الأدب والفن ووظيفتهما في الحياة الاجتماعية2))

10 اکت 2019 پنج ش

يمكن القول بشكل مختصر بأن الفن عكس جميع جوانب حياة الإنسان، ولعب دوره في تمثيل هذا الإنعكاس بشكل مناسب وجمالي. ولكن الفن من خلال إنعكاسه للواقع، لم يعطي فقط صورة من هذا الواقع، بل حاول أن يوضح للإنسان ماهو أحسن وأفضل وأجمل في ذلك الوقت


شهيد حسين جاويش

ـ لقد حاول خاني البحث عن الجواب للأسئلة الحيوية المتعلقة بوضع المجتمع الكردستاني مثل، لماذا هذه التجزئة بين الكرد، لماذ لم يتحولوا إلى سلطة سياسية في وطنهم، لماذ لم تظهر قيادة سياسية تاريخية ناضجة ضمن المجتمع؟ وإلى آخره...
وقد تناول هذه المواضيع كلها في مم وزين والسطور التالية هي تعبير عن ذلك:
 " لو وجد لنا ملكاً،
لو رأينا حكمداراً لائقاً
عين لنا عاصمة
يظهر لنا بختاً
جعل له تاجاً
لاشك صار لنا أيضاً رواجاً."
"فكر من العرب حتى الجيورجيين،
مثل الأبراج،
هؤلاء الروم والعجم تسترين بهم.
الكرمانج كلهم في النواحي الأربعة،
كلا الطرفين حولوا قبائل الكرمانج."
إن أفكار خاني حول ضرورة وجود أمير أو حكمدار قوي عقلاني يستطيع أن يبني عاصمة وحكومة قوية موحدة ويفتح الطريق أمام التقدم من جميع النواحي حتى من ناحية الآدب، تشبه أفكار ميكافيلي ( في كتاب الأمير). لأن ميكافيلي أيضاً دعى إلى إدارة ملكية قوية عاقلة فاعلة متيقظة تستطيع وضع زمام الأمور في يدها وتوحيد جميع الإدارات المجزأة في بوتقة واحدة منسجمة في إيطاليا وذلك في نفس المرحلة التي عاش فيها احمد خاني. إن خاني يدرك بشكل عميق بأن إنتشار الأدب ورواجه مرتبط بنهضة وطنية قومية ووحدة سياسية في كردستان.
إن خاني استعمل كلمة " الكرمانج" بدلاً من كلمة "الكرد" ونحن هنا نود أن نشير على أن كلمة " الكرمانج" لها مغزى سياسي وطبقي وشعبي إلى جانب مغزاها اللغوي واللهجوي. معروف بأن الكرمانج هم العامة "الفئات الشعبية" من مكونات المجتع الكردستاني وهم يختلفون عن الأرستقراطيين (الفئات الحاكمة) في المجتمع من الناحية الاقتصادية وطبعاً من حيث إسلوب المعيشة. وأن الضحية الأساسية لأوضاع كردستان السلبية والمأساوية هم هذه الفئات الشعبية المعروفة بـ كرمانج.
لقد أشار خاني على أن الكرمانج تحولوا إلى قلاعاً وأبراجاً لغيرهم في جميع الأماكن المحيطة بوطنهم، وهم محاصرين من قبل الروم (العثمانيين ـ الكرد يسمون جيش العثماني بـ عسكرة رومة) والعجم (يقصد بهم الصفويين في إيران) وتحولوا على يدهم إلى أهدافه لأسلحتهم أو جيشهم الغازي. أي أن قبائل الكرمانج (الكرد) وقعوا فيما بين نارين، نار العثمانيين ونار الصفويين وهم في الوسط. طبعاً يصور خاني مرحلة حرب الإمبراطوريين على كردستان واتفاقهم في نهاية الأمر على أثر معاهدة قصر شيرين وتقسيم كردستان إلى قسمين في سنة.....1536
لقد خلق احمد خاني في ملحمة مم وزين الشخصية الكردية وخصوصياتها الاجتماعية السلبية والإيجابية ومسألة الدولة والوحدة السياسية والعوائق التي تقف أمام هذه المسائل من الناحية الروحية والسايكولوجية والذهينة. وكما أشار بلغة أدبية وبأسلوب مجازي أحياناً  والمباشر أحياناً أخرى إلى التجزئة ضمن المجتمع الكردستاني وتحولهم إلى لعبة بيد الغير وعدم تحركهم ضمن إطار استراتيجبة واحدة والصراع فيما بينهم في تلك الحقبة من الزمن.
