذا لايمكننا أن نفكر في الحياة بدون فن، مثلاً في وطننا يتم القيام بجميع الأعمال مرافقاً مع الأغاني والموسيقا والرقص ـ أي مع الفن، ففي عملية الحصاد يقوم رئيس أو شيف الحصادين بترديد نغمات الأغاني الفلكلورية المناسبة لعملية الحصاد ويشترك الجميع في ترديد كلمات الأغنية وتكرارها مع العمل النشيط وبروح عالية وبدون توقف حتى النهاية. نغمات الأغنية وكلماتها تنسجم وتمتزج مع حركة المنجل والأيادي الخشنة للحصادين، هذه الأغاني تبعد القساوة والصعوبة في قلوبهم. وكما أن الراعي يستخدم الـ بلور (
bilor ) أثناء عملية الرعي ويستطيع أن يجمع أغنامه ويأتي بهم إلى الأنهار والسواقي لكي يشربوا الماء على صوت بلور الحزين والعاطفي جداً. وبهذه الطريقة يستطيع الراعي أن يزيل عن روحه أي ضيق أو قساوة ويخفف عن نفسه ويوجه قطيعه حسب مايريد، لأن صوت الفن يخفف من قساوة الحياة وشقاوتها ويبعد الخشونة النفسية والروحية عن الإنسان. لذا الفن هو غذاء الروح والنفسن.
أحمد خاني (
ehmede xani ): حسب المستشرقين الروس، هناك ثلاثة من أعلام الأدب الأساسيين في الشرق، أحدهم الفارسي الأصل الفردوسي والثاني الجيورجي الأصل فاسيلي، والثالث هو الكردستاني أحمد خاني. أحمد خاني سمي بـ أمير الشعراء الكرد من قبل الأدباء والمثقفين ورجال الفكر، وهو فعلاً يستحق هذا اللقب وبجدارة، وهو في مرتبة شكسبير الإنكليزي وجلال الدين الرومي والفردوسي وغيرهم من أعلام الأدب العالمي بشهادة رجال الأدب. ولكن أحمد خاني غير معروف عالمياً، والسبب متعلق بوضع الكرد وكردستان من الناحية السياسية والثقافية، خاني بالنسبة إلى الكرد أكثر من أديب ملحمي وشاعر بل يتعدى حدود الأدب ويصل إلى مرتبة فيلسوف ومؤسس روح الوطنية عندهم، وقد قال السيد ع . أ . في احدى كلماته حوله مايلي " أنا أطبق ما مثله أحمد خاني".....
يعتبر خاني ثورة في الأدب الكردي، حيث أكسب الأدب نوعية جديدة غير مألوفة حتى تلك المرحلة وخصوصاً من الناحية السياسية والعواطف الوطنية الداعية إلى حل المسائل السياسية الحاصلة في جغرافية كردستان. لقد تمكن خاني من وضع يده على المشاكل الاجتماعية والسياسية في تلك الحقبة واقترح حلولاً واقعية  وعلمانية لها، على الرغم من إنحداره من المدارس الدينية إلا أنه تجاوز ثقافة المدارس ووضع كل إمكاناته الذهنية في خدمة تحليل وتصوير الوضع الاجتماعي والطبقي ـ السياسي في كردستان عبر شخصيات ملحمته الشهيرة (مم وزين)، أهم آثارها الأدبية هي مم وزين وعقيدا إيمانة ونوبارا زاروكان وكما كتب بعض الدراسات حول الشعر في كردستان. لقد إستطاع خاني من شرح فكره وفلسفته وعواطفه وخصوصياته الشخصية عبر أدبه....
لاشك بأن مم وزين هي أهم أثر أدبي في الادب الكردي الكلاسيكي وهي ملحمة الكرد القومية الأولى من نوعها، هذه الملحمة إقتبسها أحمد خاني من الملحمة الكردية الشعبية مم آلان ونرى بأن خاني قد تمكن من تحويل هذه الملحمة الشعبية الشفهية الدرامية والغزلية بنفس الوقت إلى ملحمة كتابية ذات أبعاد جديدة شكلاً ومضموناً.
عندما نقرأ مم وزين نلاحظ فيها البطولة والخيانة والإنتهازية والعشق والتضحية والإنسانية وروح الوطنية والمفاهيم السياسية والغضب والحب والعادات الشعبية والمناسبات الإجتماعية إلى جانب الفلسفة الزهدية المستكية والغزل والدراما. يكسب خاني بعداً جديداً للعشق، بعد أن كان الكرد يفتقرونها في أدبهم وحياتهم وهي عشق الوحدة وحب التعاون الاجتماعي. لقد صور خاني في شخصية بكو عوان (بكر) الخيانة الاجتماعية والوطنية والفتنة بين الناس، وكما صور في شخصية مم وزين الوحدة بين جميع مكونات الشعب وضرورة حبهم لبعضهم إلى درجة العشق والتضحية من أجل بعضهم. وكما صور في شخصية تاجدين ذلك الشعور الحي من أجل التضحية والفداء في سبيل وحدة الشعب وقيمه. و صور في شخصية جكو وعارف تلك الروح البطولية الشعبية لدى الكرد، وكما صور في شخصية مير (الأمير) تلك السلطة التي تقع تحت تأثير الخيانة والفتنة ولاتعرف الصح من الخطأ إلا بعد فوات الآوان وتلعب سياساتها الخاطئة بوحدة الشعب وحبه وتعاونه الاجتماعي.
لقد أكد خاني بأنه جعل من مم وزين وسيلة شرح مايدور في عقله وقلبه، ويمكن أن نرى هذه الحقيقة في السطور التالية:
"أجعل الألم القلب ملحمة (مفهومة)
أجعل مم وزين حجة
هكذا أخرج النغمة من البردة (من آلة الموسيقا)
أحيي مم وزين من جديد
الأحباء والعاشقين أصبحو معلولين
اليوم مثل الطبيب الحازق
أعالجهم أنا، أداويهم
من جديد أحيي هؤلاء المساكين"
إذاً أراد خاني إحياء العشق والمحبة من خلال مم وزين بعد أن رسم طريق الوصول إليها وعالج الموضوع مثل حكيم وعارف، وبهذا خلد العشق والمحبة بين المجتمع الكردي من خلال الأدب والفن، بعد أن إبتعد الناس عن المحبة وتحولوا إلى مرضى معلولين. وقد حول خاني هذه الملحمة إلى أداة لإحياء الإنسان الكردستاني وخلق عاطفة التعاون والمحبة ضمن المجتع.