وقد صور هذا الوضع في الأبيات التالية:
"لأن الجميع غير متفقين مع بعضهم البعض،
دائماً منقسمين ولايطيعون بعضهم البعض،
لو كان يوجد لنا إتفاقاً،
عملنا مع بعضنا إنقياداً،
كنا كملنا الدين والدولة،
كنا قد حصلنا العلم والحكمة،
لتمييز كل المسائل عن بعضها البعض
ولأصبح ممتازين أصحاب العرفان والفضيلة."
إن خاني يضع يده على لب المشكلة وكأنه يعيش في هذا العصر أيضاً لأنه يؤشر بوضوح تام، بأن الكرد غير متفقين ولا يتوحدون ولا يطيعون بعضهم البعض، ولولا هذا كله وإذا حصل إتفاق بينهم فإن الدين سوف يأخذ مجراه الصحيح المثالي وليس الخاطئ، كما أن الدولة تشكل شكلها المثالي (المكمل) وكنا قد وصلنا إلى درجة استخدام العلم في حياتنا واتخاذ الفلسفة كنهج للفكر، ولتمييز كل المواضيع عن بعضها البعض وسلم كل واحدة منها في مجراها المناسب دون تعقيد مع هذا كله فإن أصحاب العلم والفكر والفضيلة والقيم يصلون إلى درجة ممتازة قديرة ومستحقة.
إن احمد خاني لايحل مسائل عصره بل أعطى الحلول لمشاكلنا الحالية أيضاً. لأن حالة انعدام الإتفاق والإنقسام والتشرذم وعدم الطاعة لبعضهم البعض وعدم اتخاذ موقف صحيح من الدين أو فهمه بشكل سلبي وهدام وعدم وجود موقف مناسب يتفق مع طبيعة التطورات الكونية من الدولة كلها موجودة في يومنا أيضاً ولم يتم حلها بشكل تام أو مناسب.
إن خاني إلى جانب تحليله للجانب السلبي من خصوصيات المجتمع الكردستاني فأنه أشار بنفس الوقت إلى جوانبه الإيجابية وحللها من نواحي عدة. يقول خاني بأن الكرمانج (الكرد) بشكل عام ليسوا جهلاء أو محرومين من القيم والفضيلة لكنهم محرومين من الإمكانيات والأرضية اللازمة والقيادة الحكيمة لذا لم يستطيعوا أن يحولوا فضائلهم ومعرفتهم وإنسانيتهم إلى نظام له رسمية وسلطة جيدة، أي أن الكرد لديهم مفكرين وعظماء إلى جانب فضائل وقيم كبيرة، إلا أنه لم يتهيأ الظروف اللازمة لبروزها إلى السطح، بسبب فقرهم وحرمانهم من مجموعة نخبوية تقودهم إلى بر الأمان. يمكن أن نفهم هذا كله في السطور التالية:
 الكرمانج (الكرد) ليسوا محرومين كثيراً من الفضيلة
جملة ليسوا جهلاء
قد يكون فقراء وبدون وجهاء
إن خاني يرى في الكرمانج أي العامة أو الفئات الشعبية أناس فقراء وبدون قيادة، ولكنهم يملكون الوعي والعرفان والقيم والمثاليات الإنسانية، فإذا سنحت لهم الظروف، فأنهم سوف يثبتون فضيلتهم، هنا إنحاز خاني إلى جانب العامة (أي الشعب والأكثرية) وليس الأقلية الحاكمة التي ليس لها هم سوى مصالحها. وكما أكد خاني هذا الانحياز السياسي والاجتماعي والطبقية في السطور التالية:
أما من الأزل جعل الله هكذا
جعل هؤلاء الروم والعجم حكاما علينا
طبيعتهم ولو كان أي عار
فإن ذلك العار له   معنى على الملأ
ناموس على الحكام والأمراء
ماهو ذنب الشعراء والفقراء
إذاً أشار خاني إلى المراحل الطويلة لحكم الروم (العثمانيين) والعجم (الصفويين) على كردستان، وكأنها أزلية وقدرة إلهية! وكما وضع المسؤولية على عاتق الحكام والأمراء الذين يتمسكون بزمام الأمور ولهم تأثير في مجرى الأحداث. وبالمقابل يسأل خاني عن ذنب الشعراء وعامة الشعب أي الفقراء في وصول الوضع إلى نقطة مأساوية وسلبية، فيرى بأن هذه الفئات (أي الأدباء والعامة) ليس لهم ذنب، لأنهم يريدون كل الخير والحرية لبلدهم ولكنهم لايستطيعون التأثير على مجرى الأحداث بسبب عدم سيطرتهم على زمام الأمور في المجتمع.
إن خاني أشار في أثره المسماة بـ طرفة الأطفال بإنه لم يكتب للأرستقراط والفئات الحاكمة النخبوية بل لأطفال الكرمانج (عامة الشعب).
أي يهمه أطفال الشعب الكادح وليس النخبة الأرستقراطية.
هذه السطور التالية تكشف لنا هذه الحقيقة:
لا شك كلمة الكرمانج تعني هنا كما سبق وقلنا، الفئات الشعبية من المجتمع والتي لاترتبط بروح العشيرة كثيراً وهم الرعية على الأغلب بينما كلمة "صاحب رواج" الموجودة في السطر الرابع فهي تعني رؤساء العشائر الأرستقراطيين. وتعني هذه السطور بالعربية مايلي:
هذه عدة كلمات من اللغات
جمعها احمدى خاني
سماها طرفة الأطفال
ليس من أجل أصحاب الرواج (أصحاب الجاه)
قد يكون لأطفال الكرمانج
وكما رسم احمد خاني صورة للحاكم أو الأمير المثالي في أثره طرفة الأطفال "نوبارا بجوكان، وأكد على أن الأمير الجيد عليه أن لا يكذب ولا يتكلم خطأً مهما كانت الضغوطات ومهما كانت الظروف. لأن القائد أو الأمير يستطيع أن يكسب احترام وحب الشعب بهذه الخصوصية (الصراحة والشفافية) حسب خاني ونود أن نشير بأن فكرة خاني حول خصوصيات الأمير يتناقض مع فكرة ميكافيلي في هذه المسألة وكما يتناقض مع فكرة أفلاطون الموضحة في كتابه " جمهورية أفلاطون" لأن أفلاطون أيضاً يرى مشروعية الكذب عند الشخصية الحاكمة أو الأمير في ظروف معينة بحجة "حماية مصالح الدولة العليا".
في النتيجة، نظام الفكر البارز في أدب خاني وتستند إلى النمط الغربي والشرقي معاً، فمن حيث النظرة التصوفية ـ الزهدية والإنسانية إلى المسائل فهي شرقية النمط، وأما من حيث النظرة العلمانية والطبقيةـ الاشتراكية والتقدمية إلى المسائل فهي غربية النمط فهو جمع بين ميكافيلي ( من بعض الجوانب) ومحي الدين العربي من ناحية، وكما جمع بين زردشت وطاليس من ناحية أخرى، أي جمع بين وحدة الوجود والديالكتيك وفلسفة الطبيعة والحداثة السياسة، يمكن القول بأنه مركب لأفكار متناقضة من بعض النواحي ومتجانسة من النواحي الأخرى. إن خاني يطرح مشروعاً سياسياً وفكرياً واجتماعياً حديثاً حسب زمانه ومكانه والظروف المحيطة به.
يقول السيد ع . أ حول  أ. خاني مايلي: في إحدى كلماته حول الأدب "لايوجد عشق بدون وطن، بدون سلطة الشعب لايوجد عشق وحب الحكاية تثبت ذلك {يقصد مم وزين، الإشارة هنا}. أراد احمد خاني فعل شيء ما قبل 300 عام . في القرن السابع عشر، مرحلة الحروب الوطنية والديمقراطية، هذه السنوات تشكل بداية لنمو روح الوطنية. نمت في أوربا وحتى في الشرق الأوسط، كان هناك ضرورة لمثل هذا الروح في كردستان. وقد أثبت أحمد خاني. وهو يقول: "لو كان لنا وطنا وسلطة، لما سقطنا تحت سيطرة الترك والعجم و ....." . هكذا إذاً العيش على ذلك والقيام بالنوروز والعشق نظرة صحيحة، هذا خيال تقدمي".
إن المدرسة الأدبية لأحمد خاني استمرت في تأثيرها على الأدباء حتى يومنا هذا، كعماد أساسي للأدب الكتابي في كردستان، وقد استمر بعد خاني جملة من الأدباء على هذا المنوال، منهم علي ترموخي ونالي وقادر كوي وغيرهم.